فيما نستعيد ذكرى رحيل الشاعر بدر شاكر السياب يطالعنا صديقه الروائي العراقي مهدي عيسى الصقر، نهاية العام 2005، أي قبل عام واحد من وفاته، بروايته"المقامة البصرية العصرية"الصادرة عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عن سوء الطالع الذي رافق الشاعر منذ صغره وهو بعد في القرية جيكور مفرداً فصلاً خاصاً بمصائر ستة من الأدباء البصريين - كاتبَين وأربعة شعراء - بينهم القاص محمود عبدالوهاب والشاعر محمود البريكان والشاعر سعدي يوسف فضلاً عن الروائي الصقر نفسه. يقول عن السياب:"كنا لا نزال شباباً، نريد أن نتسلى، بحيث كان السياب يبحث عن التسلية دائماً، فإذا به قد أشار إلى عرّافة غجرية أن تدنو من مائدتنا، فجاءت، كانت تحمل بيدها صرة وضعتها على البلاط، وفتحتها، كان فيها مقدار صاع أو صاعين من الرمل، تتخلله حبات من الحصى بألوان وأشكال مختلفة . فرشت المرأة الرمل على خرقة القماش، والتقطت منه حبات الحصى، وضعتها جانباً، ثم بسطت الرمل وساوته براحة يدها وجمعت الحصى بين يديها... بعد أن أكملت طقوسها، رفعت رأسها إلينا قالت: بأي واحد منكم تريدونني أن ابدأ؟ قلنا لبدر: دعها تبدأ بك فأنت صاحب الفكرة، قالت له: أعطني حقي، فقال بدر لها بعدين، قالت: لا والله هذا ما يصير، انتم أبناء الحضر لا أمان لكم تسمعون كلامي ولا تعطوني مرامي، قلنا: أعطها وخلصنا". ويستدرك الصقر:"كان بدر يمسك نفسه عن الضحك، وينتظر، رأيناها تهزّ رأسها وهي مطرقة، قال لها بدر في نفاد صبر: هيا قولي ما عندك يا امرأة. رفعت العجوز رأسها ونظرت إلى وجهه، كانت ملامحها مكفهرة، قالت: لا تزعل مني يا ولدي إن تكلمت، أحجارك ما هي زينة. سألها قلقاً: ماذا تقصدين؟ قالت بنبرة مأسوية: أراك يا ولدي تموت صغيراً في أرض غريبة، فتلاشت الابتسامة من على وجه بدر، وزايلنا الإحساس بالمرح، قال بدر: أريد أن اعرف المزيد قالت: أشهد الله، أنا لا أقول هذا الكلام، الأحجار هي التي تقول، شوف هذا الحجر لونه أصفر، وهو صغير، وساقط في مكان بعيد عن باقي الأحجار، يا أولادي الصفار علامة الموت، وصغر الحجر صغر في العمر، والابتعاد علامة الغربة... "حاول بدر أن يستخف بما سمع منها، وروى لنا طرفة من طرفه المسلية، لكن أحداً منا لم يضحك، قالت: أراك تحت نجم آخر، وصدقت نبوءتها مع الكاتب محمود عبدالوهاب حين أخبرته: ستعيش حياتك بلا رفيقة درب، ومع سعدي يوسف حين قالت له: سوف تتزوج من تحب، ويأتيك رزق لم يخطر ببالك، ولكن يا ولدي سوف تتقاذفك البلاد الغريبة، ويشتت شمل اهلك. وكذلك صدقت نبوءتها مع الشاعر محمود البريكان، حيث وعدته بمصير فاجع، قائلة: يا ولدي أرى في أحجاري غادراً اعتدت أن تفتح له باب بيتك، يمزقك بلا رحمة، وأنت بلا معين". القرية المهجورة وإذا كانت العرافة قد توقعت للسياب مصيره هذا، ورحل عن عالمنا إلى الأبد، فقد ظلت قريته جيكور بائسة قائمة بين الحياة والموت. وإذا كانت الكلمة جوي كوير التي تعني بالفارسية كما يقول المؤرخون - مكان الأعمى- حيث كانت البصرة قصبة تابعة للتاج الكسروي قبل دخول خيول العرب المدينة في العام الرابع عشر للهجرة، فهي تصدق اليوم عليها أكثر من أي وقت آخر، منذ تأسيس مدينة أبي الخصيب على يد قائد الخليفة العباسي المنصور مرزوق أبي الخصيب عام 142 هجرياً، وذلك بسبب الإهمال الذي تعانيه بساتينها، وعبث عرب الاهوار، بضفاف أنهارها، ومن ثم بسبب موت نخيلها الذي كان يقول عنه شاعرها الكبير بدر شاكر السياب :"كانت تعير النهر حمرتها... فيضيء فيه الموج كالشُعَلِ". هذه القرية الصغيرة المودعة على ضفة شط العرب منذ مئات السنين والتي دخلت تاريخ الشعر العربي عبر قصائد كثيرة للشاعر السياب، وزارها مئات الأدباء والمثقفين العرب، وقرئت من على أديمها الخضل عشرات القصائد، هي اليوم واحدة من أكثر قصبات وقرى العراق إهمالاً، فقد اندثر، أو كاد، نهرها العظيم بويب، وغطت الحَلفاء والقصب والأشنات ضفتيه اللتين طالما تغنى بهما الشاعر، وصار الوصول إليها مشكلة حقيقية بسبب استيلاء عرب الأهوار عنوة على عديد بساتين النخيل فيها بعد أن هجرها أهلوها بسبب العنف الطائفي أو الاحتقان السياسي، وباتت مرتعاً لأبقارهم وجواميسهم التي يراها قاصد القرية تجوب أنهارها، وتسرح وتمرح دونما وجل من أحد أو رادع من دولة. ولا يجد أعضاء المجلس البلدي المنتخب في أبي الخصيب بين أيديهم حيلة تساعدهم لحماية إرث الشاعر المكاني، فقد بيع"منزل الاقنان"وهدمه مشتروه، وهو اليوم فسحة من الأرض خالية، وأتت المعاول على السدرة الشعثاء التي كانت تصعدها الريح، كما لم يعد قائماً سلمها المحطم، فقد نزلت الريح منه، وهمدت، ولولا عناية منظمة إنسانية لا علاقة لها بالشعر تدعى منظمة إنقاذ الطفولة دخلت العراق بعد سقوط النظام السابق وقامت ببناء جسر على نهر الشاعر بويب... لولاها لظل العبور على النهر مستحيلاً، وما زالت يافطة الإنشاء تشير إليه حتى اليوم بعد أن غادرت المنظمة البصرة هرباً من ملاحقة المليشيات لها. ويجمع سكان قرية جيكور على أن النحس والنكد رافقا أهلها جميعاً منذ أن كتب السياب قصائده عن قريتهم، إذ لم يبق منهم إلا القلة القليلة، هم الذين لم يجدوا حيلة في مغادرتها. فشط العرب الذي كان مصدر رزق كبير لهم لم يعد كذلك، والسمك الذي كانوا يصطادونه بالشباك صار المعدان يصطادونه بالقنابل والرمانات اليدوية والسموم، والبواخر التي تلقي بالخشب والصناديق الفارغة وبقايا الفاكهة لم تعد تدخل ميناء المعقل بسبب تعطله عن العمل، والأرض التي كانت حقلاً وبستاناً من التمر والعنب والرمان صارت بوراً بعد، انحسار مياه المدّ عنها بسبب الترسبات والطمي الذي يحدثه نهرا دجلة والفرات سنوياً بعد تعطل الحفارات الحكومية وبيعها على يد إدارة الميناء كحديد خردة. وماذا بعد؟ اليوم، وقد مرت أكثر من سنتين على وفاة الكاتب والروائي مهدي عيسى الصقر، سألت الكاتب الحي، وأحد الستة المعنيين بالنبوءة محمود عبدالوهاب - الذي ما زال يعيش فرداً في شقته بضاحية الجزائر من البصرة - عما إذا كان ذلك قد حدث فعلاً، فقال:"نعم كنا نمزح آنذاك، لكن كل ما قالته العرافة وقع". ثم أخذ طريقه وحيداً باتجاه المقهى، مقهى البدر، على شط العرب، الذي افترشت العرافة صرتها على أرضه. الخيمة ذكَّرتني زيارة البحر الميت بخيمة الجماهيرية الليبية العظمى التي أمرَ بنَصبها في حديقة أوتيل مارينيي في باريس، حيث يقيم ضيوف فرنسا، مُرشدُ الجماهيرية الليبية وقائد ثورتها. إن كانت هذه الخيمة توكيداً على التمسّك بتقليدٍ عريق، فمن حقّ هذا التقليد أن يسأل القائد المرشد: لماذا لا تنصب هذه الخيمة في كل بلدة وكل قرية في ليبيا، لكي يُصغي القائد المرشد الى شعبه ? في ما يقلقه، وفي ما يطمئنه؟ ومن حق هذا التقليد أن يسأل أيضاً: لماذا لا تُنصَبُ هذه الخيمة للفقراء والأميين العرب والعاطلين عن العمل، والمضطهدين، المنبوذين، المهمشين؟ ومن حق هذا التقليد أيضاً أن يسأل: لماذا إذاً لا يسافر القائد الرشيد بالطرق التي كان يسافر بها أصحاب هذا التقليد، احتراماً لهم وتيمناً بهم ? في قافلة من الجِمال، أو من السفن؟ ولماذا إذاً هذا الحشد المرافق الهائل: مئتان، أو ثلاثمئة، أو اربعمئة شخص، وأربع أو خمس طائرات خاصة لكي تحملهم وتنقل أمتعتهم؟ لماذا إذاً لا يستقبل أعضاء الجمعية التشريعية الفرنسية في هذه الخيمة، بدلاً من الذهاب إليهم؟ ولماذا يذهب الى فندق ريتز لمقابلة شخصيات ثقافية، وشخصيات نسائية بارزة؟ أليست الخيمة أَولى بهؤلاء من هذا الفندق؟ مسكينةٌ هذه الخيمة، وما أشقى ذلك الرَّمْزَ الذي يُسنَد إليها. بلى، أسمع الخيمة نفسها تَغضبُ وتحتجُ، بلى، ألمح الخيمة نفسها تبكي.