لم ينجب العالم العربي مثيلاً لغادة السمان بعد، هذه الكاتبة الجبّارة التي منحت قارئها ومحاورها الكثير من الاهتمام، والاحترام. لقد تفرّدت في خطابها، وظلّت وفية لذلك التّفرُّد الذي لم تلوثه الميديا إلى يومنا هذا. فوحدها كتبت من عمق تجربة حقيقية، مختبرة المجتمعات العربية والغربية بما أوتيت من حدس وذكاء، وسجّلت ما تعلمته في نصوصها. لم تجلس هذه السيدة خلف مكتبها وتهرف علينا بنظرياتها، لم تستعن بكاتب مرموق ليزكيها لدى قرائها، لم تلجأ لوسائل الإعلام الصوتية والمرئية للترويج لنفسها، فقد فضّلت أن يقدمها قلمها دون تزييف. حتى في قمة البهرج الإلكتروني ظلّت كاتبة الياسمين الشامي وفية لمخبئها السري، منكبة على أوراقها لتوثق لحياتها. لقد أدركت باكراً أنها تمثل مرحلة مهمة من تاريخ الأدب العربي المعاصر، وأن ذلك سيفتح شهية أغلب المرضى النفسيين في وسطنا الأدبي لتشويه حياتها، كما فعلوا سابقاً، حين كانت تهزُّ بيروت بوقع خطاها، وهي غير آبهة بكمّ الشائعات التي لاحقتها حتى عقر مخبئها الباريسي، حيث هربت من حرب ليست طرفاً فيها. تجربة غادة السمّان لا تكمن فقط في شق طريق صعب لغيرها من المبدعات على المستوى العربي، بل في خوض معارك إثبات الذات وحيدة، لقد كانت حياتها صعبة، وقد حضرت أجيالاً بأكملها تحضيراً صادقاً لمواجهة وحوش عالم الأدب والإعلام والثقافة. واليوم ها هي تصدر كتابها التاسع والأربعين، تحت عنوان "تعرية كاتبة تحت المجهر" عن دار الطليعة، بيروت، وهو يضم حوارات أجريت معها، منها حوار أجراه الشاعر السعودي سعد الحميدين، وحوار أجراه معها الكاتب السوري الراحل ياسين رفاعية، وكتاب آخرون منهم كاتبة هذه السطور.. يؤرّخ الكتاب لحكاية جميلة هي جزء من حياة غادة وأجزاء من حيواتنا نحن من حاورناها، وقرأنا أدبها الظّاهر منه والمستتر، وفكرة جمع هذه الحوارات تكريم حقيقي للإعلامي ومهمته الصعبة لمحاورة الآخر.. علينا هنا أن نتذكّر أن بعض الكُتّاب لا يجيبون على أسئلة الصحفي إلاّ بعد الحصول على مكافأة مادية عالية من الصحيفة التي ستنشر الحوار، بعضهم يستغل الصحفي بأسلوب لا يوصف ليروّج له، على سبيل المثال هناك من كتب لي مقدمة بنفسه ضخّم فيها حجمه بشكل صدمني، إلاّ غادة السمان رغم شهرتها واعتبارها أهم قلم نسائي عربي خلال القرن العشرين، لا شروط لها سوى أن ترسل لها الأسئلة عبر الفاكس، وبعد أيام تردنا أجوبتها الكتابية بخط يدها، وكأنّها بصمة حب. لا شيء غيّر السمان، إنّها الكائن الحبري الوحيد الذي يستمتع بالحياة داخل محبرة، ويصنع دهشتنا كل سنة بإصدار جديد.