غريغوري بيك هو أحد كبار نجوم السينما العالمية. عاصر العهد الذهبي وشارك في أهم الافلام الى جوار جميلات هوليوود. فيكفي ذكر ولو فئة قليلة من أعماله للتأكد من ان الرجل يستحق فعلاً لقب "آخر العمالقة"، خصوصاً اذا علمنا ان عمره الآن 84 سنة، وانه الوحيد المتبقي على قيد الحياة بين أبطال جيله أمثال كاري غرانت وغاري كوبر وكلارك غيبل، وباستثناء كيرك دوغلاس الا ان هذا الأخير يعاني من المرض والشيخوخة. ومن افلام بيك "مدافع نافارون" و"صراع تحت الشمس" و"عطلة في روما" و"موبي ديك" و"كهف الرغبة" و"من أجل قتل العصفور" وغيرها، واجه بيك امام الكاميرا أودري هيبورن وآفا غاردنر وصوفيا لورين وايرين باباس وجينيفر جونز وكارول بيكر واليزابيث تايلور وغيرهن من فاتنات الشاشة اللاتي يثرن مخيلة الجمهور العريض منذ أكثر من 40 سنة. قدم بيك الى فرنسا مع المخرجة الاميركية باربارا كوبيل التي أكملت فيلم "محادثة مع غريغوري بيك" وهو عمل تسجيلي حول النجم ومشواره السينمائي سيعرض في الصالات الاوروبية قريباً قبل توزيعه عالمياً اعتباراً من الربيع المقبل. "الوسط" التقت الفنان الكبير الذي على رغم عمره المتقدم لا يزال وسيماً، لبقاً ويتمتع بروح مرحة تلفت الانتباه فور بدء الحديث معه. انت تتمتع بصورة الرجل الوقور الجدير بالثقة وطيب القلب، فهل تنطبق عليك هذه المواصفات في الحقيقة ام انها عبارة عن صورة سينمائية بعيدة عن الواقع؟ - يضحك هل افهم انك تسألني عما اذا كنت رجلاً شريفاً ام محتالاً؟ وماذا تتوقع؟ ان اقول لك رسمياً بأني انتمى الى عصابة المافيا واقتل الناس في اوقات فراغي؟ افضل ان تسأل ابنتي سيسيليا هذا السؤال نفسه وهي موجودة في الغرفة المجاورة يطلب من المسؤولة عن العلاقات العامة احضار ابنته معنا فتفعل على الفور وأتعرف على الابنة الفارعة الطول البالغة من العمر اربعين سنة والتي عملت عارضة ازياء في باريس وميلانو ونيويورك ولندن في منتصف الثمانينات، وأوجه اليها سؤالي في شأن ابيها. سيسيليا بيك: افهم انه من الصعب على ابي التفخيم في نفسه، فهو رجل متواضع واب حنون مما لا يمنعه من التمتع بمزاج صعب في بعض الاحيان مما يسبب لنا انا واخوتي خصوصاً والدتنا مشقات شبه يومية ولكن موقتة تمر بسرعة ويحلّ مكانها الصفاء في عائلتنا. وانا اتكلم عن وضع يدوم منذ صباي على رغم انني لا أقيم مع ابي وامي الآن لأنني زوجة وام، لا ازال ألاحظ عندما ازورهما مرة او مرتين كل اسبوع كيف لم تتغير الحال. وأنا أقول هذا لأبين لك كيف ان ابي يتصف بمميزات سائر الرجال نفسها. ولكن يمكنني التوقف طويلاً عند حسناته خصوصاً الشرف والخلق ومساعدة الغير والكرم في كل ظروف الحياة سواء معنا او مع الغرباء. وربما ان طيبة قلبه مرسومة فوق ملامحه وهي التي جلبت له ادوار البطولة طوال حياته، اذ انه نادراً ما تلقى عرضاً في شأن ادوار الشر مثلاً. غريغوري بيك: سوف اضيف على كلام سيسيليا ان عبور مشوار الحياة مع الالتزام بالصفات الحسنة هو امر صعب ذلك لأن المغريات كثيرة ولأن جرح الغير اسهل بكثير من مراعاة الشعور. انا اصف نفسي برجل يسعى، ويقع ثم ينهض ليسعى من جديد، وهكذا. فأنا احاول فعل الخير ولكن هل انجح في محاولاتي هذه؟ هذا ما اعجز حقاً عن تأكيده. بالحروف العريضة ما الذي تحتفظ به من ذكريات عن هوليوود في ايامها الذهبية؟ - اتميز عن الكثير من زملائي الممثلين بكوني لم اخضع ابداً للعقد الذي كانت تفرضه هوليوود على فنانيها، وهو ما كان يربط الممثل بالشركة المنتجة لمدة سبع سنوات كاملة، يضطر خلالها الى تمثيل كل ما يعرض عليه. انا جازفت بالناحية الامنية وفضلت العمل على الطريقة المستقلة، فكنت دوماً ممثلاً "فري لانس" يعمل بحرية لحسابه يضحك. وتتلخص ذكرياتي في اللحظات الجميلة التي قضيتها مع فنانين حقيقيين كبار تعلمت منهم الكثير وبمجرد مراقبتهم اثناء عملهم. فهكذا غاري كوبر استاذي، وكاري غرانت صديقي، واودري هيبورن تلميذتي التي سبقتني بفضل موهبتها الفذة وذكائها، انهم أرادوا وضع اسمي بالحروف العريضة فوق اعلان فيلم "عطلة في روما" ومن ثم اسم اودري هيبورن بالحروف الصغيرة تحت اسمي لأنها كانت مبتدئة. رفضت بتاتاً وقلت لمسؤولي الشركة المنتجة انهم بهذا الشكل يلحقون بي الاذى اكثر مما يفيدونني لأن اودري قادرة على الفوز بجائزة الاوسكار لما تتميز به من عطاء وشفافية في ادائها. فكيف يكون اسم "احسن ممثلة" مكتوباً بالحروف الصغيرة وتحت اسمي المكتوب بالخط العريض؟ نجحت في اقناعهم بتغيير فكرتهم الاساسية، لأن اودري فازت حقيقة بالاوسكار عن دورها في هذا الفيلم. وعن ذكرياتي بشكل عام فهي ذكريات رجل كان سعيداً بالتردد الى الاستوديو كل صباح طوال ثلاثين سنة. فأنا احببت عملي في المسرح والسينما، واكبر دليل على ذلك مغادرتي كلية الطب بهدف الالتحاق بمعهد الدراما والعمل فوق المسرح. وغير الفن تلقيت تربية عسكرية في الكلية الحربية، واعتقد ان سلوكي طوال حياتي تميز بالخواص التي اقتنيتها في هذا المكان. فالمرء لا يتخلص من بصمات التربية العسكرية بمزاياها وسلبياتها، وهي التي قادت خطاي. كيف عشت نجوميتك؟ - انا ركّزت جهودي على عائلتي، وهي علّمتني معنى الحب والاخلاص وساعدتني كثيراً جداً في تحقيق التوازن بين جمال مهنتي وسراب النجاح والنجومية. وما احتفظ به من فترة نجوميتي هو اساساً الفخر بالظهور في حفنة من الافلام الجيدة، والعلاقات الانسانية التي كوّنتها مع بعض الزملاء والزميلات. الأوسكار و"عز النهار" انت تتكلم كثيراً عن اهمية العائلة، فحدّثنا بعض الشيء عن عائلتك؟ - انها حكاية طويلة، انا تزوجت في سن مبكر واصبحت اباً لثلاثة اولاد. وبعد 12 سنة من الحياة المشتركة انفصلت عن زوجتي. والذي حدث في ما بعد هو الذي غيّر مجرى حياتي وجعلني اسعد الرجال في الكون، فأنا جئت الى باريس من اجل ترويج احد افلامي والتقيت صحافية فرنسية شابة طلبت مني حديثاً لتنشره في جريدة "فرانس سوار" اليومية، ومن ثم سافرت الى ايطاليا لأصوّر فيلم "عطلة في روما" وحدث انني حصلت على اسبوع من الراحة بين لقطات واخرى، فقررت قضاءه في باريس وتذكرت هذه الصحافية فجأة فاتصلت بها في مقر الجريدة وطلبت محادثاتها. ولا ازال اتذكّر كيف ردّ عليّ احد الموظفين بالهاتف، وسألني عن اسمي قبل ان يحوّل المكالمة الى الصحافية، فقلت له: "انا غريغوري بيك"، ومضت لحظات من الصمت قبل ان يرد الرجل من جديد ويطلب مني الانتظار. وسمعت شوشرة وهمساً ومن ثم تكلمت الى فيرونيك الصحافية التي تأكدت من هويتي بفضل صوتي المميز. وهذه المرأة هي زوجتي الآن منذ 45 سنة وهي أم لاثنين من اولادي بينهما سيسيليا الموجودة هنا معنا. انا أعيش قصة حب خيالية من النوع الذي نراه في السينما عادة، ولكني أعرف المشقة ايضاً منذ انتحر ابني الاكبر جوناثان وهو في الواحدة والثلاثين من عمره. كان ذلك في السبعينات وانا لا ازال احمل هذا الجرح في قلبي وسأحمله الى آخر يوم في حياتي. هل تحدّثنا عن جائزة الاوسكار التي فزت بها عن دورك في فيلم "من اجل قتل العصفور"؟ - ربما يجدر بي ان احدثك عن الجائزة التي لم أفز بها عن الدور الذي رفضته في فيلم "عزّ النهار" فقد قبل الدور صديقي وزميلي غاري كوبر وحاز على الاوسكار بفضله. انا اعتزّ كثيراً بالاوسكار الذي حصلت عليه، اولاً لأني اعتزّ الى ابعد حد بهذا الفيلم وهو عمل يمجد القيم الانسانية والعائلية، وثانياً لأن الفوز بجائزة ما خصوصاً اذا كانت بأهمية الاوسكار هو امر يثير الفرح ويعيد الى المرء ثقته في نفسه وقدراته، وانا فخور بأن يرى حفيدي ابن سيسيليا جائزتي في غرفة نومي كلما أتى لزيارتي مع امه، وسوف أروي له حكايتي مع السينما عندما يكبر بعض الشيء فهو لا يزال في الرابعة من عمره. عُشر المبلغ هل تعتقد ان نجوم الزمن الحالي يتميزون بالجاذبية نفسها لأهل جيلك؟ - يضحك لا بالطبع، فليس هناك ادنى نسبة بين هؤلاء وبيننا. وكل ما في الامر انهم يتقاضون ملايين الدولارات عن عمل كنا نحن ننجزه بشكل افضل لقاء عُشر المبلغ فقط. ما رأيك في الفيلم التسجيلي الذي أنجزته المخرجة باربارا كوبيل عنك؟ - اقول انه صُمّم بكثير من الدقة والاخلاص، فقد قضت المخرجة اكثر من سنتين معنا تابعت خلالهما حركاتنا واسلوب معيشتنا واجرت الاحاديث مع كل فرد في العائلة. فالفيلم حقيقة مخلصة للواقع في رأيي