إذا كان الأدب صورة الحياة، بما يرسمه من معالم قوية وبارزة وبما يلقيه من ضوئه على جوانبها المظلمة، فإن النقد هو الجانب الآخر لصورة الحياة بتصحيحه أو تكميله أو توجيهه. والقارئ لا شك هو المستفيد بضم تجارب جديدة أكثر نضجاً إلى تجاربه. والأدب في كل أمة هو صورتها الحقيقية ومرآة لواقعها الفكري والثقافي والاجتماعي، لذلك كان رقي ونهضة الأدب في العصر الحديث نتيجة للرقي السياسي والاجتماعي والعمق في الحياة العقلية والوجدانية«في بداية القرن التاسع عشر، بعد يقظة الوعي القومي الذي تفجر عن أساسين كبيرين وهما: الاتصال بالغرب وحضارته، وإحياء تراثنا العربي الفكري والأدبي» والأدب له أثره وسلطانه يقول الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي: «فإن للأدب في حياة العرب أثره وسلطانه، وقد ازداد بمجيء الإسلام حيث وجد من المسلمين كل تشجيع وتهذيب ورعاية، وعلى مر العصور كان للأدب حضوره في ساحات الجهاد وفي مجالس الخلفاء والعلماء، مقوياً لنهج الأمة وسلوكها، ودافعاً إلى الصالح المفيد». والأدب لا يكون من دون أديب ومعط ومفرز، وهذا المعطي بأنواعه شاعراً أو كاتباً أو ناقداً لن يوجد من غير تشجيع ودعم وتهيئة مناخ مناسب له وخاصة فئة الموهوبين من الأكاديميين لذا نجد أن لأغلبهم مؤلفات ومجهودات ولكنهم لا يعرفون. وهذا يؤدي إلى عدم الاستمرارية في الكتابة والتدوين، إذ كيف يكتب وهو لا يقرأ له؟؟ وكيف يقرأ له وهو لا يعرف؟؟ يوجد خلل «ما». قد يفسر بعضه ما قاله الكاتب عبدالله بن سالم الحميد في معرض حديثه عن الشاعر محمد بن مشعان يقول: «وربما كان من المنسيين في ذاكرة النقاد الذين لا يبحثون عن الشعراء فيستقطبونهم ويتناولون أعمالهم وإنما ينتظرون مبادرة الشعراء والمبدعين إلى عرض إنتاجهم لكي يتناولوه بالدراسة والنقد والتحليل، وهذه مشكلة تعاني منها الساحة الثقافية لدينا أدت إلى نسيان أو تهميش عدد من الأقلام والأصوات الشعرية المعبرة، فلا نكاد نسمع لها إلا همساً بسبب الغياب النقدي وضعف التغطية والمتابعة من قبل الصفحات والملاحق الصحافية والقنوات الإعلامية الأخرى». وهذه حقيقة يعرفها جيداً الباحث المتخصص فعندما يجمع مراجعه يجد كتباً ومؤلفات لكتاب ونقاد سعوديين لا يقلون في مكانتهم وعلمهم عن إخوانهم العرب إلا أن الباحث قد يتردد في اتخاذ كتبهم كمرجع لسبب واحد وهو أنه لم يعرف بهم كما عرف بالدكتور شوقي ضيف والدكتور محمد غنيمي هلال والدكتور بدوي طبانة وعمر فروخ وأحمد الشايب وطه حسين وهرارة وغيرهم ولم يأخذوا شهرة كشهرتهم. والأديب يجب أن ينال حقه من العناية والاهتمام ليوجد أدباً نابضاً بحياة أمته ومجتمعه، ويوجد أدباً يقرأ ويدرس كما هو حال أدب الأقاليم العربية الأخرى. يقول الأستاذ الدكتور إبراهيم بن فوزان الفوزان «ولقد عشت هذه التجربة وعانيتها حين كنت أدرس لهؤلاء الطلاب وليس في أيديهم إلا كتب الأستاذة من أبناء البلاد العربية.. ولطالما كان هؤلاء الطلاب يسألونني هذا السؤال: وأين أدبنا؟ أليس للجزيرة العربية أدب في هذا العصر الحديث؟» ونجد الدكتور محمد بن سعد بن حسين عندما ألف كتابه عن الأدب الحديث كان من أهم الأسباب كما يقول: «أن يتبين أبناؤنا حقيقة موقع أدبهم من أدب إخوانهم وأن يطلعوا اطلاعاً كافياً على خصائص هذا الأدب الذي نفذ فيه أثر دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب إلى ما يربطه بماضيه من روابط المحافظة والأصالة سواء كان ذلك في الشكل أو المضمون، في النثر أو الشعر» والموهوبون ليس بنادرين لكن لا يعرفون. فهناك أدباء ونقاد نوابغ وفطاحل ما كنا نعرفهم لولا التخصص والدراسة وذلك يعود للأسباب والخلل الذي ذكرته في بداية الحديث، فمن الذين لهم مؤلفات ولا أحد يعرفهم بالشكل المطلوب واللائق بمكانتهم الدكتور الأديب إبراهيم بن فوزان الفوزان، والدكتور العالم حمد بن ناصر الدخيل، والدكتور عبدالعزيز الفيصل، ومن الذي يملكون مواهب نقدية وتحليلية الدكتور عبدالرحمن بن عثمان الهليل والدكتور أحمد الحكمي والدكتور عبدالعزيز العواد وغيرهم كثير. وعلى كل حال حالة الأدب السعودي ليست سيئة فمن دراسة قام بها الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيع والدكتور حمد بن ناصر الدخيل والدكتور حسن بن فهد الهويمل عن الدراسات والكتب التي تناولت ما كتب عن الأدب السعودي، خرجوا متفائلين يقولون: «نستطيع من خلاله أن نقول مطمئنين: إن الأدب السعودي قوبل باحتفاء كبير من قبل أقلام الأدباء والكتاب والدارسين العرب.. ويبقى بعد ذلك دور الدراسات المنهجية الأكاديمية التي ينبغي لها أن تتجه إلى رصد جميع ما كتبه الأدباء والنقاد والكتابة عن أدب هذه البلاد، ودراسته، واستخلاص النتائج التي تسهم في رقيه، وتوجيه مسيرته إلى الأفضل». المراجع: 1 الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد للدكتور إبراهيم الفوزان. 2 الأدب السعودي بأقلام الدارسين العرب للدكتور محمد الربيع والدكتور حمد الدخيل والدكتور حسن الهويمل. 3 الأدب الحديث للدكتور محمد بن سعد بن حسين. 4 مناهج دراسة الأدب العربي د. خيرية السقاف «التقديم للدكتور عبدالله التركي». 5 مقالة لعبدالله بن سالم الحميد. الجزيرة العدد 10731 عام 1422ه . 6 من الأدب الحديث د. علي صبح، والمذاهب النقدية د. ماهر حسن.