المسافة الفاصلة بين هزيمة حزيران يونيو 1967 والأداء العربي الرائع في تشرين الأول أكتوبر 1973، شهدت إعادة تكوين عدد كبير من مفردات الحقيقة الفلسطينية السياسية وغير السياسية التي غابت جراء نكبة 1948. يقال،عن حق، بأن تداعيات هزيمة 1967 أدت في ما تمخض عنها إلى توسيع هوامش الفعل للحركة الوطنية الفلسطينية. وبجهد مرير عززته حسابات عرب ما بعد هزيمة حزيران البغيضة، تمكنت القوى الفلسطينية المنضوية في منظمة التحرير وصيغتها الجبهوية من طرح قضيتها بحيثيتها الحقيقية: قضية وطن مغتصب وشعب يخضع لاحتلال استيطاني ويستحق التحرر والاستقلال، شأنه في ذلك شأن شعوب عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وتصفية ميراث العقود الاستعمارية ولاسيما في رحاب"الشرق الأوسط". أدبيات الصراع الصهيوني العربي غالباً ما تلحظ هذه التعميمات، غير أن ما يستحق عناية أكثر عند التدقيق في التفصيلات أن التجليات الواضحة لهذه الإطلالة الفلسطينية السياسية في البيئتين الإقليمية الشرق أوسطية والدولية العالمية لم تتبلور في شكل يخرق الأعين سوى بعد حرب تشرين الأول. في معرض الدلالة على هذا التصور، لنا أن نستذكر الاعتراف العربي القاطع بمنظمة التحرير كممثل شرعي"وحيد"للشعب الفلسطيني وإلحاق فلسطين عضواً مراقباً في الأممالمتحدة، والحديث الأوروبي عن الحقوق السياسية للفلسطينيين ثم إشراك فلسطين في الحوار العربي الأوروبي، وانفتاح عواصم كثيرة على الديبلوماسية الفلسطينية كي تمارس أدواراً كالتي تضطلع بها حكومات الدول المستقلة أو التي على طريق الاستقلال. مثل هذه الحقائق، التي خلاصتها الاقتراب من الأبعاد السياسية للقضية الفلسطينية، تلت حرب تشرين الأول. كانت تلك الحرب، بسبب أصدائها العسكرية والاقتصادية والسياسية العالمية، حدثاً فارقاً... حدثاً أثيرت على ضفافه أسئلة ومحاولات استطلاع ورغبة في المعرفة التاريخية والسياسية المعمقة لسيرة الصراع الصهيوني - العربي. الأمر الذي أوصل المتسائلين إلى جوهر هذا الصراع وأسبابه وجذوره الأولى. وهذا ما حمل المعنيين أو بعضهم على ملامسة فلسطين، تاريخاً وأرضاً وشعباً وقضية في شكل غير مسبوق منذ النكبة. كان الفعل الكفاحي الفلسطيني السابق على تلك الحرب، متعدد المناحي، وهو أنجز الكثير. بمعنى أن الحرب ليست في ذاتها العامل المسؤول عن إعادة البلورة والتكوين الذاتي ومن ثم الاعتراف الخارجي بالحقيقة السياسية الفلسطينية، ولكن يصح الاعتقاد بأنها شكلت رافعة قوية لتقعيد هذه الحقيقة والإعلان عنها. يحق القول إن حرب تشرين الأول، ومن قبل أن تحل سنويتها الأولى، تركت آثاراً ملموسة في السياسة الفلسطينية. وبمرور الوقت وتواتر المستجدات والمعطيات، اقتربت هذه السياسة أكثر فأكثر من المسار العربي العام للتسوية، الذي راوح حول تحرير الأرض المحتلة عام1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود الضفة وقطاع غزة والقدس الشريف. ولأن هذا الهدف كان وما زال متسقاً مع ما ارتضته الشرعية الدولية الفلسطينية، ممثلة في قرارات الأممالمتحدة ذات الصلة خصوصاً بعد حزيران 1967، فقد استحوذت السياسة الفلسطينية مزيداً من الاستقطاب الدولي. ولا يجدر بمن أراد تبصر توابع حرب تشرين الأول فلسطينياً تجاوز انعكاساتها على الجانب الصهيوني. هنا لا يبالغ من يتصور أن هذا المشروع لم يبرأ إلى ساعتنا من هذه الانعكاسات، ففي غمرة الإنجازات المذهلة للعسكريتين المصرية والسورية التي أفصحت عن ذاتها ميدانياً في خريف 1973، زالت الطبقة السميكة من هالة القوة الأسطورية التي لازمت الخطاب الصهيوني الإسرائيلي منذ 1948. واليوم وعلى رغم توالي الأحداث لثلاثة عقود ونصف نجد أصداء ذلك الخريف محفورة في ذاكرة الإسرائيليين الجمعية، بحيث فشلت الآلة السياسية الدعائية والنفسية الصهيونية في تغييبها كلياً. ونتأكد من هذه القناعة حين نلحظ أن يوميات معارك 1973عرفت للمرة الأولى التساؤل الإسرائيلي الذي ما انفك يتردد إلى اليوم عن مدى قابلية الدولة الإسرائيلية للأفول والزوال. وعموماً يستطيع المتابع أن يرصد عدم تحقيق هذه الدولة انتصارات عسكرية بائنة في معاركها العدوانية اللاحقة، وكثرة تداول فكرة الوجود والعدم لدى قطاعات إسرائيلية ذات شأن. ولا بد من أن المقابل الفلسطيني لهذا المشهد هو الإيمان أكثر بديمومة الانبعاث والوجود. نود القول إن الانتكاس بالحال الفلسطينية إلى مربعات شؤون اللاجئين والغياب الكلي من المشهد الدولي هو أمر ما عاد يراود أحداً بسهولة أو بصعوبة. هناك إجماع على قيام الدولة الفلسطينية كحقيقة سياسية وجغرافية، وما عدا ذلك يندرج في حيز التفصيلات والميلاد العسير. حرب تشرين الأول دشنت عملية طي إسرائيل الكبرى ووطدت دعائم انبعاث فلسطين مجدداً... كبار القوم في إسرائيل ذاتها وآخرهم ايهود أولمرت يتحدثون عن ذلك ويعترفون به، وإن بألوان خطابية سياسية وأيديولوجية متباينة رب مجادل هنا بأن متوالية الضمور والانكماش الإسرائيلي إلى درجة التواضع في مطامع التمدد على فلسطين التاريخية تعود للفعل النضالي الفلسطيني حصرياً، وان حرب تشرين الأول بمجرياتها وتوابعها باتت جزءاً من التاريخ القابل للتقادم والهجران. هؤلاء المجادلون مطالبون بالإجابة عن السؤال: وماذا لو لم تكن تلك الحرب... أكان للفعل الفلسطيني أن ينتعش أكثر ويتعزز بالثقة بمعزل عن الزلزلة المتعددة الأصداء التي تعرض لها المشروع الصهيوني وكيانه السياسي؟ مع ذلك يتعين الاعتراف بأن التحولات التي انتابت الحالتين العربية والفلسطينية منذ 1973 تكاد تجعل من أحداث خريف ذلك العام، لجهات التضامن وتوزيع الأدوار والقدرة على المبادرة العسكرية والسياسية والاقتصادية، أمراً مستحيل التكرار. ولأن الخبرة تقول بأن النضال الفلسطيني لا يملك وحده فرض رؤاه في مجرى الصراع فإن استظلال الطرف الفلسطيني بالطرح العربي يبدو خياراً وطنيا معقولاً. * كاتب فلسطيني