أسبوع حاسم ترقب لبيانات التضخم وأسعار المستهلكين    أمير منطقة جازان يدشن غدا حملة الأمير سلطان بن عبد العزيز للتوعية باضطراب التوحد في دورتها الحادية والعشرين للتوحد    مركز عالمي للشركات والفرص الواعدة.. السعودية تستضيف «معرض التحول الصناعي 2025»    أكدت مرونتها وفقاً لتطورات السوق.. «أوبك بلس» تزيد الإمدادات في مايو    17 ألف طفل فلسطيني في سجل شهداء الإبادة الجماعية    استنكرت وأدانت استهداف الاحتلال للمدنيين العزل.. السعودية تطالب العالم بوضع حدٍ لمأساة الشعب الفلسطيني    في ختام الجولة ال 26 من دوري روشن.. فرق القاع تسعى للهروب من خطر الهبوط    في ثاني جولات كأس آسيا تحت 17 عاماً.. الأخضر يواجه تايلاند لانتزاع الصدارة    في ختام ثاني أيام الجولة 26 من روشن.. الاتحاد يرفض الخسارة أمام الأهلي في ديربي الغربية    السياحة: 154 مليار ريال إنفاق الزائرين    إدارات التعليم تطبق الدوام الصيفي في المدارس.. اليوم    1071 حالة ضبط لممنوعات بالمنافذ الجمركية    رقابة على أسواق النفع العام والمسالخ بالباحة    للتعريف بالحِرف الوطنيّة الأصيلة.. إطلاق مبادرة لوحات «وِرث السعودية» على الطرق السريعة    حلوى العيد .. نار وبواريد    ياسمين عبد العزيز تستكمل تصوير فيلم «زوجة رجل»    الولايات المتحدة تلغي جميع التأشيرات لمواطني جنوب السودان    وزير خارجية بريطانيا: إسرائيل تحتجز اثنين من نواب البرلمان البريطاني    "يونيسف" تحث إسرائيل على السماح بدخول قوافل المساعدات إلى غزة    "ماتياس يايلسه": صعب علينا تقبل التعادل مع الاتحاد    محمد بن سلمان.. إنسانية عميقة    إعادة ضبط السوق العقاري    ريان طرابزوني ل«الرياض»: مبادرة « بوبا بدون موافقات مسبقة » تحول جذري في الرعاية الصحية    رصد 2300 مخالفة على مشروعات «البنية التحتية» بالرياض    حرس الحدود لمرتادي الشواطئ.. التزموا بإرشادات السلامة    طلاب وطالبات يتجاوزون الإعاقة ب"عالم الصناعة"    في الشباك    لودي: النصر كان الأفضل    الرياضات الإلكترونية في المملكة.. نمو سريع ومستقبل واعد    الرياض وصناعة الفعاليات    مترو الرياض.. جسر للقلوب    إرثٌ خالد ورمزٌ للأصالة    رجال الأمن.. شكراً لكم من القلب    كرة ذهبية في قاع المحيط    العثور على بقايا ماموث في النمسا    أسرار في مقبرة توت عنخ آمون    عشريني ينافس العمالة بالتكييف والتبريد    نائب أمير الرياض يعزي زبن بن عمير في وفاة والده    بلان يكشف سر مشاركة أوناي    جامعة جدة تبدأ القبول لبرامج الدراسات العليا    مطلقات مكة الأكثر طلبا لنفقة الاستقطاع الشهري    خطيب المسجد الحرام: مواسم الخير لا تنقضي وأعمال البر لا تنقطع    إمام المسجد النبوي: الاستقامة على الطاعات من صفات الموعودين بالجنة    كيف تحمي طفلك من قصر النظر؟    مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالفيحاء في جدة يعيد زراعة أذن مبتورة بنسبة تزيد على "50"%    مستشفى الرس.. مبادرة مبتكرة لتحسين تجربة المرضى    العيد بين الفرح والقلق    بلدية الدمام تعايد مسؤولو ومرضى مستشفى الملك فهد بالدمام    الفنان التشكيلي سعود القحطاني يشارك في معرض جاليري تجريد 2025    الفنون البصرية تطلق غدًا "أسبوع فن الرياض"    العماد والغاية    الملك وولي العهد يعزيان عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين في وفاة والدته    ودعنا رمضان.. وعيدكم مبارك    مركز 911 يستقبل أكثر من 2.8 مليون مكالمة في مارس الماضي    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مرارات ولادة جمهورية من رحم امبراطوريات عاتية . مأزق تحول الألبان كوسوفيين في الدولة الوليدة أبرز تحد للاستقلال ... الهش 2
نشر في الحياة يوم 05 - 09 - 2008

في حلقة أمس عرضنا إيقاع إعلان الاستقلال في الشارع الكوسوفي وفي أمزجة السكان، واليوم نباشر عرض الصعوبات التي تواجه هذا الاستقلال خصوصاً ثنائية الهوية الألبانية والكوسوفية، والتي تؤرق اقليات في الجمهورية وجيراناً لها. ثم نعرض بعض صور التاريخ العثماني والصربي في المدن الكوسوفية، لا سيما مدينة بيزرن على الحدود مع ألبانيا، وبعض معضلات الهوية الجديدة.
تقول رابيشا وهي إعلامية كوسوفية ان صحافياً اميركياً توجه اليها بصفتها مواطنة من كوسوفو فأجابته فوراً انها من كوسوفو وليست من"كوسوفو"، والفارق بين الكلمتين، أي استبدال الواو بألف، هو الفارق بين اللفظين الألباني والصربي للكلمة. كوسوفو بالألباني وكوسوفو بالصربي، وعلى رغم ان اللغتين الألبانية والصربية هما اللغتان الرسميتان في دستور الدولة الكوسوفية، فإن ذلك لم يؤد الى الشفاء من هذه الثنائية. فكوسوفو بحسب دستورها دولة تعددية مدنية وغير قومية، لكن اعباء الشقاء القومي تثقل صدر تلك التجربة. والمشاعر القومية هنا في كوسوفو لا تعمل من تلقائها، فتجارب الحروب البلقانية المريرة ضاعفت من قوتها ومن زخمها وأضافت اليها ابعاداً دينية قاتلة.
وثنائية كوسوفو وكوسوفو تتفرع منها ثنائيات اكثر ارتباطاً بالمأزق البلقاني. فالدولة الجديدة ليست وطناً بديهياً لكل ابنائه، وان يقول لك محمد الشاب الكوسوفي الذي هاجر في عام 1999 الى سويسرا والمتحمس لمشروع الدولة الجديدة، انه تزوج هناك من البانية من عائلة مهاجرة، فلا يعني ذلك ان زوجته من ألبانيا انما يعني انها البانية من كوسوفو، ومحمد الذي يستدرك عندما تسأله عن اسباب عدم نسبة زوجته الى كوسوفو بدل البانيا على رغم إعلان الدولة يقول:"نحن في النهاية البان لكن الآن لنا دولة وعلينا ان نعتاد ذلك والأمر ليس سهلاً". اما غوران وهو شاب صربي من بلدة غراتشانيتسا التي تبعد نحو 5 كيلومترات عن العاصمة بريشتينا فيقول:"انا صربي من اقليم كوسوفو، فالأخير ليس وطناً انما منطقة من وطن".
تسعى الدولة الجديدة بجهد ملحوظ الى تثبيت قناعة لدى جميع المعنيين بالتجربة الجديدة تتمثل في ان كوسوفو دولة لجميع مواطنيها وليست دولة للألبان. يمكنك ان ترصد هذا الميل في حرص المسؤولين على افتتاح كلامهم بهذه الحقيقة مهما كانت المناسبة، ولكن ايضاً يمكن رصد ذلك في خطوات اخرى مترافقة مع اعلان الدولة، فعلم جمهورية كوسوفو يضم خريطة الدولة وترتفع فوقها ستة نجوم تمثل القوميات الكوسوفية الست، أي الألبان والصرب والأتراك والغجر والغوران والبوشناق، علماً ان تساوي الأقليات في العلم لا يوازي الحقيقة الديموغرافية المتمثلة في ان 90 في المئة من الكوسوفيين هم من الألبان. وعلامات السعي الى التخفف من الأعباء القومية في كوسوفو كثيرة، فلا أثر في المشهد العام لإشارات مرتبطة بالجماعات الأثنية، حتى العلم الكوسوفي الجديد لن تجده مرفوعاً وحده في الكثير من الأماكن، فقد رفع الى جانبه علما الأتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. ثم ان بائعي الپ"Gadget"في الشوارع السياحية والتجارية ملأوا بسطاتهم وأكشاكهم بشعارات الدولة ورموزها الجديدة، ولا أثر لأغراض وشعارات مرتبطة بحقبات المحن القومية والدينية التي كابدها السكان قبل اقل من عشر سنوات.
الألبانية مقيمة في وعي الغالبية القومية، ولكنهم يقاومونها مقدمين عليها كوسوفيتهم التي يشكلون فيها أكثرية مريحة، وأوروبيتهم التي يسعون جاهدين الى تعزيزها والى هضم قيمها ومعانيها. اما السهولة التي ينتقلون فيها من وضعهم كقومية مأزومة الى"امة"عابرة للقوميات فتشوبها في الكثير من الأحيان اضطرابات ومآزق، اذ لطالما يسقط الكوسوفيون في أفخاخ عالمهم القديم اثناء سعيهم الى التماهي مع القيم الأوروبية.
ولعل السؤال الذي يوجهه الجميع اليهم والمتعلق بالضمانات المطلوبة لعدم وجود نزعات اندماج مع ألبانيا هو ما يجب ان تتمحور حوله حياتهم السياسية المقبلة. فاستقلال كوسوفو تعوزه ايضاً نزعة استقلال عن وهم البانيا الكبرى. الدستور الحالي يضمن ذلك ولكنه لا يقدم تطمينات كافية للأقليات الأخرى، لا سيما الصربية منها، او هكذا يشعر صرب كوسوفو على الأقل. اما النخبة الحاكمة في كوسوفو اليوم فتجيب على هذه المخاوف بتلك"التنازلات الكبيرة التي قدمها الألبان في الجمهورية الجديدة بهدف إشعار الأقليات بذلك".
ويبدو واضحاً لزائر كوسوفو ان ليس لدى النخبة الحاكمة هنا جواب واحد على هذه الأسئلة والمخاوف، وعلى رغم الإجماع الكوسوفي على عناوين تتعلق بالعلاقة مع الغرب وقبول شروطه في الداخل، ثمة تفاوت واضح بين الحزبين الرئيسين في فهم هذه الشروط وفي العلاقات مع الأقليات البلقانية في كوسوفو، أي حزب الرابطة الديموقراطية الكوسوفية"الذي يتزعمه رئيس الجمهورية فاتمير سيديو والذي كان أسسه الرئيس الكوسوفي الراحل ابراهيم رغوفا، والحزب"الديموقراطي الكوسوفي"الذي يتزعمه رئيس الحكومة الحالي هاشم ثاتشي وهو كان القائد الميداني لجيش تحرير كوسوفو. فالرابطة تمثل في التركيبة السياسية والاجتماعية النخب المدينية المتعلمة والتي تميل الى تسويات سياسية وثقافية محلية مقرونة برغبة الاندماج بأوروبا مع ميل للحفاظ على ملامح تقليدية، فيما يعتبر الحزب الديموقراطي ممثلاً لجيل المقاتلين وغالبيتهم من القوميين الريفيين الذين نزلوا الى العاصمة والمدن الأخرى في أعقاب الانسحاب الصربي عام 2000 وتولى عدد كبير منهم مناصب رفيعة في الدولة وأجهزتها. وفي حين ادى انشقاق الرابطة الى حزبين الى فقدانها الغالبية البرلمانية في انتخابات عام 2007، استفاد الحزب من هذا الانشقاق ليفوز بالغالبية ويشكل الحكومة.
القسمة بين الرابطة والحزب في المواقع والمواقف وأنماط التمثيل تنعكس على مختلف اوجه الإداء السياسي لكلا الجماعتين. فالرابطة مثلاً تتعاطى بدينامية ومرونة اكبر حيال التردد العربي بالاعتراف بكوسوفو فيما يظهر قياديو الحزب رغبة في الرد على هذا التردد من خلال"اللجوء الى خصوم العرب لمساعدتنا". اما في ما يتعلق بالتسوية الداخلية فإجابات مسؤولي الحزب حاسمة لجهة ان ما قدِم في الدستور هو اقصى ما يمكن ان يقدم للأقليات وان"الألبان في كوسوفو ينتظرون اعتذاراً من الذين تسببوا لهم بالمآسي... ولا بد من تقديم القادة الميدانيين الصرب للمحاكمة"، فيما تشعر ان الرغبة في التسوية تسبق غضب المسؤولين في الرابطة على من تسبب"بالمأساة الألبانية في كوسوفو".
واختبار العلاقة مع البانيا، الدولة المجاورة والمشتركة مع الغالبية الكوسوفية بالقومية واللغة والحدود، يشكل أحد المفاتيح الجديدة مع التجربة الجديدة في كوسوفو. انها معضلة الشقيق الأكبر التي تكابدها معظم الدول الصغيرة في العالم، لكنها في كوسوفو ليست معضلة الأكثرية، حتى الآن على الأقل، فالانسحاب الصربي من كوسوفو عام 1999 أفسح المجال لپ"التئآم"العلاقة بين ابناء القومية الواحدة. الحدود بين الدولتين تبلغ نحو 173 كيلومتراً على طرفيها يقيم أقارب باعد بينهم رسم الحدود، ولكنهم اليوم عادوا واستأنفوا قراباتهم على رغم بقائها في ظل"تسامح"متبادل بين الدولتين.
والعلاقة بين البانيا والدولة الوليدة في كوسوفو لن تقتصر على استئناف الأواصر القومية، فطموحات الكوسوفيين الإستقلالية لم تمنعهم من السعي الى الوصول الى شاطىء البحر الأدرياتيكي عبر اوتوستراد يبدأ من بريشتينا ويصل الى العاصمة الألبانية تيرانا ثم الى البحر. واستعارة المنفذ البحري هي احد وجوه التقارب، بين الألبان في البلقان. ولكن هذا التقارب وإن كان مبنياً على اساس الاعتراف باستقلال كوسوفو، لكنه يثير مخاوف الأقليات الأخرى في كوسوفو كما يثير حفيظة الخصوم القوميين للألبان أي الصرب، وهو الآن يُستعمل للوقوف في وجه الإستقلال. فپ"وهم"ألبانيا الكبرى عاد ليخيم على العلاقات بين الدول البلقانية بعد ان أسقطت دموية سلوبودان ميلوشوفيتش اوهام"صربيا الكبرى". فالتاريخ يستيقظ في البلقان كلما استيقظ صربي أو ألباني في صباح يوم عادي. وعلاقات مميزة بين كوسوفو و"شقيقتها الكبرى"البانيا لن تعني لصربيا الا استئنافاً لتاريخ دموي بين القوميتين.
الجبال الألبانية الشاهقة التي تشكل المثلث الحدودي بين كوسوفو وألبانيا والجبل الأسود يسميها الألبان"الجبال الملعونة"ويقول فيتيم المترجم ان الإسم أطلق عليها بسبب ارتفاعها، فهي جزء من سلسلة جبال الألب في أوروبا، ولكنه يستدرك قائلاً" ربما أطلقوا عليها هذا الأسم لأنها تفصل بين أبناء القومية الواحدة". ومشهد هذه الجبال بالقرب من مدينة بيا غرب كوسوفو يشعرك فعلاً بأن ثمة من عقد الجبال ليرسم حدوداً، اذ تنساب السلسلة شاهقة وخضراء وسلسة الى ان تصل مثلث الحدود هذا فتنعقد حول منعطفات صخرية مستحيلة وصعبة.
المسافة بين بريشتينا ومدينة بيا في أقصى غرب كوسوفو تبلغ نحو 90 كيلومتراً، ولكن وعورة الجبال تشعرك بأن المسافة أطول بكثير. الريف الكوسوفي على جانبي الطريق مليء بشواهد الحروب السابقة. القرى الصربية المدمرة لم يعد بناء معظمها، فسكانها لم يرجعوا من مهاجرهم في صربيا بعد، أما القرى الألبانية فشواهد الحرب فيها تتمثل في تلك القبور السود التي شيدها السكان لپ"شهدائهم"وجميعهم من الرجال كما يقول فيتيم. والغريب ان لون القبور وأشكالها تجمع ابناء القوميتين المتحاربتين إذ يحتاج تمييزك بين المقابر الى تدقيق في الرموز الدينية المنقوشة عليها. وغالباً ما تتصدر المقبرة البلدة فتستقبلك عند مدخلها.
والريف الكوسوفي الرائع والمزين بصور المآسي البلقانية على مر العقود يشكل"جوهرة"التجربة الجديدة، اذ يعول الكوسوفيون على ثرواتهم الخضراء في سبيل حجز مقعد لهم في الاقتصاد الأوروبي. فالثروة الحيوانية الى جانب الخضر والفواكه هي ما يحاول الكوسوفيون تقديمه بصفته فرصة للاستثمار في بلدهم.
لكن لكوسوفو أيضاً طبيعة اخرى تتمثل في ذلك الملمح العثماني لمدنها وبلداتها الكبرى، وهذا يعزز في السجالات القومية التي تستحضر التاريخ شرعية الدعاوى الألبانية. فالوجود الثقافي الصربي متمثل في تلك الصروح والكاتدرائيات الأرثوذكسية الراسخة في القصبات الكبرى، وفي الأرياف، أما المدن فعثمانية في معظمها، ولعل مدينة بريزرن غرب العاصمة والقريبة من الحدود مع ألبانيا تشكل المعلم العثماني الأبرز في كوسوفو. فهياكل المدينة وجسورها وكذلك مساجدها والكثير من احيائها ما زالت محتفظة ببنية عثمانية واضحة على رغم مرور المدينة بحقبات"ازدرت تاريخها العثماني واضطهدته"، فتلك مئذنة عثمانية دُمر مسجدها لكنها صمدت وحيدة من دونه عشرات السنين، وهذا جسر متآكل ومهدد بالسقوط لكنه محتفظ بملمحه العثماني. السكان والمقاهي في بريزرن يشعرونك بأنك تعبر في مدينة أحد سلاطين تلك الأمبراطورية التي حكمت المنطقة أكثر من خمسة قرون.
لكن التاريخ في كوسوفو لا ينصف أحداً، والاستعانة به في سياق تجربة جديدة لها مخاطرها ومحاذيرها. كوسوفو"دولة تعددية وغير قومية"وتاريخ الألبان فيها ليس تاريخاً لكل جماعاتها، ونجاح الاستقلال يقتضي التخفيف من الجرعات التاريخية لكل الجماعات. ثم ان الاندماج في أوروبا، وهو رغبة يبديها الكوسوفيون بحماسة كبيرة، يقتضي التخفف قدر الإمكان من التاريخ الألباني لمصلحة رغبة في التعايش تشكل الاختبار الفعلي للانحياز العالمي لجمهورية كوسوفو. هذا الانحياز هو من انقذ الألبان في"الأقليم"من براثن ميلوشيفيتش، في حين لم تتمكن الدعاوى القومية في ذلك الوقت من الصمود في وجه الآلة العسكرية الصربية.
الاستجابة الى الشروط والمعايير الدولية هي الضمانة لنجاح التجربة، وهي ايضاً ما يمكن ان يكبح أي ميل ألباني اندماجي قد يؤرق الآخرين. النخبة في كوسوفو تدرك ذلك وهي الى الآن تعمل بموجبه، وهي واقعية الى حد يتيح لها ان الزمن ليس زمن انبعاث الأمبراطوريات القومية خصوصاً في أوروبا. كوسوفو تجربة تدويل ناجحة حتى الآن، فهل يفضي نجاحها الى سحب كلمة"تدويل"من قاموس العبارات السلبية في اللغة العربية.
العرب لم يصلوا الى كوسوفو : عتب وحيرة ... وتفسيرات
زيارة صحافي عربي كوسوفو ستكون محفوفة بعشرات الأسئلة التي يطرحها السكان الألبان عن اسباب عدم اعتراف الدول العربية حتى الآن بالجمهورية الجديدة في البلقان، على رغم"القرابة الثقافية بين العرب والألبان"وعلى رغم"مبادرة الكثير من الدول العربية الى ارسال مساعدات الى مخيمات اللاجئين الكوسوفيين خلال محنة عام 1999". والسؤال دائماً يستبطن امرين، الأول عتب، والثاني بحث عن الأسباب.
الجواب الأول الذي وجده الكوسوفيون لسؤالهم يتعلق بأن العرب لن يقدموا على التضحية بعلاقاتهم مع روسيا الدولة القوية والغنية، على مذبح اعتراف بحق جماعة أوروبية مسلمة في اقامة دولة مستقلة.
لكن الإجابات التي يحاول الكوسوفيون تفسير التردد العربي في الاعتراف بهم عبرها لا تقتصر على السبب الروسي، اذ يشير اكثر من مسؤول كوسوفي الى ان صربيا في الوعي العربي هي وريثة الإتحاد اليوغوسلافي الذي تفكك بعد موت جوزيف تيتو، وان هذا الأخير كان صديقاً للعرب ومؤسساً لمنظمة دول عدم الانحياز التي ساندت العرب في كثير من قضاياهم. لكن الصحيح بحسب المسؤولين في كوسوفو، ان صربيا ليست وريثة الإتحاد اليوغسلافي، وان تيتو صديق العرب، وهو كرواتي، اعطى في عام 1974 اقليم كوسوفو استقلالاً كاملاً ضمن الإتحاد اصبح للأقليم معه في المجلس الفيديرالي اليوغوسلافي صوت معطل.
صربيا ميلوشيفيتش كما يشير المسؤولون هنا في كوسوفو هي اول من وضع اسفيناً في نعش الإتحاد"الذي يحبه العرب"وهي ليست وريثته، والإخلاص لهذا الإتحاد يقتضي بدوره منح كوسوفو اعترافاً باستقلال كان منحها اياه الإتحاد. وفي سياق عرضهم لعلاقتهم بيوغوسلافيا السابقة لا يبدي الكوسوفيون أي تحفظ عن ما قدمته لهم تجربة الإتحاد من حكم ذاتي ومساواة بينهم وبين القوميات اليوغوسلافية الأخرى. حتى ان بعض الليبراليين منهم يقولون أن صيغة الإتحاد اليوغوسلافي كانت تعوزها بعض التعديلات وبعض الإنفراجات على مستوى الحريات العامة حتى تستقيم، وهي كانت تصلح للاستمرار.
اما السبب الثالث الذي يعرضه الكوسوفيون لعدم الاعتراف العربي بهم فيتعلق باحتمال وجود مخاوف عند العرب من اقلياتهم التي ربما شجعها استقلال كوسوفو على التحرك والمطالبة بالاستقلال.
لكن التطلب الكوسوفي من الأقرباء المسلمين والعرب يبدو غريباً واحياناً مبالغاً فيه، فإندفاع الدولة الجديدة ومجتمعها باتجاه اوروبا يخفف من الحاجة الى عمق عربي واسلامي لتلك الدولة. وهو خيار لا يبدو انه سيئ في ظل تخبط العالم العربي والإسلامي بقضايا ستثقل على ذلك الكيان الجديد، وهي اصلاً بدأت تثقل عليه. اذ ثمة التزامات ربما املاها على الدولة الجديدة ملمحها المسلم بدأت بالخضوع اليها في سياق سعيها الى انتزاع اعتراف عربي بها. ومن هذه الالتزامات ما اشار اليه ديبلوماسي غربي في بريشتينا عن رغبة اسرائيل بالإعتراف بكوسوفو، لكن هذه الرغبة قوبلت ببرودة من المسؤولين في بريشتينا نظراً الى ما قد تجر من نتائج على ما تطمح اليه بريشتينا من علاقات مع العرب.
تدرك النخب في كوسوفو حساسية الموقع الذي اختارته لبلدها لجهة العلاقة مع الشرق ومع الغرب، واعضاؤها غالباً ما يبدأون احاديثهم بالتأكيد انهم دولة اوروبية، وان لإسلامهم خصوصية اوروبية. كما يدركون المخاطر التي يمكن ان تنجم عن وصل قضيتهم بأساليب الصراع التي اختارتها جماعات الإسلام الحركي والمتطرف في الكثير من المناطق في العالم. ويبدو ان ادراكهم هذه المخاطر كان مبكراً، فالمقاتلون الإسلاميون وصلوا الى البلقان في اواسط تسعينات القرن الفائت، ولكن الى البوسنة، وليس الى كوسوفو التي وان وصلها عدد ضئيل جداً منهم لم تستقبلهم أو هي سارعت الى إبعادهم عن الإقليم في ذلك الوقت، بحيث لم تسجل حادثة تذكر تؤكد وجود مقاتلين عرب في كوسوفو.
لكن لا شك في ان ثمة حاجة في كوسوفو للإعتراف العربي والإسلامي بالاستقلال، وتنصب جهود كبيرة لإنجاز اختراق على هذا الصعيد، اذ قال وزير الخارجية الكوسوفي اسكندر حسيني ل"الحياة"ان الأولوية في عمل وزارته هي للتحرك بإتجاه الدول العربية، وانه بعث برسائل رسمية الى الكثير من الدول العربية طالباً زيارتها الا انه لم يتلق اجوبة حتى الآن. واضاف انه يتفهم اسباب التردد في تحديد موعد له، اذ ان ذلك قد يُفسر بأنه اعتراف بالدولة الجديدة. ولكن حسيني لفت الى اشارات ايجابية بدأت تصل من عدد من الدول العربية والإسلامية وتوقع ان تتزايد هذه الإشارات في المرحلة المقبلة.
اما المستوى الآخر للسعي الكوسوفي الى انتزاع اعتراف عربي بالاستقلال فيتمثل في دور المشيخة الرسمية، أي مفتي كوسوفو الشيخ نعيم ترنافا وهيئة الإفتاء في المشيخة والتي تضم عدداً من خريجي المعاهد والجامعات الدينية في العالم العربي والإسلامي، اذ يتولى هؤلاء الإتصال بدور الإفتاء العربية حاثين قادتها على الضغط على حكوماتهم للإعتراف بكوسوفو. ولكن المشيخة وجميع المفتين فيها يحرصون على ضرورة الإشارة الى"اننا جزء من اوروبا وعلى الجميع تفهم خصوصياتنا".
احد المسؤولين الكوسوفيين قال ان"متخصصين اوروبيين في الإسلام الحركي زاروا كوسوفو قبل اشهر قليلة وراحوا يبحثون فيها عن حركات اسلامية مشابهة لتلك التي انتشرت في اوساط المهاجرين المسلمين الى اوروبا الغربية، لكنهم لم يجدوا لها اثراً عندنا". واضاف:"انتم على ما يبدو ايضاً تبحثون عن نسخ كوسوفية للحركات الإسلامية المنتشرة في بلادكم، لكنكم ايضاً لن تجدوا اثراً لها في بلادنا".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.