أنجح الألحان في أوطاننا هي الألحان الحزينة. وأنجح الأصوات هي تلك التي توغل في الحزن ببحة مجروحة وآهة تفطر القلب. وأكثر الأفلام رواجاً هي تلك التي تتسبب في ارتفاع استهلاك المناديل الورقية. وأكثر المناسبات حضوراً هي المآتم. وأكثر الأخبار متعة هي أخبار الدماء والأشلاء. والشيء الوحيد الذي تجد من يشاركك فيه بسهولة حتى من دون أن يعرف السبب هو البكاء. وأكثر شيء لم ننجح في إبداعه إلا نادراً وبمحض الصدف هو الفكاهة وصناعة الفرح. عندما تكتب على جدارك إني مريض... إني حزين... فقدت عزيزاً، تحصل على ألف علامة إعجاب وعلى ألف متضامن، وقد تجد من يتشارك هذا الخبر بحماسة. لكن لو كتبت: أنا سعيد... أنا نجحت... صادفت حباً جديداً... لالتفت إليك أحدهم فقط ليسألك عن السبب. عمر أفراحنا ساعات لو حلت، لا يكاد يغادر المدعوون حتى تهدم خيمة الفرح لو نصبت، وينظف المكان ونعود إلى سابق عهدنا، لكن بيوتنا حضن وتير للأحزان لو أطلت، نتمسك بها وتبقى خيمة العزاء منصوبة لأيام، ويأتيك المعزون لأداء الواجب ولو بعد عام. وأذكر مثلاً شعبياً يقول في ما معناه أن العزاء لا يسقط بالتقادم. من أمثالنا أيضاً أن «الضحك بلا سبب من قلة الأدب» وشعارنا أن «كثرة الضحك تميت القلب» و «كثرة البكاء تقرب إلى الله». عندما نضحك إلى أن تسيل عيوننا بالدموع نتدارك الأمر ونردد: «الله يخرج هاد الضحك على خير»، ونتوقع بعد كل لحظة فرح مصيبة تطل علينا من الأفق. لو صادفت في طريقك فرحاً فمن العيب أن تدخله من دون أن تكون مدعواً، لكن لو صادفت مأتماً أو خيمة عزاء من العيب ألا تدخل وتدخل نصيبك من الحزن حتى لو لم تكن تعرف الفقيد. إذا كان أحدهم حزيناً فعلى كل من يحيطون به أن يحزنوا أو يتصنعوا حزناً احتراماً لحزنه، لكن لو شعرت أنك تكاد تطير من الفرح فما عليك إلا أن تحافظ على اتزانك وتحتفظ بفرحك لنفسك حتى لا تزعج الوعي الجماعي المنكود. كل العادات القديمة المرتبطة بالفرح اندثرت بسهولة، لكن التاريخ الممجد للأحزان ينمو عاماً بعد عام. المهرجانات والكرنفالات في مدننا تبدو بدعة غريبة، وتجد من يطالب بإلغائها لأي سبب. ومع كل أعراض الإصابة بالاكتئاب الحاد الجماعي الذي يوحد سكان ضفتي المحيط والخليج لم ننتبه بعد إلى أننا أمة مسكونة بالحزن والسواد على رغم بعض المظاهر الخادعة. يقول علماء النفس أن الإنسان قد ينموا جسدياً وعقلياً لكن نموه النفسي قد يتوقف في مرحلة، وما لم يعالج هذه الإعاقة النفسية لن ينجح في حياته مهما كان مظهره لامعاً، وقد يسقط في أي منعطف ولا يستطيع الاستمرار في المسير. هذا يدفعني إلى التساؤل، هل هذه الإعاقة النفسية التي نعيشها والتي تؤشر على توقف النمو النفسي لأمة كاملة عند مراحل تاريخية موغلة في القدم هي التي حكمت على كل مشاريع النهضة بالفشل وقد تحكم على الانتفاضات الشعبية بالتحول إلى حروب أهلية عنوانها الإبادات الجماعية؟ هل يمكن لأمة لا تبدع إلا في الحزن وللحزن، إلا في ما ندر، أن تكون غير كتلة من الأرقام التي تؤشر على عدد السكان وعدد القتلى وعدد الجياع وعدد المنفيين والمشردين وعدد الأميين وعدد المعاقين و... و...؟! هل يمكن لأمة لم تحسم بعد في الأهلية العقلية لنصف سكانها من النساء أن تكون شيئاً آخر غير موضوع للنزاع بين باقي الأمم حول الخيرات والثروات التي يتمدد فوقها هذا الجسد المريض؟ أتساءل كيف لشعوب تستورد كل شيء، حتى الخبز الذي تأكله، وتتبجح على بقية الشعوب بأنها هي التي صدرت لها الحضارة في زمن توقف عنده نموها النفسي؟ أقسى ما يمكن أن يحدث لنا بعد أن تنتهي هذه الفوضى العارمة هي أن ننظر إلى المرآة لنرى الحقيقة، لكننا لن نتمكن من الهروب من هذه المواجهة القاسية إلى الأبد، خصوصاً أننا وصلنا إلى زمن صارت فيه حتى الجدران تعكس الوجوه وتقول أكثر مما يجب قوله.