"شغل البلوتوث واحتس فنجان الكابتشينو، فأنت في مقهى عصري"، هكذا يردد أحدهم على مسامع صديقه الذي استرخى في مقعد وثير في أحد المقاهي الجديدة. ولا أعرف كيف يكون المقهى عصرياً، قد تكون قائمة المشروبات التي تضم القهوة التركية والأميركية السوداء متوسطة السكر، دليلاً إلى عصريته. لكن ما يلفت الانتباه في"المقاهي العصرية"هو انقضاء عصر تبادل الأحاديث بين الزبائن، كما كانت الحال في"المقاهي المنقرضة". المهم أن تفتح خاصية"البلوتوث"التي لا بد أن يتمتع بها"جوالك العصري"، لتوفر لك التعرف إلى المحيطين بك في المقهى. وبين الفينة والأخرى، يرفع جوالك، صاحب هذه الخاصية، صوته المزعج، معلناً اكتشاف أخ لك في"البلوتوثية"، قد يكون اسمه"مغرم"أو"مطيح البخت"أو رقم هاتفه الجوال، عله في ظلمة الليل يخلو بمن تتصل به او يقع تحت مصيدة خادعة تضحك آخرون حوله. ليس في ما سبق أية غرابة في عصر"البلتثة"السريع، فتبادل الصور ومقاطع الفيديو صار من مستلزمات المقهى. وإذا كنت لا تملك هذه الخاصية ستظل وحيداً أو متطفلاً على جارك الذي ينعق جواله كل ثانية، معلناً وصول رسالة جديدة، تحتاج إلى رد سريع. وإذا كنت تتمتع ببعض المرح، فسترسل مقطعاً مصوراً مضحكاً، أما إذا كان المرسل معتوهاً جنسياً، فسيفاجئك بمقطع يجرح الذوق العام. لكن الأكثر غرابة، أن يرسل أحدهم مقطعاً لمشهد إعدام رهينة، جاعلاً آلام الضحايا مصدراً للمرح. وصل"الإبداع البلوتوثي"إلى درجة تصوير وإخراج مقاطع فيديو، تسخر من الإرهابيين وأعمالهم الإجرامية. وفي احد المقاطع التي يتداولها الشبان بكثرة أخيراً، تحاكم مجموعة من الفتيات رجلاً خان حبيبته، وتتلو أحداهن بياناً فوق رأسه، قبل أن تنحره أخرى، مجازياً طبعاً. بالطبع، لا يصل قبح عملية الإعدام الوهمية إلى ما وصلت إليه مشاهد الإعدام الحقيقي التي تداولها الشبان عبر الانترنت. لكن أن يتحول هذا الفعل الهمجي إلى مصدر إلهام لكثير من الشبان، يسخرون منه كوميدياً، يطرح علامات استفهام حول ما فعله الإرهاب بشريحة كبيرة من المجتمع. وفي مقطع آخر، يقرأ اثنان من الشبان الملثمين بياناً على العميل الذي يرتدي ملابس حمراء، كما ظهر احد الرهائن في العراق. يخرج البدين منهما سكين مطبخ كبيرة، ووسط صرخات التكبير، يقوم بنحر الرهينة الخائن، فاصلاً الرأس عن الجسد. ويختتم الشبان عملهم برقصة عرض، يؤديها الاثنان والرهينة ممدد بلا رأس. ربما أنجز الشبان أعمالهم الساخرة تلك ليضحكوا فقط، لكنها تتضمن معاني بعيدة، تتضمن استنكاراً لفعل كريه، تقوم به مجموعات غير مستقرة نفسياً. ثمة فعل اجتماعي متضامن مع الحملة ضد الإرهاب، تؤشر إليه هذه الأعمال البسيطة التي لم يقصد أصحابها سوى التسلية. الآن، اغلق البلوتوث وادفع فاتورة الحساب، ولا تتعجب من السعر فأنت"عصري"، وشد رحالك إلى مقهى آخر، يمكنك فيه الحصول على جديد السخرية وبعض الأمان.