في كل عام تأتي العطلة الصيفية ويهرب الكثير من أفراد المجتمع إلى الخارج بحثا عن مساحة يتغيرون فيها، هناك حيث يندهشون، ويعيشون نمطا آخر للحياة ومسارا جديدا لشكل السياحة التي لم يعتادوا عليها محليا.. هذه هي الحقيقة التي لا تختفي خلف سياحتنا المحلية وإنما تظهر بشكل واضح حينما تتنقل بسيارتك في أنحاء وشوارع المدينة لتكتشف بأنها أصبحت شبه فارغة، فتلك ليست مبالغة فالأماكن تبدو أكثر وحدة، والحدائق والمقاهي تتثاءب لأن الكثير غادروا، فالمواطن مضى إلى سياحته التي يتخيلها خارجا والوافد غادر إلى موطنه حيث الحضن العائلي الذي لطالما اشتاق إليه ولم يبقَ سوى العائلات التي لم تستطع أن توفر المال من أجل السفر، وأفراد بحكم العمل صامدين أمام مدن كسولة أمام موجة صيف غيرت كثيرا من مزاج الأشياء وطعم الأرواح. تقف "الرياض" هنا لتطرح السؤال الأكثر أهمية في هذا الصيف ولتدع المختصين والناس يجيبون.. لماذا صيفنا حارق وغائب وكسول؟ وإجازتنا بلا سياحة مكتظة؟ ودهشة تأخذنا إلى لقاء الوطن في حكاية، كما نلتقي في الأوطان التي نسافر إليها بثقافة وأسلوب حياة؟ أين الخلل؟ في مؤسسات لا تعي الأسلوب الأمثل لفرض نفسها سياحيا من خلال وطن حباه الله -سبحانه- بكل الامتيازات الخلابة حتى يكون وطنا رائعا سياحيا؟ أم في المشاركة وتقاسم مبدأ الفكرة؟ أم في الإمكانيات أو ربما في الخجل السياحي الذي مازال يسكن بيننا؟ حديقة الادخار كشفت أم عبدالعزيز يوسف بسرها إلى "الرياض" وهي الأم لأكثر من خمس بنات وولدين وزوج متقاعد منذ أكثر من ثماني سنوات لتقول بأنها في كل عام دراسي تحرص على الدخول في "جمعية" مقدارها (500) ريال حتى تستطيع الحصول عليها في بداية العطلة الصيفية فتخطط مع بناتها الخمس اللواتي مازال التوق للحياة يسكنهن للسفر خارج المملكة وحينما سألنا "أم محمد" وماذا عن السياحة المحلية؟ شوحت بيديها بصيغة النهي وقالت (أين هي؟ لا نرى شيئا). وعلى الرغم من الضغوط التي تعانيها أم محمد في توفير هذا المال من أجل السفر وانتقاد الكثير لمبدأ الصرف المادي لسفر السياحة إلا أن الأمر بالنسبة لأم محمد وللكثير من الأسر السعودية يأخذ منحى آخر ومهماً فالإجازة لا تؤثر كثيرا لديهم إذا لم يحدث التغير البصري والروحي الذي يشعر المرء بأنه سائح. فالسفر من أجل السياحة لدى البعض متعة في حين يراه البعض الآخر ضرورة. وأضافت "أم محمد " قضينا الأيام الأولى من العطلة الصيفية بين الزيارات العائلية وبين حديقة الحي ذات السور المكسور ففي بعض الأيام نجهز وجبة العشاء ونخرج أنا وهؤلاء البنات للجلوس في الحديقة ومشاهدة المارة والاستمتاع بأصوات الأطفال وهم يتشاجرون على المرجوحة الوحيدة في الحديقة إلا أننا ملننا فقررنا أن نبدأ سفرتنا لإحدى الدول الخليجية من أجل مشاهد جديدة ومتعة متغيرة، فلا وجود للسياحة سوى في المقاهي التي تحتاج أيضا إلى المال وفي المولات التي تغري لمزيد من الشراء فلا شيء سوى التبضع. بناء البيئة الاجتماعية ولفت أستاذ تخطيط وموارد سياحية بقسم الإدارة السياحية والفندقية بجامعة الملك سعود د. عبدالمحسن عبدالله الحجي إلى أن السياحة كنشاط اجتماعي واقتصادي يوجد تكامل بينهما فقبل أن تبني البيئة الاقتصادية الملائمة يجب أن نبني بيئة اجتماعية، فهيئة السياحة لدينا لها دور وكان من ضمن برامجها التوعية الاجتماعية وتعزيز الولاء للمنتجات السياحية المحلية ولكن بدون شك فإنه نتيجة الانفتاح السياحي العالمي والتنافسية العالمية رفعت طموحات السائح السعودي وجعلته غير مقتنع ببعض المنتجات السياحية في المملكة والمنتجات المحلية، وربما هناك عوامل لا نستطيع أن نغير فيها كالمناخ وغيرها ولكن مازالت هناك عوامل أخرى معيقة كالانتقال من مكان إلى مكان فانتقال السائح من مدينة الرياض إلى أي منطقة أخرى سياحية في داخل المملكة يعادل سفره إلى أي مكان في العالم، والذي يجد فيه منتجات تنافس المنتجات المحلية وهذا ما يدفع المواطن إلى تفضيل السياحة الخارجية، كذلك الجودة فالمنتج السياحي لم يصل إلى الجودة. وقال: "حينما نتحدث عن الجودة فهنا نتحدث عن التجربة السياحية كاملة وتشمل السكن والطعام المقدم وما نراه في الشارع ومن نسلم عليهم في المحلات التجارية فجميعها تدخل ضمن التجربة الكاملة التي تعطي انطباعا عن المكان وبرغم جميع ذلك فلدينا إشكالية أن السائح السعودي لم يبنِ ثقافة التراث الشعبي ذلك التراث الذي يرغبه في الانتقال من مدينته داخل المملكة إلى مدينة أخرى في المملكة مؤكدا بأن الأشياء الدائمة لتعزيز المنتج المحلي ليست في مستوى التنافسية الواضحة فعلى الرغم من أننا قد نؤمن بمنتجات هيئة الترفيه ولكن هناك أولويات في منتجات الترفيه يجب أن تكون موجودة فوجود مكان مريح ومناسب للعائلة وله صفات الجودة والاختلاف في طريقة تقديم الطعام وتنظيم المكان برفاهية فذلك مقدم على إقامة الحفلة الموسيقية لأنها أساسيات في السياحة على الرغم من أهمية مثل هذه الحفلات لفئة الشباب". إبهار وإبداع وشدد الحجي على ضرورة أن يكون هناك عنصر الأصالة والاستمرارية مع الإبهار حتى تكبر سياحتنا المحلية وإلا تحولت إلى أي نشاط اقتصادي به طابع الملل والسأم منها، فتجارب بعض الدول في المنتجات الاقتصادية طويلة جدا قد تستمر حتى 200 سنة فنجد مطعما له 300 سنة ومازال موجودا ويتحول إلى جزء من تسويقه أن عمره 300 سنة والسؤال: ما لذي يجعل هذا المطعم البسيط الأسري يستمر 300 سنة، بينما أفخم مطعم لدينا يستمر سنتين وقد ينتهي؟ وهذا ما ينطبق على منتجاتنا السياحية فليس لديها القوة لتنافس، ولذلك فالتطور يحتاج إلى إبداع ومبادرات ودراسة السوق وتغير سياسات وغيرها الكثير، فهناك مناطق عرفت في فترة من الفترات بنشاطها السياحي الكبير كالطائف وأبها ثم خفتت وتلك المشكلة ليس لدينا عناصر الاستثمار المؤسساتي فهو استثمار يتبناه فرد أو مجموعة وقد يختلفون وينتهي الاستثمار، أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص فمازال هذا القطاع يعتمد على أن الدولة ريعية ويرفض المخاطرة. وذكر أنّ أهم الأمور التي من الممكن أن تحسن من واقع السياحة المحلية تتمثل في أن يكون مفهوم السياحة هو المظلة والقطاع الحكومي والخاص والقطاع غير الربحي هو المحرك وليس بالعكس فالمؤسسات الربحية أو غير الربحية يهمها المسؤولية الاجتماعية ولكنها للأسف أصبحت نوعا من الواجهة التسويقية لمنتجاتهم فالمفهوم خاطئ، مبينا بأن هناك مفهوما مغلوطا نحو معنى السياحة فالسائح العربي يسافر إلى دولة وقد لا يعرف منها سوى شارعين والمكان الذي يسكن فيه بخلاف السائح الأجنبي الذي يحرص حينما يزور مدينة على التعرف على ثقافة الناس الذين يعيشون في تلك المدينة، كيف يعيشون، وكيف يأكلون، وكيف يعملون، فطبيعة الحياة هي الأساس في السياحة لديهم. أسعار مبالغ فيها وأوضح الخبير السياحي راضي الحربي أن مناطق المملكة بها من الثروات السياحية ما لا يمكن أن يتم تصوره ولكن الإشكالية في عدم وجود الخدمات والتنسيق مع الجهات المعنية فالسائح يسافر إلى منطقة في داخل المملكة فيسكن في مكان مصنف أنه سياحي أو فندقي فيكتشف بأنه غير نظيف، كما لا يوجد إرشاد سياحي بالخدمات الموجودة في المنطقة، مشيرا إلى ضرورة أن يكون هناك جهات تعد برامج وتخاطب اهتمامات الشريحة السعودية؛ لأن كل شريحة لها اهتماماتها، كما أن هناك مشكلة غلاء الأسعار في السياحة المحلية تضاهي أو توافق السياحة الخارجية فالسكن في بعض مناطق المملكة يصل فوق 1000 ريال بخلاف الطعام والتنقل في اليوم وهي أسعار مبالغ فيها. وأشار إلى وجود بدائل سياحية بسيطة لتنشيط السياحة المحلية كالحرص على النظافة وخفض الأسعار دون ضرر مع توفر الخدمات الجيدة مع وجود الأفكار المبتكرة، ولكن للأسف الكثير لا يعي مفهوم السياحة الحقيقة فعلى سبيل المثال تأجير الاستراحات الزراعية يوجد بها مبالغة لأن الكثير من المزارعين ترك مزرعته لأن منتجاته في السوق لا تفي تكاليف تلك المزرعة فهجرها مبينا بأن عدد المزارع في المملكة يصل تقريبا إلى 400 ألف مزرعة وعدد السكان يصل 21 مليونا، وذلك يعني أن مليون شخص يملكون مزرعة والبقية لا يملكونها فحينما تطرح تلك المزارع للسياحة بأسعار معقولة ومدروسة ولا يوجد جشع فيها، فالناس ستقبل عليها، فالتوعية ضرورية للمجتمع ولمن يرغب في تقديم خدمته السياحية وكيف تسوق لها؟ فالأسعار مبالغ فيها وهذا ما يدفع الكثير للهروب من السياحة الداخلية. د. العقيل: 60% من السكان شباب.. يجب توجيه البرامج لهم ورأى المختص الاجتماعي د. صالح العقيل أن النمط السياحي مايزال هو المسيطر على اتجاهنا نحو السياحة فلا تزال فئة الشباب لها نمط معين في السياحة وبالتالي تبحث عنها خارج الحدود والعائلة لها أهداف سياحية مختلفة ويبحث بعضها داخل الحدود والبعض يبحث عنها خارج الحدود، فللأسف القائمون على السياحة لا يزالون يركزون برامجهم على السياحة العائلية، فجميع الأنشطة تبنى بطريقة عشوائية؛ فالتخطيط بعد بدء الإجازة في حين لا بد أن يخطط لها منذ بداية العام وتنفذ في الإجازة الصيفية بطريقة مختلفة، فنحن لا نرغب في مشاهدة برنامج سياحي يعرض برامج ضعيفة كمشاهدة عجائز ترضع الحليب فمثل هذه البرامج لا ترتفع بذائقة السائح، مؤكدا على ضرورة إشراك القطاع الخاص في السياحة ويجب دعمه لإنشاء مدن ترفيهية حتى تحقق أهداف السائح، وربما أن بعض السياح لديهم أهداف لا يمكن توفيرها في السياحة المحلية كرغبته في طقس بارد فمثل هؤلاء يعذرون للرغبة في السفر، إلا أن الكثير يرغب بالمدن الترفيهية ومثل هذه المدن يجب أن تخلق محليا لدعم اقتصادنا المحلي، وذلك لن يتم إلا من خلال تخفيض الاشتراطات لبناء مثل هذه المدن حتى تشرع في عمل الأماكن الترفيهية والمقاهي والمطاعم والفنادق، فهناك مدن ذات إمكانيات بسيطة ولكن لديها سياحة متطورة وعندها إقبال عربي كبير وذلك بسبب التخطيط الجيد. وأشار إلى أنه قدم في رسالة الماجستير الخاصة به وكانت تدور حول التخطيط السياحي المحلي الكثير من المعوقات والحلول فنحن لا نزال نحاكي المرأة والأطفال في برامجنا السياحي إلا أن 60% من سكان المملكة من فئة الشباب فيجب أن توجه لهم البرامج السياحية بعيدا عن الصورة النمطية لإنشاء صالات الرياضة وأماكن الشيشة، فالشباب يحتاجون إلى أن توفر لهم السياحة الداخلية بما يتناسب مع تعاليم ديننا الإسلامي، مبينا بأن الإشكالية في الخوف من التغير فالسياحة لها متطلبات كثيرة فإذا ما نظرنا إلى السياحة الدينية نجد بأننا نجحنا فيها بشكل هائل وذلك بشهادة العالم إلا أن ذلك لا ينطبق على السياحة الاجتماعية فعلى سبيل المثال تخلو فنادقنا في حال السكن بها من أي مظهر ترفيهي عائلي، كما أن المناطق تخلو من أي مظهر سياحي فأين نحن من البحيرات الصناعية؟ ومن فتح المجال لتنفيذ برامج تستثير اهتمام السائح!. د. صالح العقيل د. صالح العقيل تهدف المملكة لرفع الاستثمار السياحي إلى 45 مليار دولار في 2020م د. عبدالمحسن الحجي