افتتح يوم الاثنين 13 كانون الأول ديسمبر الحالي مؤتمر هرتسيليا السنوي الخامس بموضوع "الحصانة القومية الاسرائيلية" وشارك فيه العديد من السياسيين والعسكريين والباحثين الاستراتيجيين الاسرائيليين. وتناول المؤتمر مختلف الموضوعات المتعلقة بالدولة العبرية أي: مستقبل الدولة والمجتمع. وطرحت فيه نظريات مختلفة وشارك فيه أيضاً رئيس الوزراء أرييل شارون الذي ألقي خطاباً جامعاً يُعرف ب"خطاب هرتسيليا". ويسعى المؤتمرون عادة الى اقتراح حلول لمشاكل اسرائيل العسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية. ويشكل هذا المنتدى حدثاً مهماً من حيث افساحه المجال لتبيّن ما يخفيه المخططون الاسرائيليون من مشاريع واقتراحات ونيات بخصوص علاقتهم بمحيطهم الفلسطيني والعربي. وبما ان الجهات الداعية الى هذا المؤتمر هي من اليمينيين المتطرفين، فمن الطبيعي ان نتوقع اطلاق مشاريع يحكمها الفكر اليميني المتطرف وهو ما حدث في هرتسيليا 2004 وما يحدث بالتأكيد في هرتسيليا 2005 وقد بدأت بوادره بالظهور من حيث الجذرية في الطرح: تبادل الأراضي، وتبادل السكان والترانسفير ومصير التسوية السلمية. أولاًِ: في تبادل الأراضي رئيس مجلس الأمن القومي الاسرائيلي، الجنرال غيورا ايلاند أكمل هذه السنة طروحاته التي عرضها عام 2004 أمام المؤتمر واعتبرها خطة تسوية نهائية للتوصل الى سلام شامل في الأراضي الفلسطينية وعرضها مع جهات دولية بينها وزيرة الخارجية الاميركية المعينة كوندليزا رايس، ووزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر وقادة الجيش الاسرائيلي. وتقوم خطته التي لا يزال يتمسك بها على مبدأ تبادل الأراضي وفقاً للمعطيات التالية: 1- تنسحب اسرائيل بشكل كامل من قطاع غزة وتخلي كل المستوطنات هناك. 2- تخصص مصر لقطاع غزة قطعة جغرافية تضم الى القطاع مساحتها 600 كيلومتر مربع بطول 30 كيلومتر على امتداد الحدود المصرية - الفلسطينية الاسرائيلية وبعرض 20 كيلومتراً في سيناء. وهكذا تصبح مساحة قطاع غزة 600 " 363 = 963 كيلومتراً مربعاً أي ثلاث مرات أكثر مما هو الآن. وباعتباره الأرض الأكثر كثافة سكانية في العالم. وهكذا تنخفض النسبة من 1200 مواطن في الكيلومتر المربع الى نحو 400 مواطن. 3- في المقابل تحصل مصر على منطقة بديلة مساحتها 200 كيلومتر مربع في النقب المنطقة المعروفة بوادي فران وعلى طريق بري يربط مصر والأردن ويكون تحت السيادة المصرية. 4- أما الأردن فيحصل على منفذ بحري له الى البحر المتوسط عبر الطريق البري. وهذا الممر يكون مفتوحاً لكل من العراق والمملكة العربية السعودية كي يكون للدولتين الى جانب الأردن منفذ على البحر المتوسط. 5- يستعيد الفلسطينيون 89 في المئة من أراضي الضفة الغربية بالاضافة الى كامل قطاع غزة ويضم الباقي 11 في المئة الى اسرائيل وهي نسبة كافية لضم الكتل الاستيطانية اليهودية في الضفة. هذه ال11 في المئة تعني مساحة على 5600 كلم2 مساحة الضفة الغربية ما يعادل: 5600 × 11 مقسوم على 100 = 616 كيلومتراً مربعاً، بحيث يبقى للضفة العربية مساحة في حدود خمسة آلاف كلم مربع. 6- وزيادة في اغراء الفلسطينيين من جانب ايلاند فهو يقترح ان يحصل الفلسطينيون على ميناء بحري كبير في غزة يموّله المجتمع الدولي وعلى مطار دولي قرب رفح. أما المشروع الجديد الذي طرح هذا العام، عشية مؤتمر هرتسيليا فهو الذي أعده دكتور عوزي أراد رئيس شعبة في الموساد والمستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، بالاشتراك مع البروفسور جدعون بيجر والدكتور شموئيل بار. وقد عرضت هذه الخطة كسابقتها على محافل دولية، وقالت عنها رايس نقلاً عن واضعيها أنها "خطة ابداعية". وهي تقوم على العناصر الآتية كما اختصرها بن كسبيت في صحيفة "معاريف" تحت عنوان "مثلث السلام": - تقوم الخطة على تبادل ثلاثي للأراضي بين اسرائيل وسورية والأردن. - في اطار حل سلمي مع سورية تبقي اسرائيل في يدها خط التلال فوق هضبة الجولان وخط المياه بما تبلغ مساحته بين 220 - 280 كيلومتراً مربعاً وفيها ما يقارب 16 ألف مستوطن يهودي في اثنتي عشرة مستوطنة، في حين تعاد 11 مستوطنة الى سورية وكذلك البلدات الدرزية في الهضبة. - تحتفظ اسرائيل بمصادر المياه وتحصل على طريق الى جبل الشيخ وتحل المشكلة مع لبنان المتعلقة بمزارع شبعا اعطاؤها لسورية. - في مقابل هذا التنازل السوري لإسرائيل تحصل سورية من الأردن على أراضي على طول الحدود بين البلدين والتي تنازلت عنها أخيراً وفيها سكان سوريون. - تعوّض اسرائيل على الأردن بالتنازل عن أراض في وادي عربة أو جنوب البحر الميت مع امكان اعطائه ميناء بحرياً ودعماً اقتصادياً يعوّض نوعياً قيمة الأرض المتبادلة مع سورية. - تشير الخطة الى وضع خاص لجبل الشيخ الذي يتحول الى موقع سياحي دولي مشترك للبنان وسورية واسرائيل بحيث يصبح منطقة تزلج دولية بمشاركة اتحاد التزلج الدولي. ثانياً: تبادل السكان والترانسفير - في مقابل مشاريع تبادل الأراضي بين اسرائيل والفلسطينيين والدول المحيطة بها، يطرح المنظّرون الاسرائيليون ولا سيما المتطرفون منهم مشاريع لتبادل السكان حتى ولو اقتضى الأمر اعتماد الترانسفير. في مقدم هؤلاء افيفدور ليبرمان زعيم حركة "اسرائيل بيتنا" الذي انفصل عن الليكود ليقف على يمينه وهو صاحب مشروع جديد لتقسيم فلسطين. فما دام المطروح عالمياً، لا سيما من الولاياتالمتحدة، قيام دولتين متجاورتين متسالمتين في فلسطين، يرى ليبرمان ان مثل هذا الأمر لا يمكن ان يتحقق الا بتقسيم جديد لفلسطين يقوم على مبدأ الفصل شبه الكامل بين الشعبين اليهودي والعربي. وفي اعتبار ليبرمان ان المشكلة التي تواجه اسرائيل ليست في حدود 1967 قبولها أو رفضها بل في العرب من مواطني دولة اسرائيل الذين أصبح عددهم الآن في حدود مليون نسمة من أصل ستة ملايين. - وفي مشروع ليبرمان لا بد من قيام دولتين بين البحر والنهر، واحدة اسرائيلية والثانية فلسطينية: يهود في اسرائيل وعرب في فلسطين. وعليه تنبغي اعادة النظر في حدود الدولة العبرية وتغيير الحدود بحيث تضم الدولة الفلسطينية التجمعات العربية داخل اسرائيل أمثال الطيره والطيبة وكفر قاسم وأم الفحم والمثلث، وشرق القدس في مقابل الكتل الاستيطانية اليهودية متسيون ارييل ادموميم جعفات زئيق. وتكمن أهمية هذا المشروع في انه يرتبط بقانون جديد للمواطنية في اسرائيل يكون فيه كل مواطن اسرائيلي ملزماً بأداء قسم الولاء للدولة لأمنها قيمها ورموزها ونشيدها الوطني. وكل من يرفض ذلك يفقد حقه بالمواطنة ولا يكون له حق الانتخاب والترشيح. كما يفرض عليه القيام بالخدمة العسكرية. ويتبين من هذه المشاريع، ويبدو ان لدى المخططين الاسرائيليين غيرها، ان في الوسط اليهودي شعوراً بصعوبة بل باستحالة الاندماج بين المجتمعين العربي واليهودي. وان الحل الوحيد لشرعنة قيام دولتين هو في قيام دولة يهودية شعبها يهودي ودولة فلسطينية شعبها عربي، وبالتالي اقامة فاصل بين الشعبين. ان المنظّرين اليهود يفصّلون مشاريعهم "من جلد غيرهم" كما يقول المثل اللبناني. ويحاولون اكتساب رضى دول الجوار التي يقترحون عليها تقديم جزء من أراضيها للحل، "خدمة" للفلسطينيين، بإغرائها بمشاريع اقتصادية وببنى تحتية اقتصادية: كخطوط النقل والموانئ والمطارات والدعم الاقتصادي. صحيح ان ليبرمان لا يدعو علانية الى الترانسفير. ولكن معنى مشروعه هو ترانسفير مزدوج لا يتناول السكان فقط بل السكان والأرض التي يقيمون عليها بحيث ينقلون من اطار دولي الى اطار دولي آخر. ولذا أسمت صحيفة "معاريف" مشروع ليبرمان ب"الترانسفير الملطّف". وهناك من سارع الى الربط بين مشروع الجنرال ايلاند ومسألة الاتفاق الحدودي الأخير بين الأردن وسورية. ولكن عمان نفت باسم المملكة الهاشمية نفى وجود أية علاقة بين الأمرين واعتبرت ان الاتفاق الأردني - السوري أنهى التداخل الحدودي بين الدولتين ولا علاقة له بأية تصورات أو مشاريع اقليمية والمقصود بذلك مشاريع مؤتمر هرتسيليا. ان اسرائيل تسعى دائماً لاقناع العالم بأن مساحتها البالغة 21 ألف كيلومتر مربع هي مساحة لا تعد شيئاً ازاء مساحة العالم العربي البالغة 14 مليون كيلومتر مربع وبالتالي لا بد من اسهام الدول العربية في حل مشكلة الحيّز الجغرافي في فلسطين بين اسرائيل وجيرانها. وينبع ازدياد "التصورات" الاسرائيلية في هذه المرحلة من شعور عام لدى الاسرائيليين بأن سياسة الولاياتالمتحدة في عهد بوش الثاني ستجعله يخطط لكيفية دخوله التاريخ. وبحسب بن كسبيت في "معاريف" لكي يدخل التاريخ عليه ان: يخرج من العراق باحترام وينتصر على الارهاب ويطمئن أميركا. وبالتالي عليه مصالحة العالم، واسترضاء أوروبا، واقناع العالم الاسلامي انه لم يجرد عليه حملة صليبية. والثمن المطلوب لكل هذه الخطوات "هو الضغط على اسرائيل" وسيمارس عليه ضغط كبير كي يقوم بذلك. اذاً على اسرائيل ان تكون مستعدة لكافة الحلول التي، في رأي زعمائها، تحقق لها الأمن في بيئة معادية لها. في الخلاصة، هذه هي الاعتبارات التي أملت على المشاركين في مؤتمر هرتسيليا طرح الحلول الجذرية المبنية على تبادل الأراضي وتبادل السكان وحتى على مبدأ الترانسفير ولو كان ملطّفاً. ويمكن القول اليوم ان اسرائيل تدرك بوضوح اتجاه الرأي العام الدولي لإيجاد حل حاسم بينها وبين جيرانها من فلسطينيين ودول مجاورة. ولذلك فهي تقترح ربما الاحتمالات الأبعد لتصل الى الاحتمالات الممكنة والمعقولة في سياق الحل الشامل. هذا الحل الذي قال عنه الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في مؤتمر دبي ان حظوظه هي 50 في المئة من النجاح. فهل هناك من ينتظر المعجزة