تباينت الرُّؤى حول المادة الشِّعريَّة التي نظمها شعراء الدَّعوة الإسلاميَّة في عصر النُّبوَّة والخلفاء الرَّاشدين ، فمن قائل إنَّها تتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة التي تغيِّر فيها مجرى الحياة في الجزيرة العربيَّة في كل الجوانب الفكريَّة ، والدِّينيَّة والاجتماعيَّة ، ومن قائل إن الشِّعر قد قلَّ بشكل كبير ، ولم تظهر تلك الغزارة الشِّعريَّة المألوفة ، وأصحاب هذا الرأي قارنوا بين عصرين الإسلامي وما قبله في الجاهليَّة ، وهذه المقارنة لا تصحُّ ، فهي قياسٌ مع الفارق الذي لا يخفى على متأمِّل، فالعصر الجاهلي كما حدَّده الجاحظ يمتد إلى مائتي سنة قبل الإسلام ، بينما عصر صدر الإسلام لا يزيد على أربعين سنة . ولا ينحصر الخلاف في الغزارة الشِّعريَّة من عدمها بل يتجاوزه إلى الموضوعات الشِّعريَّة ، فقد اتخذت القصيدة الجاهليَّة مذهباً أدبيَّاً لا يشاركها فيه غيرها في العصور اللاحقة ، وهي تمثِّل عصرها تمثيلاً دقيقاً ، أمَّا القصيدة بعد البعثة النَّبويَّة فهي تترجم عن معانٍ جديدة ، وأفكار ورؤى تحمل في داخلها قيم المرحلة الجديدة ، فقد أقامت الدَّعوة الإسلاميَّة نظاماً متكاملاً في طبيعة الحياة الفكرية ، وأول من تأثر بها أصحاب الكلمة البليغة ، بل لقد استُحدثت بعض الأغراض الشِّعريَّة التي لم تكن معروفةً من قبل كشعر الجهاد الذي صوَّر ما دار من معارك وخصومات ، وأتى في خضمِّ ذلك بمعان شعريَّة لم تظهر في الشِّعر الجاهلي إذ نجد بعض الشُّعراء وهو يخوض المعركة يرثي بعض أعضائه التي قُطعت أثناء القتال ، ومن ذلك ما يظهر في شعر الصَّحابيُّ عبد الله بن سبرة - رضي الله عنه - الذي قُطعت يده في يوم "فِلطاس " حين كان يبارز "أرطبون " قائد الروم حيث صرعه في أرض المعركة ، غير أنَّ أرطبون قبل مصرعه نال يد عبد الله بسيفه فبترها ، فقال يرثيها : يُمْنَى يَدِيَّ غَدتْ مِنِّي مُفَارِقةً لم أسْتَطِعْ يومَ فِلْطَاسٍ لها تَبَعَا وما ضَنِنْتُ عليها أن أصاحبها لقد حَرَصَتُ على أَنْ نَسْتَرَيْحَ مَعَا وَقَائِلٍ غَابَ عنْ شَأْنِي ، وقائِلةٍ هَلَّا اجْتَنَبْتَ عَدَوَّ اللهِ إذْ صُرِعَا وكيف أتْرُكُهُ يَسْعَى بِمُنْصُلِهِ نَحْوِي وأعْجَزُ عَنْهُ بَعْدَمَا وَقَعَا مَا كَان ذَلِكَ يَوْمَ الرَّوْعَ من خُلُقِي ولَوْ تَقَارَبَ مِنِّي المَوتُ فاكْتَنَعَا ويفقد الصَّحابيُّ الجليل عبيدة بن الحارث بن عبد المطِّلب - رضي الله عنه - رجله عندما كان يبارز شيبة بن ربيعة في موقعة " بدر " فيقول : فَإِنْ تَقَطَعُوا رِجْلِي فَإِنِّي مُسْلِمٌ أُرَجِّي بِهَا عَيْشاً مِنَ الله دَانيَا مَعَ الحُورِ أَمْثَال التَّماثيل أُخْلِصَتْ مَعَ الجَنَّةِ العُلْيَا لِمَنْ كَانَ عَالِيَا وبعْتُ بها عَيْشَاً تَعَرَّقَ صَفْوُهُ وعَالَجْتُهُ حتَّى فَقَدْتُ الأَدَانيا فَأَكْرَمَنِي الرَّحْمَنُ مِنْ فَضْلِ مَنِّهِ بِثَوبٍ مِنْ الإِسْلَامِ غَطَّى المَسَاوِيَا وشاعر آخر يفقد إحدى عينيه ، فيتصبَّر ويرجو من الله أن يعوِّضه عنها بالثَّواب الجزيل ، يقول عثمان بن مظعون رضي الله عنه : فَإنْ تَكُ عَيْنِي فِي رِضَى الرَّبِّ نَالَهَا يَدَا مُلْحِدٍ فِي الدِّينِ لَيْسَ بِمُهْتَدِ فَقَدْ عَوَّضَ الرَّحْمَنُ عنْهَا ثَوَابَهُ وَمَنْ يُرْضِهِ الرَّحْمَنُ يَا قَوْمُ يَسْعَدِ * الجامعة الإسلامية – المدينة المنوَّرة Mh1111m@ : تويتر [email protected]