فن الكسل محاربة التقاليع وتذوق سائر الفنون    وزير الطاقة: الربط الكهربائي مع اليونان أثمر عن تأسيس شركة ذات غرض خاص    الريال يتجاوز مايوركا ويضرب موعداً مع برشلونة في نهائي السوبر    أنشيلوتي معجب ب «جماهير الجوهرة» ويستعد لمواجهة برشلونة    «عباقرة التوحد»..    محافظ الطائف يستأنف جولاته ل«السيل والعطيف» ويطّلع على «التنموي والميقات»    أدباء ومثقفون يطالبون بعودة الأندية الأدبية    «سلام» يُخرّج الدفعة السابعة لتأهيل القيادات الشابة للتواصل العالمي    الصداع مؤشر لحالات مرضية متعددة    5 طرق سهلة لحرق دهون البطن في الشتاء    الخروج مع الأصدقاء الطريق نحو عمر أطول وصحة أفضل    وزارة الثقافة تُطلق مسابقة «عدسة وحرفة»    الحمار في السياسة والرياضة؟!    ماذا بعد دورة الخليج؟    عام مليء بالإنجازات الرياضية والاستضافات التاريخية    سوريا بعد الحرب: سبع خطوات نحو السلام والاستقرار    أسرار الجهاز الهضمي    "منزال" يعود بنسخته الجديدة في موسم الدرعية..    السياحة الإعلاميّة    مريم بن لادن تحقق انجازاً تاريخيا وتعبر سباحة من الخبر الى البحرين    جودة القرارات.. سر نجاح المنظمات!    «سلمان للإغاثة» يوزّع مواد إغاثية متنوعة في سوريا    الضمان الاجتماعي.. 64 عاماً من التكافل    الصدمة لدى الأطفال.. الأسباب والعلاج    كيف تكسبين زوجك؟!    جانب مظلم للعمل الرقمي يربط الموظف بعمله باستمرار    «متطوعون» لحماية أحياء دمشق من السرقة    «الأوروبي» في 2025.. أمام تحديات وتوترات    حوادث طيران كارثية.. ولا أسباب مؤكدة    العقل والتاريخ في الفكر العربي المعاصر    الألعاب الشعبية.. تراث بنكهة الألفة والترفيه    المقدس البشري    سبب قيام مرتد عن الإسلام بعملية إرهابية    سالم ما سِلم    تموت الأفاعي من سموم العقارب!    نجاح المرأة في قطاع خدمة العملاء يدفع الشركات لتوسيع أقسامها النسائية    إنجازات المملكة 2024م    أفضل الوجبات الصحية في 2025    ثنائية رونالدو وماني تقود النصر للفوز على الأخدود    خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس السنغال    حقيقة انتقال فينيسيوس جونيور إلى دوري روشن    مركز إكثار وصون النمر العربي في العُلا يحصل على اعتماد دولي    «الجوازات»: اشتراط 30 يوماً كحد أدنى في صلاحية هوية مقيم لإصدار تأشيرة الخروج النهائي    أمانة الشرقية تكشف عن جهودها في زيادة الغطاء النباتي للعام 2024    المرور السعودي: استخدام الجوال يتصدّر مسببات الحوادث المرورية في جازان    مغادرة الطائرة الإغاثية السعودية ال8 لمساعدة الشعب السوري    إطلاق كائنات مهددة بالانقراض في محمية الإمام تركي بن عبدالله    نائب أمير تبوك يطلع على مؤشرات أداء الخدمات الصحية    من أنا ؟ سؤال مجرد    أمير القصيم يتسلم التقرير الختامي لفعالية "أطايب الرس"    ولي العهد عنوان المجد    طالبات من دول العالم يطلعن على جهود مجمع الملك فهد لطباعة المصحف    أمير المدينة يرعى المسابقة القرآنية    مجموعة (لمسة وفاء) تزور بدر العباسي للإطمئنان عليه    أسرتا الربيعان والعقيلي تزفان محمد لعش الزوجية    القيادة تعزي رئيس جمهورية الصين الشعبية في ضحايا الزلزال الذي وقع جنوب غرب بلاده    «الثقافة» تُطلق مسابقة «عدسة وحرفة»    عناية الدولة السعودية واهتمامها بالكِتاب والسُّنَّة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكومة رابين تفاوض على الحكم الذاتي وتخطط لضم اراض - ضجيج المفاوضات يخفي بناء المستوطنات . واشنطن أقرت توسيعها والفلسطينيون يخوضون معركتها ... وحدهم
نشر في الحياة يوم 19 - 07 - 1993

هل يتذكر العالم اليوم المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة؟ الرئيس السابق جورج بوش كان يستشيط غضباً في شأنها بين الحين والاخر، ووزير خارجيته جيمس بيكر كان يعبر عن اسفه لأن اسرائيل تستغل كل زيارة يقوم بها لها للتوسع في تلك المستوطنات. وكان اسحق شامير يقول ان المستوطنات تمثل "قلب الدول اليهودية وروحها". بينما كان الفلسطينيون يرددون انها تمثل اكبر عقبة في طريق السلام.
لم نعد نسمع اليوم مثل هذا الكلام عن المستوطنات الاسرائيلية فهل يعني ذلك انها لم تعد "عقبة كبرى" في طريق السلام، ام يعني اشياء أخرى؟
لمح اسحق رابين، بعد تأليفه الحكومة، الى انه سيفرض قيوداً على النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، على اساس ان اولويات حكومته ستكون الاهتمام بالاوضاع الداخلية في اسرائيل واصلاح الاقتصاد وتسوية المشاكل الاجتماعية. وصفق بوش لذلك وتبعه الرئيس كلينتون في هذا التصفيق. ولم يتمكن الفلسطينيون من تنفيذ تهديدهم بالربط بين المفاوضات وتجميد المستوطنات. وقرر المستوطنون انفسهم الذين كانوا يخشون مغبة حديث رابين المتشدد عن المستوطنات عدم الخوض في الموضوع ومعارضة الحكومة في مجالات اخرى.
العمل يوسع المستوطنات
وعلى الرغم ذلك لا يمكن تجاهل الحقائق التي كونتها حكومة رابين على الأرض. الواقع ان الاسرائيليين كانوا يؤمنون منذ فترة طويلة بمبدأ ان تكتل ليكود يعلن عشر مستوطنات ويبني مستوطنة واحدة، بينما يعلن حزب العمل مستوطنة واحدة، ويبني عشر مستوطنات. وهذا ما يحدث اليوم. فبعدما اعلن حزب العمل انه ينوي خفض عدد المستوطنات، بدأ بالتوسع فيها توسعا لم يسبق له مثيل منذ بدء الاحتلال. وصادقت الولايات المتحدة للمرة الأولى ايضا على هذا التوسع الضخم والفلسطينيون، على رغم انهم يدركون افضل من أية جهة اخرى الدور الذي تلعبه تلك المستوطنات في افساد أي جهود لتحقيق السلام، يفتقرون الى القوة لفرض رأيهم في المفاوضات، او لفرضه على الشريك الاميركي.
وفي اجتماع عقد اخيراً لمندوبي المستوطنين قال رابين: "لم يحدث اي انتقاص من شرعية المستوطنات. واين هذا التغيير في الأولويات؟ كيف تتحدثون عن نزع الشرعية، بينما تبني حالياً 11 ألف وحدة سكنية بالأموال العامة في الاراضي المحتلة، وسيتم الانتهاء قريباً من تلك الوحدات".
وللمرة الاولى منذ بدء الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وافقت الولايات المتحدة رسميا على انشطة الاستيطان في الاراضي المحتلة. واعلن السفير ادوارد دجيرجيان في بيان امام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط التابعة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب ان سياسة واشنطن تسمح بالتوسع في المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة.
وعندما سأل لي هاملتون رئيس اللجنة هل تسمح السياسة الاميركية بالتوسع في المستوطنات، أجاب: "هناك بعض السماح ببعض الانشطة، وأنا لا استعمل هنا كلمة "توسع"، ولكن من المؤكد ان هناك سماحاً بأنشطة البناء في المستوطنات القائمة. ويتم ذلك اساساً في اطار النمو الطبيعي وتلبية الحاجات الأساسية والفورية لتلك المستوطنات".
واعترف دجيرجيان بأن "عدد المستوطنين قد يزداد عشرات الآلاف حين تنتهي اعمال بناء المستوطنات التي يقوم بها رابين".
تقرير أميركي
واستجابة لطلب النائب ديفيد أوبي رئيس اللجنة الفرعية لمخصصات العمليات الخارجية، بدأت وزارة الخارجية الاميركية في آذار مارس 1991 باصدار تقارير سنوية عن النشاط الاستيطاني الاسرائيلي. وتحاول الوزارة في احدث تقرير لها بعنوان "الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي المحتلة ان تقدم سياسات حكومة رابين الاستيطانية من أفضل زواياها والتركيز على جهود الحكومة لكبح بناء المستوطنات. الا ان الوزارة بهذا الاسلوب تبرز في الواقع الطبيعة المحدودة لتلك الجهود في عهد يتميز بمستوى لم يسبق له مثيل من انشاء المستوطنات وتقلل من اهمية القوائم التي توضح برنامج الاستيطان المستمر.
وتعد الوزارة هذه التقارير في بيئة سياسية متغيرة بالنسبة الى السياسة الاميركية حيال المستوطنات. اذ ان الشروط التي رافقت منح ضمانات القروض الاميركية البالغة عشرة بلايين دولار لاسرائيل في العام الماضي تعطي الرئيس كلينتون فرصة لمعاقبة اسرائيل على استمرارها في برنامج الاستيطان، بخفض حجم الضمانات.
اما تقرير الوزارة الحالي فأعد في فترة يفترض الا تكون فيها قضية الاستيطان مصدراً لاثارة المشاحنات بين اميركا واميركا واسرائيل، نظرا الى التغييرات الظاهرية الواسعة في ترتيب اولويات حكومة رابين. والواقع ان حذف مسألة المستوطنات من جدول الاعمال الاميركي - الاسرائيلي يعود الى قمة رابين - بوش في آب اغسطس 1992 حين قبل الرئيس الاميركي السابق ما ذكره المسؤول الاسرائيلي عن عزمه على مواصلة "اكبر جهد للانشاء الاستيطاني" في تاريخ الاحتلال.
أمثلة على السياسة الجديدة
وبعد الاجتماع قال رابين: "لا اذكر، حتى بعد الغاء بناء ما بين 6 - 7 آلاف وحدة سكنية، انه حدث مثل هذا الجهد" الاستيطاني.
ويؤكد تقرير الخارجية الاميركية، للمرة الاولى منذ تولت الادارة الجديدة زمام السلطة، رأي الولايات المتحدة وهو ان المستوطنات تشكل "عقبة في طريق السلام". وحتى في الوقت الذي تعلن ادارة كلينتون استمرار المعارضة الاميركية "توسيع النشاط الاستيطاني الحالي" فانها لا تزال ترسل رسالة مناقضة لذلك.
ويلاحظ التقرير التغيير المهم في الاتجاه العام حيال الاستيطان نتيجة سياسة حكومة رابين لكنه يشير ايضاً الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي اتخذ قراراً معتمداً بعدم مواجهة المستوطين. كما انه لا يقدم ادلة ملموسة على اي خفض ذي قيمة في المخصصات المتصلة بالمستوطنات منذ ان تغيرت الحكومة قبل سنة. ويفترض ان يصدر تقرير آخر لتفصيل نفقات الاستيطان قبل ان تتيح واشنطن لاسرائيل ضمانات الدفعة الثانية من القروض التي تبلغ بليوني دولار في الخريف.
ويشير التقرير الى الامثلة التالية لما يصفه ب "سياسة اسرائيل الجديدة" حيال المستوطنات:
* "التزام عدم بناء مستوطنات جديدة":
ليست هناك اي ضرورة عقائدية او عملية تدعو اسرائيل الى اقامة مستوطنات اضافية في اي جزء من الاراضي المحتلة. ومع ذلك فقد انشئت مستوطنات جديدة منذ ان تولى رابين الحكم بطريقة تذكرنا بسياسة الحكومة السابقة "لتعزيز" المستوطنات القائمة عن طريق بناء عدد من الضواحي الجديدة على مسافة لا بأس بها من المستوطنات المتقدمة.
وفي الثاني من آذار افادت صحيفة "عال همشمار" الاسرائيلية ان حركة "السلام الآن" اكتشفت بناء مستوطنة جديدة على بعد كيلومتر ونصف كيلومتر غرب مستوطنة كفار ادوميم في ضواحي القدس. واتضح ان سبعين وحدة سكنية ستبنى هناك، وهي تتجاوز الحدود التي اعلنها رابين العام الماضي. ويصر المسؤولون الاسرائيليون على ان المستوطنة الجديدة ليست مستقلة. وعلى اي حال فان منطقة القدس الكبرى حيث تقام المستوطنة لا تخضع لأي قيود على النشاط الاستيطاني.
وافادت الصحيفة ان "محاولة اخرى شبيهة انفضحت قرب "مستوطنة حنانيت" شمال الضفة الغربية حيث يفترض ان النشاط الاستيطاني اصبح مجمداً تماماً. اذ ان العمل كان سيبدأ على تلة تبعد 500 متر عن المستوطنة الاصلية حنانيت تعترف هذه المستوطنة الجديدة باستقلال الجديدة غينانيت التي تبدأ بتسلم مخصصاتها المستقلة من الموازنة على رغمان دائرة الاستيطان الوكالة اليهودية لا تعترف بها رسمياً.
* قرار "الغاء العقود الخاصة ببناء خمسة آلاف وحدة سكنية اضافية":
مع ان حكومة رابين التزمت الى حد كبير قرارها بالغاء بناء الوحدات التي كانت تنوي حكومة شامير بناءها فإن هذا الاجراء كان جزاء من خطة عامة للابطاء في عمليات البناء جديدة التي كان شامير ينوي تنفيذها نظراً الى انخفاض الطلب في اسرائيل والاراضي المحتلة. ومع ذلك فإن البناء بدأ في مئات عدة من الوحدات، فوق 11 الف وحدة في مستوطنات الضفة الغربية التي وافق عليها رابين العام الماضي. وهناك 1500 وحدة سكنية قيد البناء في مرتفعات الجولان.
* قرار "منع المستوطين" من استخدام البيوت المتنقلة في الاراضي المحتلة:
تقول صحيفة "جيروزاليم بوست" ان هناك اكثر من الفي بيت متنقل فارغ في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة. اذ ان انتهاء طفرة الهجرة ادى الى فائض من هذه البيوت حتى داخل اسرائيل، ما دفع الحكومة الى اتخاذ قرادر باغلاق كل تلك المواقع في غضون اربع سنوات.
واقترحت الحكومة اخيراً ان تعيد المستوطنات كل البيوت المتنقلة التي تدفع ايجاراً لها، لكي تبيعها الحكومة الى الناس العاديين. ولهذا فإن الاشارة الى ما يسميه التقرير قرار منع المستوطنين" من استخدام البيوت المتنقلة في وقت لا تستطيع المستوطنات مواصلة دفع ايجارهذه البيوت واعتبار ذلك خطوة مهمة ومثالاً واضحاً على تحسن سياسة الاستيطان الاسرائيلية، اشارة تدعو الى السخرية.
* قرار وقف الاعلان عن اراض للدولة":
ان منطق اراضي الدولة كان الاداة الاساسية في سياسة ليكود للاستيلاء على الاراضي في الضفة الغربية طوال العقد الماضي. اد ان ثلث مساحة الضفة الغربية البالغة 2270 ميلاً مربعاً اصبح خاضعا للدولة التي استولت على هذه الاراضي بعد ان اعلنتها "اراض للدولة".
وطبقاً للدراسات الفلسطينية الاخيرة فإن اسلوب حكومة رابين المفضل في الاستيلاء على الاراضي هو اعلانها "مناطق عسكرية مغلقة"، وهو اسلوب تهمله وزارة الخارجية الاميركية في تقريرها.
* قرار التوقف عن شق "طرق الاستيطان".
قرر رابين تأجيل شق عدد من الطرق في الضفة الغربية، لكنه واصل العمل على شق طرق اخرى في مقدمها الطريق التي تربط القدس عبر سلسلة من الانفاق والجسور بمجموعة "عتسيون" من المستوطنات اليهودية الواقعة جنوب من مدينة القدس، بكلفة 42 مليون دولار.
وكذلك يستمر العمل على شق طريق القدس - افرات لهدف واضح هو ان اسرائيل تنوي الاستيطان في هذه المنطقة من الضفة الغربية. اما الابطاء في عمليات بناء الطرق الاخرى، فهو دليل على تبني حكومة رابين عملية ترشيد لخطط ليكود في مجال الاستيطان.
* تبّني خطة "شمعون شيبيز" للتقليل من حوافز الاستيطان:
تحدد هذه الخطة التي تحمل اسم رئيس هيئة اركان رابين، سلسلة من التخفيضات في الاعانات المالية التي تقدمها الدولة. الا انه لم يحدث حتى الآن اي خفض باستثناء برنامج واحد للقروض المقدمة الى المواقع الصناعية في بعض مستوطنات الضفة الغربية، وحتى هذه القروض الصناعية لا تزال مستمرة للمستوطنات المفضلة مثل "معالي افرايم" المطلة على غور الاردن.
لكن تقرير وزارة الخارجية الاميركية يغفل ذلك ولا يشير الى حقيقة مهمة هي ان اسرائيل اعلنت كل المستوطنات في منطقة القدس الكبرى اصبحت، مثل تلك الموجودة في قطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، تحصل على اكبر نسبة من المزايا والحوافز.
* تبّنى أمر عسكري يقّيد الاستيطان:
في 27 كانون الثاني يناير صدر الامر العسكري الرقم 1325 الذي يقضي بتجميد كل الخطط الرئيسية الجديدة للمستوطنات ويحظر جميع انواع البناء "في المناطق التي لا تنطبق عليها الآن اي تراخيص بناء او تخطيط قائمة". لكن اثر هذا الامر محدود جداً لأن معظم المستوطنات لديه اصلاً كل الوثائق المطلوبة.
وعلى رغم ان وزارة الخارجية الاميركية تستشهد بكل ما سبق باعتباره دليلاً على التزام حكومة رابين تحويل الموارد المالية بعيداً عن النشاط الاستيطاني، فإن الوزارة تعترف بأنه "لم يحدث تجميد كامل للنشاط الاستيطاني".
ويلاحظ التقرير استمرار البناء في 11 الف وحدة سكنية بموافقة رابين في تموز يوليو الماضي. لكن التقرير يسعى الى تبرير هذه السياسة من خلال التلميح الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي وجد ان "نفقات الغاء عقود بناء تلك الوحدات سيفوق كثيراً العقوبات المالية او السياسية التي سيتعرض لها" ولهذا قرر احترام تلك العقود.
النفقات الحكومية
ومن العوامل المهمة التي تكشف مدى تأييد حكومة حزب العمل النشاط الاستيطاني النفقات الحكومية. فقد وعد رابين باطلاع واشنطن على كل المعلومات والبيانات المتصلة بالاستيطان لكن الخارجية الاميركية تقول الآن ان هذه المسألة اصبحت ترد ضمن المناقشات الاوسع التي تجرى في اطار مجموعة التنمية الاقتصادية المشتركة. بقي ان نعرف ان هذه المجموعة لم تجتمع هذه السنة ولو مرة واحدة. كما ان الولايات المتحدة لم تعين ممثليها فيها حتى هذه اللحظة، ما يبين بالطبع ان الولايات المتحدة لم تتلق من رابين شيئاً من المعلومات التي وعدها بها.
كذلك يلاحظ تقرير الخارجية الاميركية ان حكومة رابين "لم تلزم نفسها اطلاقاً التوقف عن البناء في القدس الشرقية، او تقليل حجم ذلك البناء". والواقع ان ما حدث هو العكس تماماً، اذا اعلنت حكومة رابين انها ستواصل البناء في هذه المنطقة العربية حيث يعيش حوالي 150 الف اسرائيل و180 ألف فلسطيني. ويجري حاليا بناء 13 ألف وحدة سكنية في القدس الشرقية لاسكان 50 ألف اسرائيلي.
وللمرة الاولى يورد التقرير تقديراً محدداً لمساحة الاستيطان التي يطلق عليها اسم القدس الكبرى - وهي منطقة ضمتها اسرائيل بحكم الامر الواقع وتمتد حتى بيت لحم جنوباً ورام الله شمالاً - اذ يؤكد "ان الانشاء الاستيطاني سيستمر في منطقة حول القدس مساحتها مائة ميل مربع".
ويؤكد التقرير الاميركي، ربما من دون قصد، ان اهم تغيير في سياسة حكومة رابين الاستيطانية هو الكلام المعسول الذي تستخدمه لتزييف حقائق القضية. فكلما شهدته سياسة الاستيطان من اصلاح كان شكلياً هدفه التحايل على الانتقادات الدولية واستجابة التغييرات الاقتصادية والسكانية داخل اسرائيل.
ماذا يجري في القدس؟
كشف القادة الاسرائليون اخيراً ان الحكومات الاسرائيلية كان تفرض منذ عشرين عاماً قيوداً صارمة على نسبة المساكن العربية التي تشيد في القدس بهدف الحفاظ على نسبة من السكان الفلسطينيين في المدينة مستقرة عند معدل 26 في المئة. وكانت اللجنة الوزارية الخاصة بالقدس اتخذت قراراً صريحاً بفرض قيود على اعمال البناء العربية في المدينة عام 1973.
ويقول ابراهام كهيلا نائب رئيس بلدية القدس: "لم أر قط نص الوثيقة التي تضمنت اوامر فرض القيود على بناء البيوت العربية". لكنه يعترف بأن تلك الاوامر لا تزال سارية اليوم. وتنص التعليمات الصادرة في هذا الخصوص على ان تقتصر عمليات البناء على استيعاب "النمو الطبيعي" لدى السكان الفلسطينيين الموجودين في المدينة، وليس لاستيعاب الفلسطينيين الذين ينتقلون من الضفة الغربية ليقيموا في المدينة، اذ تعتبر اسرائيل ان الانتقال من الضفة للعيش في القدس امر غير مشروع.
ويؤكد تيدي كوليك رئيس بلدية القدس "ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة اتبعت تلك السياسة التي تنص على اصدار تراخيص البناء للقطاع العربي على اساس النمو الطبيعي للسكان العرب في المدينة".
وعلى رغم القيود التي فرضتها الحكومة الاسرائيلية على بناء المساكن العربية، وعلى رغم القيود التي فرضتها الحكومة الاسرائيلية على بناء المساكن العربية، وعلى رغم ما اقترن بذلك من ازدهار اسرائيلي في اعمال البناء،
ارتفعت نسبة الفلسطينيين في القدس اليوم الى 180 الف نسمة من اجمالي عدد سكانها البالغ 555 ألفاً. وبذلك يشكل الفلسطينيون نسبة اعلى بصورة طفيفة من سكان المدينة 28 في المئة بالمقارنة الى نسبتهم عام 1967، عندما كان عددهم 70600 نسمة من مجموع 266300 نسمة 26.5 في المئة.
وذا نظرنا الى خارج القدس، سنجد ان خريطة الاستيطان في الضفة الغربية في ظل حكم رابين تمثل صورة موسعة لخطة آلون التي اعلنت للمرة الاولى قبل اكثر من عشرين عاماً. والتي كانت تقترح ضم حوالي ثلث اراضي الضفة الغربية الى اسرائيل. وأكد يوسي بيلين نائب وزير الخارجية الاسرائيلي اخيراً ذلك بقوله: ان مبادىء حزب العمل ترتكز اساساً على الابقاء على منطقة القدس، وعلى القدس نفسها، وكتلة إتسيون، ووادي الأردن، في قبضة اسرائيل.
ولا يشكل المستوطنون سوى نسبة 7 في المئة من سكان الضفة الغربية، ونسبة ضئيلة تبلغ 0.5 في المئة من سكان قضاع غزة ومع ذلك نجد ان نسبتهم اكبر بكثير في الاماكن التي يخطط حزب العمل لضمها الى اسرائيل. وعلى سبيل المثال يشكل المستوطنون نسبة 19 في المئة من السكان في وادي الأردن. وفي منطقة الحدود في الضفة الغربية شرق تل ابيب مباشرة، يشكلون نسبة 20 في المئة من السكان. وازداد ايضاً عددهم في المنطقة المحيطة بالقدس في الضفة الغربية، ووصلت نسبتهم الى 15 في المئة من مجموع عدد السكان هناك، وستزداد تلك النسبة اذا حسبنا فيها 130 الف اسرائيل يعيشون في القدس الشرقية. وتخطط اسرائيل لإسكان 90 الف اسرة اضافية في تلك المناطق، أي ان عدد المستوطنين هناك سيزداد بمقدار 400 ألف نسمة، او بنسبة 40 في المئة من السكان.
السيطرة على الارض
ويتمثل العنصر الاساسي في استراتيجية اسرائيل تجاه الضفة الغربية في السيطرة على الارض. وتسعى حكومة رابين الى تنفيذ خطط التنمية التي تهدف الى ربط قطاعات كبيرة من الضفة باسرائيل بصورة لا يمكن فصمها. وعلى سبيل المثال نفذ جزء كبير من الخطة الخاصة بمنطقة القدس الكبرى التي تتمضن اجزاء كبيرة من اراضي الضفة. وهناك لجنة تتألف من ممثلي بلدية القدس ووزارتي الاسكان والداخلية للاشراف على تلك الخطة. وعينت تلك اللجنة مجموعة عمل من خبراء التخطيط والاقتصاد والمهندسين المعماريين والقانونيين لاعداد خطة اساسية لمنطقة القدس بحلول نهاية 1993. وهذه هي المرة الأولى التي ستتولي فيها لجنة اسرائيلية مدنية عملية تخطيط القرارات الخاصة باراضي الضفة التي لا تملك اسرائيل حق السيادة عليها.
واضافة الى القدس الشرقية التي اعلنت اسرائيل ضمها، تشمل الخطة اربعين مستوطنة في الضفة، منها مستوطنات كبيرة مثل معالي آدوسيم 17 الف نسمة"، وغيفات زيف 7 آلاف، وعفرات 4 آلاف.
وتعود حدود منطقة القدس الكبرى الى القرارات الذي اتخذته حكومة شامير وحدد تلك المنطقة لتمتد من مدينتي رام الله والبيرة شمالاً الى مستوطنة كتلة اتيسون جنوباً، ومستوطنة معالي آدوميم شرقاً.
ويتوقع ان تهتم اللجنة بتعميق العلاقات بين القدس والأراضي الواقعة الى الشرق منها في الضفة الغربية، وذلك في مجالات النقل والتجارة والاسكان والصناعة والتعليم والمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية.
خطة للضفة وغزة
وتنص التوجيهات الصادرة الى اللجنة على ان بين الافتراضات الاساسية التي يقوم عليها عملها تستند الى ان القدس الكبرى ستظل "منطقة واحدة" لكل سكان المدينة، وتكفل فيها حرية الناس في التنقل ونقل السلع والخدمات وانتقال رؤوس الاموال، بصرف النظر عن أي اتفاق سياسي يتم الوصول اليه في المفاوضات.
وخلال المفاوضات مع الفلسطنيين في واشنطن اقترح الاسرائيليون تقسيم السلطة على ثلاثة مستويات في اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. وتقضي هذه الخطة بالسيطرة الفلسطينية على كل اراضي القرى او المدن التي يملكها الفلسطينيون الان او "التي تخصص لهم"! وذلك في مقابل سيطرة المستوطنين الاسرائيليين على كل الاراضي التي يملكونها حالياً، والتي "تخصص لهم". وتقضي ايضا بالمشاركة في ادارة بقية الاراضي في المناطق المحتلة بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
واذا نفذت هذه الخطة سنجد ان هناك 398 قرية ومدينة يملكها الفلسطينيون حاليا وتبلغ مساحتها 68.310 هكتارات اي اقل من 5 في المئة من مجموع مساحة الضفة الغربية وستتمتع السلطات المحلية الفلسطينية بحق اصدار تراخيص البناء داخل هذه النسبة البسيطة من الاراضي وحدها. وبخلاف الاراضي المخصصة للمستوطنين، سنجد ان الارض فرضت قيوداً مشددة على الاراضي المخصصة لهم.
ويتبين ان المساحة المخصصة للفلسطينيين وفقاً لهذه الخطة تقل بكثير عن المساحة المخصصة للمستوطنات التي يبلغ عددها 144 في الوقت الحالي، تسيطر على 110 آلاف هكتار من الاراضي. وينطوي هذا الاقتراح ايضاً على احتمال "تخصيص" ارض اضافية لأي من الجانبين، لكنه ينص في الوقت نفسه على مشاركة اسرائيل في الادارة المشتركة لكل الاراضي غير المخصصة، والتي تمثل الاراضي التي يملكها الافراد الفلسطينيين والجانب الأكبر منها.
وتضاءلت الآمال الفلسطينية في اجراء حوار مثمر مع واشنطن في شأن مسائل الارض والاستيطان وكانت الرسالة التي خرج بها اعضاء الوفد الفلسطني المفاوض واضحة تماماً، وهي ان الفلسطينيين يقفون عملياً، وحدهم في المعركة ضد سعي اسرائيل المستمر الى تكثيف عمليات الاستيطان.
* خبير اميركي بارز في الشؤون الاسرائيلية ورئيس تحرير نشرة أميركية متخصصة في شؤون المستوطنات الاسرائيلية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.