منذ اثنين وثلاثين سنة وفي بداية مشواري الإعلامي وفي خطواتي الأولى في عالم الصحافة كلفت من قبل الصحيفة بتغطية مناسبة يرعاها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله، وعقب انتهاء الحفل اجتمع الإعلاميون حول راعي الحفل وإذا بالمتحدث اللبق وبكل تواضع وأريحية يجيب عن أسئلة الصحفيين وقد أسرني هذا اللقاء الذي لن أنساه والجواب عن السؤال الذي قدمته له وكان عن موعد تشغيل مطار الرياض الجديد “ مطار الملك خالد “ وكان هذا الجواب صدراً للعناوين الأولى لجميع الصحف وانتشيت لهذا الخبر لأنني الذي طرحته مما حفزني على الحضور والسؤال في مناسبات قادمة ، ثم كانت خطواتي العملية في مجال آخر حظيت بها في لقاء سموه في مسيرة العمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وكان من توفيق الله أن حظيت بشرف لقاء سموه في مناسبات عديدة في مختلف مناطق المملكة وخاصة بيوت الله إلى جانب لقاءات أخرى شرف بها عدد من مسؤولي الوزارة في مكتب سموه وكانت لقاءات توجيهية ماتعة ، ومازلت ، أذكر توجيهاته السديدة للعاملين في الشؤون الإسلامية وكانت هذه اللقاءات مختلفة ولمرات عديدة بدأت منذ نشأت الوزارة وحتى قبل مرضه الأخير رحمه الله وقد لمست من خلال هذه اللقاءات أن الفقيد طيب الله ثراه يتمتع بذكاء حاد ، وحس وقاد ، وهمة عالية ، ونضج كبير ، وغيرها من الصفات الحميدة كالإخلاص والتفاني والصدق والأمانة والبذل والتضحية ويشهد الكثيرون ممن عايشوه بذلك . لقد كان لسموه رحمه الله موقف مشهود عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتأكيد على تصحيح صورة الإسلام في الغرب وأن الإسلام دين الرحمة والتسامح والعدل والأمن والطمأنينة ، وأن أعداء الإسلام كثيراً ما يسعون إلى تشويه صورة الإسلام من خلال إلصاق الاتهامات الباطلة بالدعاة والعلماء ووصفهم بالتطرف والعنف والإرهاب والحال أنهم هم الذين يمارسون العنف والفظاظة ، وقال: إن هناك من يطالب الآن بالقضاء على مناهج الدين في المدارس لأنهم في الأصل يحاربون القرآن والسنة اللذَيْن هما من رحمة الله بعباده كافة ، وقال: مهما تعرض الإسلام والمسلمون للحملات فإن الله سبحانه وتعالى ناصر دينه وقد تعرض الأنبياء والرسل للمضايقات في تبليغ الدعوة ، وقال : إن على العلماء قبل غيرهم التنبه لهذه المكائد وألا يقعوا فيما يحاك للأمة والدعاة والعلماء على وجه الخصوص والتأكيد على الدعوة إلى الله بالحكمة واللين والموعظة الحسنة وهو امتثال لأمر الله عز وجل ، وإذا كانت هذه صورة من صور بعض اللقاءات للمشايخ ومن الدعاة وطلبة العلم من أبناء المملكة فإن سموه أيضاً يحمل هاجس الدعوة والدعاة في العالم الإسلامي ونجد ذلك في لقاءاته بالوفود الإسلامية التي تزور سموه ضمن برنامج زياراتها في المملكة فقد كان يدعو دائماً في لقاءاته إلى توحيد أمر المسلمين في كل بلد وفي كل البلدان جميعاً وإلى عدم التعصب والتحزب وعدم الإنفراد بالرأي، والعمل دائماً بروح الجماعة ومما كان يؤكد عليه في لقاءاته دائماً درء الفتنة بين الحكام والشعوب، وبين الحكام والعلماء والدعاة، وإحداث نوع من التواصل والألفة والتقارب لقطع الطريق على المتربصين ومن يعملون على إحداث فجوة بين العلماء والحكام . لقد أكرم الله سبحانه وتعالى هذا البلد المعطاء منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله فقد دعم مسيرة العمل الإسلامي ، ووحدة صف المسلمين ومساندة المسلمين، ولم يقف الدعم عند حدود الأعمال الرسمية. وكان لسموه شخصياً إسهام وافر في دعم العمل الإسلامي والدعوة إلى الله عز وجل ومن ذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر بناء المئات من المساجد والمراكز الإسلامية خارج المملكة عدا المساجد التي شيدت في بلادنا. وكذلك إنشاء كراسي الدراسات الإسلامية في عدد من جامعات العالم لتوضيح صورة الإسلام الحقيقية، وبيان محاسنه وتصحيح المفاهيم عن الإسلام والشبهات التي نشرت عنه من المستعمرين والكتاب والإعلاميين الذين قدموا معلومات مليئة بالمغالطات والشبهات . وكان من ثمرة هذه الكراسي الاطلاع على سماحة الإسلام، والتعرف على مافيه من دعوة للتآلف والتعارف والتواصل والترابط، وهذه المؤسسات التي تقدم الفكر الإسلامي المستنير لتعريف المجتمع الإسلامي كله بتعميم العقيدة الإسلامية السمحة وأخلاقياتها الرفيعة وهي جزء من صميم الواجبات التي تقوم بها المملكة العربية السعودية . ولقد كان للفقيد رحمه الله علاقات حسنة مع كثير من العلماء والدعاة في بقاع كثيرة من بلدان العالم وجميعهم يذكره بالخير وبعبارات التقدير والاحترام ومنهم من أورد ذلك في مذكراته وسيرته وذكروا فيضاً مما وجدوه من سموه من التوقير للعلماء والتواضع وحسن التلطف وإكرام الوفادة والإحسان إليهم ومنهم من ذكره ولم يلتقِ به وإنما لمس معروفه وسمع عنه وأصاب من خير . وأذكر من ذلك أننا في رحلة رسمية خارج المملكة وإذا بأحد المشايخ في شرق آسيا يعدد للوفد السعودي بعض أصناف التمر وأنواعها وبادر أعضاء الوفد بسؤاله عن هذه المعلومات فأجاب بالدعاء أولاً ثم بالثناء ، فقال : الفضل لله سبحانه وتعالى ثم للأمير سلطان فقد جاءت إلينا هذه التمور ومنذ عدة أعوام بتغليف جذاب من مزارع سموه وعلى كل مغلف اسم التمر ونوعه فأدركنا خصائص بعض التمور ومسمياتها من هذه الهدايا الطيبة . وأما علاج الدعاة في مستشفيات المملكة أو في الخارج على حسب ما أعلم من الإخوة في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد فإلى جانب التوجيهات السامية الكريمة بعلاج الدعاة في مستشفيات المملكة فإن هناك من التخصصات التي تتوافر في بعض القوات المسلحة وتتميز عن غيرها ومن ذلك مراكز جراحة القلب استقبلت عدداً من توجيهات سموه بعلاج عدد من الدعاة وطلبة العلم في مختلف العالم الإسلامي بل وبعض القيادات الكبيرة ومنهم من لايزال يواصل العلاج في هذه المستشفيات ومنهم من نقل بطائرة الإخلاء الطبي .