حرم خادم الحرمين تكرم الفائزات بجائزة الأميرة نورة    الكويت: أضرار جسيمة جراء عدوان إيراني آثم استهدف منشآت مؤسسة البترول الكويتية    مستشفى قوى الأمن بالرياض يحصل على شهادة اعتماد برنامج زراعة الكلى من المركز السعودي لزراعة الأعضاء    الدمام تستضيف معرض " سيريدو 2026 " للتطوير والتمليك العقاري    نائب أمير المدينة يطلع على جاهزية المياه للحج ويكرم المتقاعدين    نائب أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على صاحبة السمو الأميرة فوزية بنت سعود بن هذلول بن ثنيان آل سعود    دورتموند يؤكد عمله على إعادة جادون سانشو للفريق    نائب أمير جازان يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة ويتسلّم التقرير السنوي    أمير نجران يستعرض أعمال فرع الموارد البشرية بالمنطقة    انطلاق «قراءة النص» وتكريم قدس    أمير حائل يطّلع على الخطة الإستراتيجية لجامعة حائل    سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى منتدى "الشرقية للاستثمار الصحي 2026″    أمانة الشرقية تُفعّل يوم الصحة العالمي بمبادرة توعوية لتعزيز جودة الحياة    فرع هيئة الصحفيين بجازان يكرّم صنّاع التميز وشركاء النجاح لعام 2025 في ليلة وفاء إعلامية    وفد سعودي أوزبكي يستكشف فرص الاستثمار في الطائف.. والورد الطائفي في الواجهة    القبض على مواطن لنقله مخالفًا لنظام أمن الحدود بجازان    نادي الثقافة والفنون بصبيا يسلط الضوء على "ظاهرة التفاهة" في أمسية "فتنة الوهم" الاستثنائية    السعودية ترحب بإعلان توصل الولايات المتحدة وإيران لاتفاق لوقف إطلاق النار    الأمير تركي الفيصل: جامعة الفيصل تترجم رؤية الملك فيصل في بناء الإنسان وتعزيز المعرفة    الأردن تدين اقتحام وزير إسرائيلي للمسجد الأقصى    سعر اوقية الذهب يرتفع الى 4812.49 دولار    المملكة تدين اقتحام وتخريب القنصلية الكويتية في البصرة    «السياحة»: نمو كبير في عدد السيّاح المحليين بنسبة 16% في الربع الأول من 2026    ترمب يعلّق قصف إيران أسبوعين وطهران تفتح هرمز    المنظومة الطبيعية ترسخ ريادة المملكة عالميًا    «أمانة جازان».. 120 ألف جولة رقابية    التزام سعودي بدعم استقرار القطاع السياحي الخليجي    رئيس الاتحاد الآسيوي يهنئ المتأهلين إلى كأس آسيا السعودية 2027    86 جهة تعرض فرصها الوظيفية ب«الملتقى المهني»    حتى نزاهة لا يرضيها هذا    طالبها بفتح «هرمز».. ترمب يرسل التحذير الأخير لإيران: حضارة ستموت ولن تعود    دعم للوساطة الباكستانية واستعداد لدور بناء.. الصين تدعو لاغتنام فرصة السلام    في قطاعات العمل والتنمية والنقل والقطاع غير الربحي.. «الشورى» يقر حزمة اتفاقيات دولية لتعزيز التعاون    المرور: 5 اشتراطات لسلامة قائدي الدراجات الآلية    تصعيد متبادل على جبهة الجنوب اللبناني.. غارات إسرائيلية وضربات لحزب الله تطال مستوطنات    صندوق النقد يؤكد متانة اقتصادات «التعاون»    نمو قياسي لأنشطة الذكاء الاصطناعي.. 1.89 مليون سجل تجاري في السعودية    في لقاءات مقدمة من الجولة ال 29 بدوري روشن… الهلال يستقبل الخلود.. والأهلي ضيفاً على الفيحاء    وزيرا الطاقة والثقافة يفتتحان متحف الذهب الأسود    مجمع الملك سلمان يعزز حضور اللغة العربية عالمياً    تامر حسني يشعل زفافاً دولياً على طريقته    حسين فهمي بطل فيلم صيني    تعزيز الخدمات الرقمية في المسجد الحرام بتقنيات QR    59.1 مليون ريال لتطوير وتأهيل 29 جامعاً ومسجداً    النصر لن يكون بطل الدوري    في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا.. صدام متجدد يجمع برشلونة وأتلتيكو مدريد.. وقمة بين باريس وليفربول    نادي العيون.. حلم مدينة وفرحة صعود    «حقن مونجارو».. ترند عرائس الهند    دواء جديد يخفض ضغط الدم المستعصي    الشورى يقر نظام العمل التطوعي الخليجي    محافظ الطائف يستقبل الرئيس التنفيذي لتجمع الطائف الصحي المعيَّن حديثًا    فرسان تتزيّن بالأرجواني.. كرات الحريد الحية تحول البحر إلى لوحة ساحرة    وزير "الشؤون الإسلامية" يدشّن برنامج تطوير وتأهيل 29 جامعًا ومسجدًا    رئيس وزراء باكستان يجدد لولي العهد دعم بلاده للمملكة تجاه اعتداءات إيران    الهلال الأحمر بنجران يباشر 1306 بلاغًا إسعافيًا خلال مارس 2026    «منتدى العمرة والزيارة».. اتفاقيات تكامل وشراكة    الدعم المؤذي    حرب في السماء.. والأرض أمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأستاذة
نشر في الجزيرة يوم 22 - 01 - 2021

نعم، هي الأستاذة حصرًا وقصرًا؛ لأنه لا أستاذة له سواها؛ تعلّم من أساتذة كثيرين، ومرَّ عليه أساتذة كثيرون، لكنها كانت الأستاذةَ الوحيدة له، فحقَّ لها الوصف وطاب بها الحصر.
هي والدته الحبيبة منيرة بنت علي الحبيب حفظها الله وأكرمها وأسعدها، التي فتح عينيه على مرآها، ولا يزال ينعم ويسعد بلقياها، حتى تغنّى بذلك قبل سنوات في قوله:
بحروف اسمها أركان الخير والشرف؛ نورًا وعلوًّا وحبًّا، وأكرِمْ بالأستاذ حين يكون مصدرًا للنور، ودليلًا للعلوّ، ونبعًا للحبّ!
إنَّ أمّيتها لم تكن مانعًا من أستاذيّتها، ففصول التعلّم ليست مقصورة على غرف الفصول المدرسية والجامعيّة؛ بل الحياة فضاء مفتوح للتعلّم والتعليم، والفطِن من يُحسن التعلّم، ويجيد اقتناص الفوائد؛ فالتعلُّم صيدٌ، والصائد مترقّب متطلّع نبيه، والصيد فرصة ولحظة؛ إمّا أنْ يظفر فيها الصائد أو يخسر، يفرح فيها أو يأسى. والعلمُ كالصيد غنيمةٌ، والفهمُ ودقّة النظر فيهما هِبةٌ ثمينةٌ، ونجاح المتعلّم والصيّاد يكمن في حسٍّ يقِظ، وعقل منفتح، واكتفاء بالإلماحة، وانتباه للإشارة. وهذا أحد دروس مدرسة الأستاذة؛ فكانت أمّيّةً في معرفتها بالحروف، عالمة في معرفتها بالتعابير والوجوه. وكم واجه الفتى في دروب الحياة حاملي شهادات ومؤهلات، فاشلين في فهم المشاعر والانطباعات، تُلقى إلى أحدهم عشرات الإشارات، لكنها لا تصل فيهم إلى مستقبِلات!
وممّا ألفاه الفتى وألِفه في مدرسة الوالدة ذلك الاهتمامُ الذي يعزّ نظيره بكلّ ما يحيط بها من أحداث أو مسؤوليّات، وهو اهتمامٌ له أثرٌ سلبيٌّ على صاحبه، وأثرٌ إيجابيٌّ على من يصاحبُه.
والتقط التلميذ من ذلك الاهتمام الذي عاصره خمسةَ عقود فوائدَ عديدة؛ فكان ممّا التقطه أنْ يكون ذا قلب حيٍّ، وجَنان يقِظ، يُعطي أموره وشؤونه خاصَّها وعامَّها عنايتَه ورعايتَه واهتمامَه، ويأخذُ كتبَها بعزمٍ وقوّة. وعلِم بعدُ أنّ ذاك وقودُ الجدّ في العمل، وسبيلُ الوصول إلى الهدف. ثمّ التفت إلى أمّه ومعلّمته فوجدها ذات إنجاز وإتمام، لا يكاد عمل لها يتأخّر أو يتخلّف، يسوِّف الناس ولا تُسوِّف، ويؤجِّلون ولا تؤجِّل، لا يحول بينها وبين ذلك أحوال طارئة، أو ظروف عارضة؛ فراحتها في إنجازها، وعلم صاحبنا أنّ ذلك هو ميسم الناجحين.
والتقط بعد ذلك أنّ ذاك هو السبيل إلى العزّة والرفعة، وأنّ اليد العليا خير من السفلى، وأنّ أثمن الأوسمة ما صنعه المرء بنفسه، وما حقّقه بكدّه ووكْدِه، وأنّ أُولى خطوات العملِ والإنجازِ والنّجاحِ الالتفاتُ إلى العمل والاهتمامُ به، وأنّ من لا يهتمّ لا يؤمن بقيمة الشيء، وإنْ لم يؤمن به فأنّى له النَّجاح؟!
وممّا التقطه المتعلّم الفتيّ من ذاك الفصل أنّ الاهتمام الصادق بالأمور، والإحساسَ الواعيَ بها يورث مبادرةً عجلى، تجعل من صاحبها دومًا ذا قيادة وريادة، وسعي ومسابقة، وشغف بخدمة الناس؛ فما هو إلّا داعي الاهتمام والإقدام حتى يطلق في سعيه الأقدام؛ فعلًا نافعًا وبانيًا، وأثرًا خالدًا وباقيًا. أمّا ذو الحسّ البليد فلا تراه إنْ كان ساعيًا إلّا في حاجاته ومصالحه، ولربما تسلّق على ظهر غيره، أو اكتفى وانشغل بالاستجداء والسؤال، أو انصرف إلى الانتقاص والإيذاء؛ فلا يُضيف لنفسه خيرًا، ولا يكفي من حوله شرًّا.
ثم وعى أثرًا لذلك الدرس في بناء العلاقات الاجتماعية، ومراعاة المشاعر الإنسانيّة؛ إذ التقط من أستاذته ألّا يكون بليدًا في معاملاته، باردًا في مشاعره، وأن يكون مُستحضِرًا على الدّوام أنه جزءٌ في جسد، وفرد في عدد. عرف هذا في أستاذته وهي تشارك الآخرين أفراحهم وأتراحهم، وتبكي آمالَهم وأوجاعهم، وتتفقّد حاجاتِهم وأحوالَهم، ويتذكّر الفتى مرّاتٍ تتصل فيها عليه بصوت متهدِّجٍ سائلةً أو مُعزّيةً حين تعلم بمصاب قريب أو صديق له، حتى صار من حولها يجنّبها العلم به شفقةً بها ورحمة وبرًّا.
وعاش الفتى مع معلّمته في مراحل مختلفة من حياتها، فوجد في مدرستها مقرَّرًا يتكرّر في كل الفصول والمراحل، ولا تزال دروسه تُلقى نابضةً بالحياة والحيويّة، ذاك هو درس البذل والتضحية، والتفاني في القيام بواجباتها، حتى لو كان ذلك على حساب صحّتها وراحتها. لا يزال يذكر أمّه وهي في أوْج نشاطها، وعزّ شبابها، في بيت صغير يعجّ بالضيوف، وهي تعجن وتطبخ، وتُعدّ وتشرف، وتستقبل وترحِّب، وهي كعهده بها لا ينقم من أخلاقها شيئًا، حتى إذا أتمّ ضيوف البيت عَشاءهم، ومضى أكثرُهم، ولَمَّا يزل في البيت بقية منهم، رآها تخرج مع أبيه مسرعَين؛ فرأى في خروجهما ما أثار قلقه، وأسهرَ عينَه، حتى عاد أبوه يحمل له بشرى مقدم أخٍ له! لا يدري حينها وقد كان في الثامنة من عمره أيُّ مشاعر قد غشيته وعقلُه الصغير يستعيد نشاط أمّه وعزمَها في تلك الحال، لكنّ الذي وعاه وتعلّمه في ذلك اليوم وذلك الموقف ثم رآه في صور عديدة ممتدّة عبر الأعوام أنْ لا شيء يعوق أمّه عن واجباتها ومسؤولياتها؛ فكان هذا من أعظم الدروس في حياته.
وعى التلميذ صغيرًا ومُسِنًّا من أمّه وأستاذته أنّ توجيه الكبير مستمر، وأنّ حاجة الصغير إليه دائمة، وأنّه جزء من مشاعر الكبير وحرصه وإخلاصه وتفانيه؛ فتعلَّم أنْ يقدُرَ للناصح قدرَه، وأنْ يُكبر فيه همَّه وقصدَه، وأن يجتهد في تحقيق أمله، وأنّ ذاك جزء من مقرّر ممتدٍّ لا ينقطع، يتعاقب فيه الطلاب والمعلِّمون، وتتفاوت فيه القدرات والأفهام، فيمضي البعض منتفعين، وقليلٌ ما هم!
وحين أسنَّ الفتى وتقدَّم، ومرّ به بعضُ ما مرَّ بأمّه ومعلّمته، رأى في فصوله معها إدراكًا ووعيًا بتحوّلات الحياة، وحاجةً إلى الهدوء في ردّات الأفعال، وعاين في مراحل العمر صروفًا من التغيّرات، فتعلّم أنّ الإنسان الحيّ هو من يضع الأمور في نصابها، ويتعامل مع من حوله بميزان، ويتعايش مع الأحداث بوعي وواقعية. وتبعًا لذلك تعلَّم أنْ يكون مرِنًا؛ حتّى لا يُكسر ولا يُعصر، وفي الوقت ذاته تعلَّم أنّ المرونة لا تعني الذوبان والاستسلام، أو التحوَّل والانسلاخ، بل هي فعل راشد متّزن، يؤدَّى في ظرفه المناسب له زمانًا ومكانًا، وفي شكله المناسب له حجمًا وإطارًا.
وكان من دروس الفتى في مَدرَسته التليدة ومع مُدرِّسته القديرة سحبٌ لا تزال هاطلة، تروي أراضيَه لتُزهر فيها ألوانُ البرِّ والصِّلة؛ سحبٌ لم تنقشع يومًا، ولبرقها تلألؤٌ ولرعدها زَمزَمَة. رآها وخبَرَها إنْ علمتْ بداعٍ للصّلة لم يهنأ لها بال حتى يصلها عن أولادها وصلٌ وإقبال، تحثُّ ذا صراحة، وترسل لذاك إشارة؛ حتى وعى تلاميذها دروسَها، وفهموا وحيها وشجونها، ويا الله كم للصّلة من جذور، وكم لها في حياة المتعلّمين من فروع!
وتأمّل صاحبُنا جانبًا آخر في حياة أستاذته كان يبني في روحه بناءً لا يسوغ له أنْ يُهمله، رأى فيها مداومةً على الصّيام والقيام؛ لا تفتُّ فيه العوارض والصّوارف، وحرصًا على النّوافل؛ لا يتنهنه أو يتباطأ. وكم دخل عليها فرآها منكبّة على جهاز يردّد الآيات وتردّد خلفه، وهي تُتعتع فيه وهو عليها شاقٌّ، تُمضي معه وقتها وفراغها؛ فتتصاغر نفسُه في عينيه، وتجود عليه أستاذتُه في ذاك المشهد من غير أن تُحسَّ أو تدري بدَفقة من الخُطَب، ودَفعة من التحفيز، ويدرك فيها نعمة العلم، ويدرك أكثر وأكثر أثر المعلِّم ونتيجة التعليم.
ومن وراء تلك الدروس جميعًا درسٌ في أثر المربّي والقدوة، فإنّ النّفس تَقَرّ بالقدوة تراها أمامها، وتسعد بفعالها وصفاتها، وتتزيَّا بمثلها وأخلاقها، وقبل قرون قال ابن القيّم: «وقد جعل اللهُ سبحانه في فِطَرِ العبادِ تقليدَ المتعلمين للأُستاذين والمعلمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا»، وقد وجد صاحبُنا في أستاذته أطرافًا من هذا، ولقي في حياته معها شُذورًا من الذهب.
أفلا يحقُّ بعد هذا كلّه لمن كان يُقبّل يديها، ويجلس بين قدميها، ويأتمر بعينيها وشفتيها أنْ يُقرّ لها بالفضل والأستاذيّة؟!
... ... ...
شاء الله أن يُكتب المقال وقت صحة «الأستاذة»، وأن يُنشر وقت وجودها في العناية المركزة؛ شفاها الله وعافاها.
** **


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.