* إعداد - تهاني بنت عبدالكريم المنقور: من المعروف ان الأجيال مع تعاقبها وتتاليها تتغير بها العديد من التوجهات والأفكار والتكوين الفكري لها، وذلك كله يأتي تبعاً للتكنولوجيا بكل مظاهرها وأيضاً للتقدم الحضاري والمادي الذي لا بد من مسايرته وذلك يحدث تغيرا ثقافيا فكريا.. ورغم ذلك نجد ان الجيل يكون بعيداً عن تلك الحضارة والتقدم ويتمسك أو يأخذ منها القشور ويترك اللب.. ويهتم بالمظهر ويترك القيم والمبادئ، ويؤثر عليه الغزو الفكري المدسوس، فهو الآن بعيد كل البعد عما يدور حوله، وبمعزل عن قضايا عصره وهمومه.. قضيتنا هنا.. سنحاول بها ان نضع بعض الأساسيات البسيطة والمتواضعة ونرسم ما يمكن لنا من ملامح الإعداد والتي يمكن لها ان تساعدنا في إعداد جيل واع فكرياً وثقافياً لنضمن ان الجيل القادم سيكون محصنا ضد أي عمليات تتم في الخفاء ضده قدر ما نستطيع.. وفي نقاش قضيتنا تلك يسعدنا ان نستضيف حول دائرة الحوار كلاً من: الدكتور عبدالله الفيفي. الدكتور ابراهيم بن محمد العواجي. الأستاذة مريم بوبشيت الدكتورة ثريا العريض الأستاذة هدى الدغفق وحاولنا ان تكون محاور نقاشنا مرتكزة على كيفية إعداد جيل واع فكرياً، والتفرع منه الى النقاط التالية..ما الذي ينقص الجيل القادم حتى يصبح جيلاً واعياً فكرياً، وكيف لنا توعية ابنائنا بالخطر الفكري المحدق حولهم، وما الذي يجب علينا عمله لنوصل له تعاليم الدين الإسلامي بعيداً عن الفرض والإلزام وبالشكل الذي يجعله مقتنعا به ونابعة منه. وغير ذلك من التفرعات.. واعتقد اننا أولا وأخيراً نصب في «كيفية إعداد الجيل القادم ليكون واعياً فكرياً وثقافياً!!». نقد المؤسسة الثقافية يبدأ بنا الدكتور عبدالله الفيفي حول كيفية الإعداد لهذا الجيل قائلاً: هذا سؤال أمة لا يمكن ان يفتي فيه اختصاصي واحد، لقد آن ان نتجاوز الإجابات الانشائية المثالية، التي لا يعدو غرضها ملء فراغات في الصحف، يمكن ان يكون مثل هذا السؤال قضية مؤتمر تشارك فيه جملة من المؤسسات المعنية، دينية، واجتماعية، وتعليمية، وإعلامية، الخ، ومن خلال ذلك يمكن ان تتضافر الرؤى حول رسم خطط علمية قابلة للتنفيذ. وأي إجابة خارج هذا الإطار، ستكون اجتهادية قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود. الثقافة العربية لا تنقصها الاجابات الصحفية او حتى الفكرية التي تملأ الأرفف والأراشيف. اننا نملك أكبر رصيد تنظيري، لكن جعبة الإرادة التطبيقية لدينا خاوية، ما يغيب عن فعلنا الثقافي العربي اذن ليست الأفكار، ولكن التخطيط المؤسسي ذو القرار، الذي يعول عليه في وضع الأفكار محل البرمجة والتنفيذ. فهل تريدين نقد المؤسسة الثقافية أولاً. يبدو ان هذا هو المدخل الأول للإجابة على سؤالك . غير انها لا تنقصنا كذلك اضابير النقد لمؤسساتنا، تعليمية وإعلامية وتربوية، ولا حراك هنالك يلحظ في سبيل الإصلاح. إلا انه لا مناص من طرق هذا الباب، لعل الكلمة تصل يوماً فيستيقظ الساكن، وما بأيدينا سوى هذا. اما اذا رفض الساكن ان يطرق النقد بابه، وكثيرا ما يحدث، فقولي على الدنيا السلام. إعداد الجيل تنهض به ثلاثة أجهزة: الجهاز التعليمي، الجهاز الإعلامي، والجهاز الأسري، ولئن كان موقع الأخير الطبيعي ان يمون في البداية لا في النهاية، إلا انه لا بد من الاعتراف انه قد تراجع في العصر الحديث عن تلك الصدارة. فماذا عن هذه الأجهزة. التعليم ما يزال لدينا يؤمن بالتلقين وحشوكم من المحفوظات وهو الى ذلك يوكل امر أطفالنا الناشئة من المتدربين هم في بداية حياتهم العملية في التدريس، بما يفتقرون اليه من التأهيل والنضج. والمناهج تصطفي مادتها غالباً لمآرب لا ترقى الى متطلبات التنمية في مرحلتنا الراهنة. فمن الواضح ان مناهج اللغة والآداب - على سبيل المثال - وطرق تدريسهما لم يتجاوزا بعد تجاوزاً يذكر في مدارسنا اليوم، ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، ما كانا عليه بدايات القرن العشرين، حسبما يوصف من التجديد الذي كان في مصر مثلاً - والتجربة العربية متشابهة - على يد بعض المجددين، كالشيخ حسن توفيق. هذا إن لم يكن الحال قد انحدر بنا لا عن المنهاج الحديثة فحسب بل عن المناهج القديمة أيضاً. أما الإعلام فمشغول بالتربية البدنية على حساب التربية الفكرية. وكأن غاية أمرنا ان نخرج اجيالا لا من الناس بل من المهارات البدنية، المتمرسة في حلبات الصراع الرياضي. مع أنها تربية إعلامية لفرجة الجماهير وحماسهم القاتل وتضييع الأوقات أكثر منها تربية للممارسة، التي يمكن ان تنعكس ايجابياً على صحة الإنسان وانتاجيته. والإعلام يسخر جل امكاناته لبث الانشغال الرياضي بين الناشئة وغير الناشئة ليس عجزاً في ضروب احتواء أخرى من النشاطات الثقافية، فلا مسرح ولا سينما ولا معسكرات ولا فعاليات تثقيفية أخرى، وليس له إلا هذه الكرة يصب جام الاهتمام عليها. وهذا النهج لم يعد مؤثراً سلباً على جيل الناشئة، بل على جيل اساتذتهم ومن يفترض فيهم القيام على تربيتهم. لماذا؟ لأن إعلامنا - ولنسم التلفزيون تحديداً وتليه الصحافة - يزخ منذ سنين تعبئة رياضة، تردفها تعبئة ترفيهية - لم تعد على كل حال مغرية في ظل المنافسة عبر القنوات الفضائية - ثم لا شيء بعد ذلك، سوى غياب شبه تام للقيام بأي دور جاد في التثقيف ورفع سويه الوعي والتفكير. وإذا هو تصدى لفعل شيء من هذا، جاء به ثوب رث من الأحاديث المملة، تساق في مناسباتها الموسمية، التي لم تعد تستقطب الشيوخ فضلاً عن الشباب والأطفال. السياسة الإعلامية لدينا ثابتة إذن على هذا النحو، ويبدو الأمل فيها مرهونا بقيام رغبة حقيقية نحو النقد والتغيير.ماذا بقي؟ بقيت الأسرة الخلية الأولى في بناء المجتمع. هذه بدورها منشغلة بخليتي التعليم والإعلام، بمتطلباتهما وتبعاتهما. والأسرة تتخلى عن جزء من مسؤولياتها، ركوناً الى ان التعليم والإعلام سيكفيانها القيام به. في دائرة التواكل هذه يكبر الأبناء والبنات، فيصبحون بدورهم آباء وأمهات ومعلمين ومعلمات وإعلاميين وإعلاميات، وتدور الدوائر. ما الحل؟ويستطرد الدكتور عبدالله مكملاً حديثه.. اعتقد ان العزلة القائمة بين مؤسساتنا، ومن ثم غياب المسؤولية وإلقاء كل طرف بها على الطرف الآخر، لا علاج لأمرها إلا بقيام مراكز للتخطيط الاستراتيجي يكون من شأنها تحديد الأولويات ورسم المناهج العلمية العملية لمستقبل الجيل. وان توضع نتائج تلك المراكز مواضع الإلزام والتنفيذ المسؤول. إنه يجب - ان شئنا الإجابة الصادقة عن سؤال «كيف نعد جيلا واعياً؟» - ان نفكر اذن كيف نصل بهذا الجيل الى «التصفيات النهائية» لكأس الأمم المتقدمة علمياً وحضارياً، وعلى غرار ما نفعل حينما نفكر ونخطط ملياً للوصول بمنتخباتنا الرياضية الى التصفيات النهائية للأمم. لننصف قليلاً للجد من اللعب، وإلا سنظل هكذا جادين في لعبنا لاعبين في جدنا. النموذج المرجع وهنا يحدثنا الدكتور ابراهيم محمد العواجي حول قضيتنا بأن السؤال كبير لقضية أكبر حيث يقول: ان أول مصادر التأثير الايجابية او السلبية على ابنائنا ومن يقعون تحت سوط أو ضوء تأثيرنا هي مخرجات سلوكنا نحن الكبار.. النموذج المرجع إذ ان أول ما يواجه الصغار شخصية الأب أو الأم والأخ والاخت والمدرس والموجه مروراً بكل اشكال ولاة الأمر في حياتنا الخاصة والعامة إذ من خلال هذه الشخصية تؤخذ الدروس الأولى وتغرس القيم والمفاهيم والمواقف.يأتي بعد ذلك دور المدرسة منهجاً واستاذاً وبيئة مدرسية واجتماعية ثم وسائل التوجيه انطلاقاً من المسجد وصولاً الى وسائل التأثير المسموعة والمقروءة والمشاهدة، ان تشكيل الهوية الثقافية والسلوكية لجيل ما إنما يعتمد على مخرجات المنظومة الاجتماعية والثقافية التي يترعرع فيها الشباب، ولنتذكر ان تشكيل شخصية الفرد يتوقف على الأفعال التربوية قبل الأقوال، ولدينا من الثوابت الأخلاقية والقيمة المستمدة من عقيدتنا الصافية وحسنا الحضاري وذاكرتنا الغنية بكل ما هو ايجابي وجميل ما يساعدنا على إعداد جيل مؤمن قادر على التعامل مع مختلف المتغيرات الفكرية والسلوكية بوعي وثقة. البيت والمدرسة ومن جهة أخرى تداخلنا الأستاذة هدى الدغفق قائلة: إن اعداد جيل واع فكرياً يتطلب أمومة واعية مؤهلة لمهام حياتها الأسرية تربوياً ونفسياً وفكرياً وأبوة لا تتوانى في رعاية أسرتها الصغيرة والعناية بها.البداية تنبع من حضانة أسرية دافئة مرنة متفهمة متقبلة لإخفقات ابنائها وفشهلم وتعينهم على تجاوزه والوصول الى ما يحقق أمانيها وتطلعاتها منه ويشعره بمسؤوليته عن ما ينتج من ردود فعل إزاء أية أمور يؤديها.ثم ان المدرسة وهي البيت الثاني لهذا الجيل.. أسأل هل تؤدي دورها كاملا كما ينبغي؟ هل المكتبات المدرسية بل هل المعلمون مهيأون فكرياً وثقافياً لحث الأجيال على البحث والاطلاع وتغذية أطفالها. مواجهة المتغيرات هنا وتكمل بحثنا ونقاشنا في قضيتنا العميقة الاستاذة مريم بو بشيت منطلقة في حديثها قائلة: إن إعداد شباب الأمة بفتيانها واطفالها، الجنسين ذكراً وانثى قضية محسومة منذ فجر الإسلام الذي عني بالفرد وتربيته، وبناء شخصيته وتنمية مهاراته على التفكير والإبداع والتعامل مع الحياة بما فيها من عيش وعلاقات وغيره.. ولن أخوض في مسألة أدلة هذا الطريق القويم الذي رسمته الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وسيرة السلف الصالح وسيرة أجدادنا التي حفلت بالصبر والعمل والإيمان بالله تعالى، اما القضية التي تواجهنا في إعداد جيل واع فكرياً الجيل الذي سيحرر القدس هي القدرة والقوة التي نمتلكها لمواجهة التحديات والمتغيرات والفتن.. ما هي هذه القدرة؟ وما القوة التي نمتلكها؟ وهل فعلا نمتلك قوة وقدرة على إعداد جيل واع فكرياً؟ لن أجيب السؤال بأسنته لكن للألتفات الى مسائل هامة جداً نحتاجها أشد ما يكون الاحتياج ولزاماً علينا نعود اليها وننطلق منها: الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ليس تعصباً، ولا وساماً، بل عقيدة وثقافة وقوة محركة للإنتاج.الحفاظ على الثقافة العربية الإسلامية اعتزازاً فاعلاً نحو المستقبل وقوة متجددة في كل زمان ومكان ولو تتبعنا الواقع نجد الجيل الناشئ ليس له هوية واضحة، القاعدة التي يرتكز عليها في تفكيره، تعليمه، وثقافته، وممارساته الواقعية العملية بعيداً كل البعد عن ذلك.جيل التزمت والتلقين، جيل التقليد، جيل متذبذب لا يعرف من هويته إلا الاسم فقط، لذا وجب على المسؤولين واقصد المسؤولين الحقيقيين ممن نتوسم فيهم الاخلاص والعطاء والعلم النافع ان يشتغلوا بهذه القضية لأنها من الأهمية والمسؤولية بمكان.. وممتدة الى المستقبل أيضاً، والحلول ليست ثوابت اجهزة بل تتطلب الدراسة والاجتهاد والنقد ومواجهته للمشكلات المختلفة بكل وضوح وشفافية ودون تعتيم والظهور بمظهر الوسيم الذي جمل شأنه وهندامه وأخفى جوهرة مواريا الفساد والمرض، يأكله الضعف والهوان في كل حين.الحفاظ على الهوية الثقافية العربية الإسلامية لا يعني التزمت والتلقين، أو عدم الانفتاح على الثقافات وفي نفس الوقت لا يعني ان نكون ألوان طعامنا واذواقنا الحياتية، وطريقة تفكيرنا باتجاه الغرب وما يفرزه من نظريات او غيره، نحن الان وللأسف مع الجيل الذي نعد للمستقبل لا يحلو لنا إلا كل ما هو غربي.. حتى في إعطاء النموذج والقدوة لا تتمثل تمثيلاً صحيحاً إلا اذا كانت غربية وكأن الواقع العربي المسلم يعاني العجز والقصور، ولو افترضنا ذلك أليس الواجب علينا معالجة ذلك وتعديل الأوضاع.. وكما لا يشارك الجيل الواعد في ذلك التصحيح والتعديل.