ارتفاع أسعار النفط مع موجة الجليد التي تضرب أمريكا    المملكة تستضيف خبراء دوليين لصياغة مستقبل الإنسان    المحافظات اليمنية تستقبل منحة المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء    الإعلام البرازيلي يكشف تفاصيل انتقال كايو سيزار من الهلال    إحباط تهريب (23) كيلوجرامًا من مادة الحشيش المخدر في جازان    نائب أمير تبوك يستقبل ممثل فرع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر بالمنطقة    تأكد جاهزية بونو وأكتشيشيك لمواجهة الهلال والقادسية    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    جمعية التكافل الإنسانية بصبيا تُطلق مشروع «إعمار» لترميم منازل المستفيدين    عثمان الصيني أمينًا عامًّا للجائزة السعودية للإعلام 2026    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد يؤكد دعم المملكة للسلام وإعادة الإعمار في غزة    نائب وزير البلديات والإسكان يشرح آلية التحول في القطاع العقاري    نائب أمير جازان يُدشِّن الحملة الوطنية للتطعيم ضد شلل الأطفال    مركز القلب بالقصيم يطلق مبادرة "إشراقة تعافٍ" لدعم المرضى نفسيًا وجسديًا    مقتل 4 فلسطينيين في قصف الاحتلال الإسرائيلي شرق غزة    اليمن: 3 ملايين طفل حرموا التعليم و170 ألف معلم بلا رواتب    المدرب دانجيلو: «أشعر أننا سنرى أفضل مستوياتها هذا الموسم»    بلابل الشعر العربية في أمسية مديد الثالثة بأدبي الطائف    إنفاذًا لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول التوأم الملتصق التنزاني (نانسي ونايس) إلى الرياض    النصر يُعلن تعاقده مع حيدر عبدالكريم    بدء تطبيق المرحلة الثانية من توطين مهن طب الأسنان    تعليم الطائف يحتفي باليوم العالمي للتعليم 2026    العون الخيرية تُطلق حملة بكرة رمضان 2 استعدادًا لشهر الخير    الهلال يحافظ على الصدارة رغم التعثر.. والنصر والأهلي يواصلان الضغط مع ختام الجولة 18    «عمارة المسجد النبوي».. استكشاف التاريخ    «أمانة نجران» تُنجز 12 مشروعاً تنموياً ب117 مليون ريال    هندي يقتل ابنته الطالبة ضرباً بالعصا    دوريات الأفواج الأمنية في عسير تُحبط تهريب (46) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    في روشن.. الاتحاد يعبر الأخدود بشق الأنفس    واشنطن: عناصر داعش المحتجزون بالعراق خطر يطال الجميع    تسعينية تحطم التلفاز دفاعاً عن «أبطالها»    «كرت أزرق» سوداني مصري إلى برلين    انطلاق تحكيم مشاريع نهائيات «إبداع 2026»    وسع سيطرته بالنيل الأزرق.. الجيش السوداني يفك حصار «الدلنج»    إيران تجدد تحذيراتها: أي هجوم سيقود لاضطراب إقليمي    أكد قوة الاقتصاد والنمو غير النفطي..الفالح: 4.7 تريليون ريال الناتج المحلي الإجمالي للمملكة    القيادة تهنئ الحاكم العام لكومنولث أستراليا بمناسبة ذكرى يوم أستراليا    «البروتين».. كنز لكنه مدمر للصحة    الأستراليون يصطفون لمشاهدة زهرة «الجثة»    المهارة التي تسبق شهادتك وتتفوق على خبرتك    كيف تقود المقالات معارك الفضاء الرقمي؟    العيسى في دافوس.. رهان على المشتركات الإنسانية    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    الربيعة يدشن مركز التحكم بالمسجد النبوي    حضور عالمي يتجاوز الظرفية    إطلاق «موسم الشتاء» بمحمية الملك سلمان    سعود بن بندر يهنئ "أمانة الشرقية" لتحقيقها جائزة تميز الأداء البلدي    المملكة تصنع الفرق عالمياً    الجراح من القلب    مركز التحكيم الرياضي السعودي يوقع مذكرة تفاهم مع هيئة التحكيم الرياضي الخليجية    النصر يتغلب على التعاون بهدف في دوري روشن للمحترفين    أحد عشر عاما أعادت تعريف معنى القيادة    برعاية أمير الشرقية انطلاق مؤتمر الرعاية الصحية الأولية بالدمام    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    نوه بدعم القيادة ل«كبار العلماء».. المفتي: المملكة شامخة قوية بسواعد أبنائها    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    الاهتمام بالأسر المتعففة والأيتام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رضوان السيد في كتابين : أزهري مقتدر وواع لطرائق الاستشراق . قراءة جديدة لمسائل التراث والدين والدولة ... وفق التاريخ "المفهومي"
نشر في الحياة يوم 23 - 08 - 2008

يحمل الكتابان اللذان صدرا تباعاً لرضوان السيد في عام 1997 "الجماعة والمجتمع والدولة" وپ"سياسات الإسلام المعاصر"، جهداً تنقيبياً وبحثياً لافتاً ومطرداً، امتدّ على سنوات استكمالاً لتحقيقات عديدة سبق أن نشرها المؤلف وقدّم لها في حقل الفقه السياسي الإسلامي وپ"أدب المرايا"، وتعميقاً لفروض كان قد بدأ معالجتها حول مفاهيم"الأمة"والجماعة والسلطة"وحول إشكالات"الإسلام المعاصر". وإذ أقول استكمالاً، وتعميقاً، أعني كل ما يشير إليه المعنى من دلالات التجديد والتنويع والإغتناء.
بين"أزهري"مقتدر في استجماع نصوص الذاكرة التاريخية من طبقات المصادر الإسلامية، وبين باحث درب على طرائق الإستشراق، ولا سيما الإستشراق الألماني في تنويعه وتقليبه لوجوه الصورة التاريخية صورة الماضي في الحاضر، يتقدّم رضوان السيد في جهده التوليفي والتوثيقي هذا، مؤرخاً للأفكار والثقافة السياسية من نوع جديد. فلا هو الأزهري"الكلاسيكي"الذي يخلط"الأزمنة التاريخية كنموذج دعوي إسلامي خالص ولا هو المستشرق البارد أو المتكلّف أو المصطنع للسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، والذي غالباً ما يكثر من استخدام تعبير التجرّد والموضوعية والحياد، من خارج همّ الإنتماء أو المعاناة.
رضوان السيد يعي جيداً هذا الموقع فيعبّر عنه في كتاب"الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الايديولوجيا في المجال السياسي الإسلامي"، بالإعلان عن انتمائه إلى الجيل الرابع من المؤرخين العرب، الجيل الذي يطمح أن يتجاوز التركيز على جانب واحد من التاريخ العربي - الإسلامي: الجانب السياسي الجيل الأول أو جانب الاقتصاد والمجتمع الجيل الثاني، جانب الأيديولوجيا الجيل الثالث. أما حقل الاهتمام بالنسبة إلى الجيل الرابع فهو حقل كتابة"التاريخ المفهومي"، أو تاريخ المفاهيم،ص 13. لعل التوصيف النمطي - المنهجي مفيد هنا في إبراز سمات المنهج والغاية في كتابات رضوان السيد.
يتابع بالدرس والتحليل الوظائفي الخطاب الأيديولوجي الديني - الشوري عند محمد النفس الزكية ليرى فيه توليفاً بين أجزاء من الخطاب الشوروي الجامع وأجزاء من الخطاب القدسي المهدي الهاشمي، لكنه يبقى توليفاً غير متماسك، كما يلاحظ. ففي سياق التفاعل التاريخي بين أنماط الخطابات ومواقعها، يستمر التجاذب التاريخي على أطراف المجالين الديني الشريعة والسلطوي السياسة على امتداد القرون الخمسة الأولى. ويلاحظ رضوان السيد أن الدولة بدأت في مسار هذا التجاذب بمصادرة مهمات كانت بيد العلماء والفقهاء. من ذلك مثلاً تحويلها"الحسبة من اختصاصات القضاء إلى اختصاصات السلطان". كما فعلت الشيء نفسه بقضاء المظالم والجرائم السياسية. وذلك"لحفظ هويتها ودعواها باعتبارها حارسة الدين وسائسة الدنيا".
من أين جاءت هذه"العبارة الخطيرة"على حد تعبير الباحث:"مهمة الدولة: حراسة الدين وسياسة الدنيا"، وهي خلاصة التعريف الذي أسس عليه الماوردي والعديد من الفقهاء اللاحقين"نظرية الدولة في الإسلام"؟
إنه السؤال المركزي الذي يخترق سياقات معظم الفصول التي يشملها الكتاب: الخلافة والملك، كاتب الديوان، الجماعة وأهل السنة، الماوردي، المدينة والدولة في رؤيتي الماوردي وابن خلدون، الدين والدولة وإشكالية الوعي التاريخي.
في مواجهة هذه العبارة الخطيرة، يطرح رضوان السيد سؤالاً"خطيراً"أيضاً: هل صحيح أن الشريعة كانت تحتاج للدولة من أجل تطبيقها، ثم هل صحيح أن الدولة أو الإمامة حرست الشرع أو الدين"؟؟
تأسيساً على هذا السؤال - الفرض، يستعرض الباحث أحداثاً تاريخية قامت بها الدولة وكلها تنم عن مهمات سياسية لا عن مهمات دينية.
من هنا ربما جاء التباس العلاقة وتعقيدها بين الفقهاء والسلاطين. ورضوان السيد يحاول كشف هذا اللبس ودراسة هذه العلاقة المعقدة. بعيداً من تحليلات العديد من المستشرقين الذين دمجوا بين الدين والسياسة في الإسلام والدولة الإسلامية برنارد لويس نموذجاً، أو جعلوا من الفقهاء تابعين أو ممالئين للسلطة، أو الذين أخذوا بظاهر خطاب الفقهاء عندما كان هؤلاء يعارضون السلطان باسم الشريعة أو الدين. بعيداً من كل هذا، يتقدّم رضوان السيد بتفسير"اللامفكّر به"في خطاب الفقهاء ولا سيما في خطاب الماوردي: تأثير العهد المنسوب لأردشير بن بابك مؤسس الدولة الساسانية والذي يقول:"الدين والملك توأمان لا قوام لأحدهما إلاّ بصاحبه، لأن الدين أس والملك حارس...".
ويضيف رضوان السيد:"تُرجم هذا العهد إلى العربية في فترة مبكرة. ربما كانت أواخر العصر الأموي". ويحصي المؤلف موارد اقتباس هذه الفقرة من العهد المذكور في كتب السياسة والسمر العربية، فإذا هي ستة وأربعون موطناً منها ثمانية مواطن في كتب الماوردي وحده، والتشابه، بل التماثل واضح بين فقرة أردشير وتعريف الماوردي ص386.
ولتفكيك هذا الخطاب الإسلامي الملتبس حول الدين والدولة يبرز رضوان السيد"الفارق التاريخي"بين علاقة الدين بالدولة عند الساسانيين وعلاقة الدين بالدولة في المجال - العربي الإسلامي. في الحالة الأولى تدين الزردشتية للدولة في تبنيها لها، بينما في الحالة الثانية تدين الدولة للإسلام في قيامها وحاجتها له. ويطلق رضوان السيد الحكم التالي:
"إذا عذرنا الفقهاء في عدم معرفتهم بأولوية العلاقة بين الزردشتية والكسروية، فلن نستطيع أن نعذرهم في تجاهل كون السلطة السياسية في الإسلام لم تحرس الدين، بل أن الدين هو الذي حرسها"ص 388.
إذن، ان قياس الماوردي كان"قياساً مع الفارق"والفارق تاريخي كما يقول الباحث، ولكن أتساءل ألم تكن العلاقة الوظائفية واحدة أو متشابهة في الحالتين، سواء كان الدين في حاجة إلى الدولة حالة الزردشتية أو كانت الدولة في حاجة إلى الدين حالة الدولة الإسلامية؟
مع دراسته "لحركات الإسلام السياسي المعاصر"يبين فروقات جذرية وكبيرة بين البيئات الأيديولوجية السياسية لهذه الحركات، وتوجهات أفكارها، وبين بيئات ومنطلقات"الإصلاحية الإسلامية". فروقات تصل إلى حد القطيعة بين الخطابين الإسلاميين. ولكن إذا كانت القطيعة قد حصلت فعلاً بين الخطابين لاختلاف البيئتين التاريخيتين واختلاف المنهجين، واختلاف الرؤيتين، فإن ما يلاحظه رضوان السيد في حركة تأمله وتفكّره بالنص الفقهي القديم ابن تيمية على سبيل المثال وبين متابعته للنص الإسلامي الحزبي المعاصر، هو الدمج التوظيفي عند غالبية كتّاب"الإسلام الحزبي المعاصر". ويحاول رضوان السيد تفكيك هذا الدمج لا ببيان اختلاف السياق التاريخي فحسب، على ما يظهر جيداً في تناوله ظروف ابن تيمية التاريخية، بل أيضاً بإضافة ثلاثة أمور:
- طرائق توظيف النصوص الفقهية والعقدية القديمة لدى نضاليي الإسلام السياسي المعاصر.
- مآلات وآثار تلك الأيديولوجيات على الداخل الاجتماعي وعلى الإسلام التقليدي ص188-189.
فالطرائق أو النهج عند هؤلاء الإسلاميين الجدد، انتقائي، تبريري، يقفز من مرحلة إلى مرحلة ومن نص إلى نص.
والطبيعة الأيديولوجية"خلاصية"تبحث عن الموت"تكفيراً وتوبة"، لكنها تعود فتنخرط في السياسي بفعل ضغط السلطات وشعبوية الحركات والدخول في حلبة الصراع على السلطة.
ومآل هذه الأيديولوجية التنافر مع رحابة"التقليدية الإسلامية المتعارف عليها"، بمعنى أن المسلمين الجديين يخشون على الإسلام نفسه من هذه الحركات"نتيجة اعتبار مسألة السلطة السياسية المسألة الأساس في الإسلام"ص191.
يتابع رضوان السيد بنفس طويل، تاريخاً تفسيرياً لإعلام من الكتّاب الإسلاميين، سيد قطب، يوسف القرضاوي وآخرين، ولإشكال في الممارسات والتوجهات لدى الحركات الإسلامية. وهو إذ يقدّم فرضيات جدية للتفسير، يتهيّب ويتألم. يلاحظ أن"الانقسامات والصراعات التي خلّفت عشرات ألوف الضحايا ومئات ألوف المسجونين والمعذبين"فيهمس متردداً"ربما كانت الضريبة الثقيلة التي كان على مجتمعاتنا أن تدفعها لإعادة تشكيل علاقتنا بأسلافنا وموروثاتنا الثقافية والحضارية". غير أنه يستدرك:"على أني لا أحسب أن في هذه التأملية السهلة نسبياً عزاءً من أي نوع كان. ذلك أن ما جري ويجري يكاد يستعصي على الإدراك والإستيعاب أو التعقّل"ص 204. وكان السيد قد تذكّر قبل هذه السطور"خاطرة"ذات دلالة على أن الثقافة والسياسة تسير في مجالها العربي باتجاه معاكس لطبائع الأمور والأفكار:
-"ففي المجال الثقافي محمد عبده أقل ثقافة وانفتاحاً من جمال الدين الأفغاني، استاذه، ومحمد رشيد رضا أقل انفتاحاً من استاذه محمد عبده، وحسن البنا أقل ثقافة وانفتاحاً من رائده رشيد رضا، وسيد قطب أقل انفتاحاً من رائده حسن البنا ، وعمر عبد الرحمن أقل ثقافة وانفتاحاً من سيد... - وما كان ذلك كله في فراغ"، هل ثمة تقهقر في التاريخ؟
يستعيد رضوان السيد"الأجواء الليبرالية المنفتحة في مطالع القرن، كسبب أساسي ثقافي وسياسي في تكوين محمد عبده وانفتاحه المعروف وتفسيره الاجتهادي المتجدد للقرآن"ص201.
هذه الملاحظة حول"الليبرالية"أتفِقُ معها تماماً، وكنت قد حاولت أن أوسّع إطارها التاريخي وأبعادها السياسية والثقافية في متابعتي لما أسميته"أزمنة"وأزمة مشروع النهوض العربي"حيث لاحظت غياب التراكم وغياب التواصل بين حلقات المشروع أو المشاريع، وخطاباتها، بدءاً من زمن التوفيق بين الليبرالية والإصلاحية الإسلامية وحتى زمن الحزبية الإسلامية المتأخرة.
يتساءل رضوان السيد بحق، وقد استعرض بيئات الإسلاميين المخضرمين والجدد، وهي بيئات تتسم"بالبؤس الثقافي"، والإستبداد السياسي ومنع التعدّد:
"أين هو النموذج التربوي والثقافي النهضوي المنفتح الذي يمكن أن يستند إليه هؤلاء في قراءتهم للنصوص الدينية؟ كيف ينتقد الشيخ القرضاوي الديموقراطية وهو لا يعرفها؟ ولماذا يلجأ الشيخ عمر عبد الرحمن للعمل العلني والدعوي والتعددية الحزبية، وهو لم يعرف غير السجن والتوجس"؟
لذا يبقى"التعقّل"لهذه الظواهر أو"الإدراك"الصعب الذي يبحث عنه رضوان السيد، مسألة نسبية، يصيب منها بنصيب. ولكنه ولمعرفته الواسعة بالتراث الإسلامي وتعقيداته ولا سيما في جانب الثقافة السياسية منه، ولمعايشته حاضراً متحركاً لا يمكن التقاطه في صورة ثابتة، أي في حقل درس جامد، يظل متهيّباً ينظر ويعيد النظر، ويقلب الأمور على كل وجوهها. بل ان القارئ قد يلاحظ تردداً لديه في اتخاذ أحكام وآراء، وعلى عكس ما نلاحظه لدى الجابري أو ناصيف نصار أو أي من"المفكرين"الذين يبحثون عن"جسر""عقلاني"أو"قومي"? أو"ثوري"أو"مادي"أو"إسلامي"يعبرون عليه من"التراث"إلى"الحداثة". ومع هذا التردد العلمي قد يلاحظ القارئ أيضاً بعضاً من التكرار وليس الترداد. ليس سبب ذلك أن فصول الكتاب كانت مقالات ومباحث مستقلة فحسب، بل لأن التكرار - وكما يبدو، وبسبب عبء يحمله الباحث العارف، هو محاولة دؤوبة لطرق الباب من جديد، عسى أن تنفتح آفاق جديدة لإشكالات عويصة تنطرح اليوم بحدة.
غير أن رضوان السيد لا يسمح لنفسه بأن يبقى اسير هذه المعادلة بين رأي الفقهاء ورأي الصوفية فيعود ليدعو للتأمل في حالة الانفكاك التي حصلت فعلاً بين العقيدة والأشكال الاقتصادية وللبحث عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية في التاريخ العالمي، لأن المحيط التاريخي الخاص والعام هو الذي"تتفتح فيه إمكانيات النص ومسائل الاعتقاد وقضاياه الكبرى". ومرة أخرى ينبغي العودة، في رأيي إلى نقاش مسألة العقيدة في تجلياتها الأخلاقية والمسلكية، لنرى مدى تأثيرها في الفئات الاجتماعية نفسها. فالكفاية المرادفة للزهدية عند فيبر، يمكن أن تؤدي إلى التراكم والاستثمار إذا اقترنت بشروط زمنية، لأنها تكبح الإسراف وتبديد الثروة. لكن الثروة المحصلة كانت غير"الربح"الذي يعاد توظيف جزء منه لتجديد الإنتاج وتحسين شروطه. وهذه إشكالية تتطلّب مزيداً من النقاش والبحث. ربما كانت المشكلة في التاريخ الإقتصادي العربي في رأيي أن ايديولوجية"الكفاية"لم تكن هي المهيمنة على عقلية الحكام"والطبقة السائدة"، أهل الدولة. ذلك أن الثراء الكبير المتأتي منذ البدايات من الغانم، والذي تراكم في يد العديد من الصحابة، وجد تبريره أيضاً على مستوى العقيدة والإيمان والموقف الفقهي. نقرأ ذلك في نص ابن خلدون الذي اقتبسه عن المسعودي والذي يتحدث فيه عن الثراء العظيم لدى الصحابة. ولقد وجدت لدى ابن خلدون"الفقيه"وبعد استعراضه للضياع والأموال والدور لدى عثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت التبرير التالي:"وإذا كان حالهم قصداً ونفقاتهم في سبل الحق ومذاهبه، كان ذلك الاستكثار عوناً لهم على طرق الحق واكتساب الدار الآخرة". راجع كتابنا: مشروع النهوض العربي، ص131.
فإذا كان الثراء الأول غير ناتج في قسم كبير منه عن التراكم، فإن الإنفاق أيضاً توجه في قسم كبير منه نحو الاستهلاك من قبل أهل الدولة. فإذا أضفنا لهذه الصورة العلاقة الحميمة اللاحقة المتكونة بين أهل الدولة والسوق، لدرجة سمحت لابن خلدون أن يقول"ان الدولة هي السوق الأعظم"للتعبير عن أهمية الدولة وحجمها في اقتصاد - السوق، برزت أمامنا أسئلة أكثر تعقيداً من افتراض ما يمكن أن تنتجه أيديولوجية الفقر الصوفية أو أيديولوجية الكفاية الفقهية. انها أسئلة تمتد إلى حيّز امكانات الدولة، كسلطة غالبة ومتغلبة وقادرة أن تخلق"اقتصادها"أي تجارتها وسوقها وأن تنتج أيضاً"فقهاء"أي أخلاقيتها المبررة لسلوكها وبمعزل عن آراء الصوفية في الحياة - الدنيا، وهؤلاء يدينون - كطرف - لأخلاق الدولة والتجار في أوقافهم وبمعزل عن آراء الفقهاء في الكفاية"وهؤلاء استقروا - وحتى أوائل العهد العثماني - في علاقة إشكالية مع السلاطين. بل ان مجال التباس العلاقة بين الفقيه والسلطان، ظلّ حاملاً احتمالات التبرير بناءً على"حسن النية وقصد الحق". وإن أخطأ صاحبه، أو بناءً على وظيفة"الحيل الفقهية"الكثيرة في التاريخ الإسلامي المتأخّر.
هل نعود إلى فرضية أن النهوض الاقتصادي العام يحتاج إلى مبادرات فردية وجماعية، وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى وطأة الدولة وثقلها بل على العكس إلى مرونتها وخفة ظلها، أرجّح أن دعوة الصوفية والفقهاء، إلى الفقر أو الكفاية، ظلّت خارج إطار المسلكيات الاقتصادية وبلا تأثير يذكر لدى جامعي الثروات التجار الكبار الذين بحثوا أيضاً عبر مواقع الدولة السلطة عن مزيد من الثراء والانفاق على"الاستهلاك"تأكيداً"للجاه"الذي يتقاطع عنده المال والسلطان، فيغذيان بعضهما بعضاً ابن خلدون.
صحيح أن أفكار الصوفية أضحت في ما بعد أيديولوجية"أصناف الحرف"في حارات المدن الإسلامية وأسواقها عبر انتظامها في الطرق. لكن ذاك الانتظام على ما أرجّح، كان انتظاماً في نمط حياة من"الكفاية"المنضبط بدوره بطقوس عبادية وتقنية وبأخلاقيات تتعلّق بالإداء والتسعير والمبيع المتبادل. وكل هذا كان يتم في إطار"مجتمع أهلي"يجترح لنفسه أولويات دفاعية من سماتها: الصبر والزهد والانصراف عن حياة السلاطين والملوك والأمراء والأثرياء الكبار. وأرجّح أن المثل الحرفي الذي شاع"لقمة كسب حلال"والمثل الفلاحي الذي تردد"فلاح مكفي سلطان مخفي"يعبران عن ذاك"النمط من الحياة".
فهل أدى ذلك إلى تكوين دورتين اقتصاديتين متداخلتين من دون أن يؤديا إلى تراكم وتطوير لشروط الإنتاج الزراعي والحرفي؟ ذلك أن الدورة الأولى قامت على ثراء تأتى من التجارة البعيدة وعلى استهلاك رفاه، أما الدورة الثانية فقامت على تبادل صغير ومحدود في إطار المدينة أو القرية أو الحي. لذا فلا الأولى أدت إلى تراكم انتاجي بسبب طابعها الاستهلاكي الغالب، ولا الثانية أدّت إلى تراكم تطويري بسبب طابعها"المحلي الكفائي"وتجدر الإشارة إلى أنه كان لكل من هذين الجسمين الاجتماعيين أيديولوجيات فقهية وأخلاقية مبررة لأنماطها تتعايش إلاّ في فترات ما سمي ثورات أو"حركات العامة"وهي اضطرابات اجتماعية ودورية لم تسفر عن شيء.
ذهبت في هذا الاستطراد لأطرح أسئلة وفرضيات نقدية، تتشابك مع فرضية رضوان السيد حول"ايديولوجية الكفاية والعوز"وتجاوزها وتحاورها في منهج يدعو لمزيد من التأمل، ولكن قبل ذلك لمزيد من الحفر والاستيعاب في المعطيات الاقتصادية - الاجتماعية الثقافية في التاريخ الإسلامي.
وهذا يعني أن تأكيد رضوان السيد على الانتماء لجيل"التاريخ المفهومي"لا يلغي أبداً - كما افترض - تداخل الحقول التي كانت موضوعات اهتمام المؤرخين السابقين. بل ان ممارسة التاريخ المفهومي ما زالت تتطلّب الاستزادة والتعمّق في التواريخ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهذه الأخيرة لم تستكمل على يد الدوري أو صالح العلي أو تلامذتهما أو على يد المستشرقين. إنّ التاريخ المفهومي لا يمكن فصله عن معطيات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وإن كان ثمة ما يبرر الحديث عن جيل رابع لمؤرخين عرب يحملون عبء التاريخ المفهومي، فإن هذا الأخير هو جزء من التاريخ الكلي، وبالمعنى الذي استخدمه مارسيل موسMouss بتعبير"الإنسان الكلي"وهو المعنى الذي تبنته مدرسة الحوليات لاحقاً.
* مؤرخ وأستاذ جامعي لبناني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.