لعل المفارقة الأولى هي فقر صور الحرب، وتقصيرها عن الإحاطة بموضوعها. فالحرب ليست المعارك، وعنف التقاء الجيوش واصطدامها بعضها ببعض، وتطاير الجرحى والأجساد الممزقة وأنين النزع الطويل، وحدها، بل ما يدعى، اليوم، بلغة خفرة"الأضرار الجانبية". وهي تتطاول الى المدنيين، والى الجند والمقاتلين في أوقات الانتظار المرهقة والمدمرة. ويحمل المعاصرون الحروب على صور مختصرة،"معبرة"ورمزية. وهذه الصور أشبه بالأيقونات التي تصب في ألعاب الفيديو العسكرية. وتختصر في معالم رتيبة: الهجوم، والجريح، وصورة القائد. وبعض الصور، مثل تحركات القوات، وأنواع العتاد والأسلحة، والقصف على شاكلة الألعاب النارية، مكررة ورتيبة وقليلة المادة. وغالباً ما تحتاج الى البيان العسكري. وهذا يجعلها عنصراً من عناصر الدعاوة والدعاية النازعة الى"غسل الدماغ". ومنذ الحرب الأهلية الأميركية حرب الانفصال، في 1856 تصدرت آلام المدنيين وأوجاعهم، ومشاهدهم، التصوير الفوتوغرافي الحربي. وأولى مصورو الحرب الأهلية الإسبانية 1936 - 1939 الأطفال والنساء تحت القنابل، المكانة الأولى. وفي ختام الحرب الثانية 1945 ذاعت في العالم كله صور المقابر الجماعية وتلال الهياكل العظمية وركامها. ولازمت حرب الإعلام العالمية، وصورها الفوتوغرافية والسينمائية والتلفزيونية، الحروب المتفرقة والمنتشرة في أرجاء الأرض. فلا تقتصر الحرب هذه على تعبئة الشعب وراء قواته المسلحة الوطنية، وأبنائه المقاتلين على الجبهات، ولا على مديح الحرب المشروعة. وينبغي، اليوم، إقناع شعوب بعيدة من مسرح العمليات وميدان الاشتباكات، بالحرب، والتوسل بالإعلام الى الإقناع هذا. ويوكل الى صور الموت والآلام رعاية خطابة تترتب عليها ردود وانفعالات مباشرة وتلقائية تجيَّش في خدمة"القضية". وصور الجرحى والقتلى المدنيين سلاح ماضٍ من أسلحة الخطابة البصرية أو المرئية هذه ولكن صور البراءة المنتهكة تقبل الانقلاب الى نقيض دلالتها، والمرجو منها. فهي قرينة على البراءة والانتهاك، من وجه. وهي، من وجه آخر، قرينة على هشاشة المعسكر الذي يتوسل بها الى اقناع المشاهدين بعدالة قضيته، وتصيب"معنويات"أهل القضية بالضعف. وربما غلبت كفة فائدتها وعائدها كفة الخسارة المترتبة عليها. فالتعليق الدعاوي عليها يتوسل بها الى إثبات انتهاك العدو القوانين والأعراف المرعية، وحمله على البربرية والمروق، ونسبته الى الشر المطلق نظير الخير والعدالة. والحق أن الصور، أي التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، تقصر تقصيراً جلياً عن الإحاطة بالحرب وكثرة بؤرها ومحاورها. فهل الحرب هي القصف؟ أم هي الالتحام؟ أم الإعداد الذي سبق انفجاره؟ أم معنويات المقاتلين؟ أم تقدم الدروع والدبابات؟ لا شك في أن الحرب هي هذه الوجوه كلها. وعليه، فالصورة الجامعة للحرب، وعن الحرب، مستحيلة وممتنعة. والحرب إنما هي مشاهد متفرقة، يرد بعضها الى بعض، ويرى ويفهم بعضها في ضوء بعضها الآخر. والتسمية بالحرب في بعض الأحيان، شأن تسمية الرئيس الأميركي الهجوم على مركز التجارة العالمي بنيويورك"حرباً"، مشكلة وغير مقنعة. فالحادثة الفاجعة أشبه بصور أشرطة الخيال العلمي، إبان الحرب الباردة، منها بصور الدمار الناجم عن القصف بالمدفعية. وصور الفصول الأولى من حرب أفغانستان، في 2001، يوم كانت"الجزيرة"وحدها وكيلة التصوير المباشر، نزعت الى تغليب"الانترنت"، وعناوينه وأشرطته المكتوبة وترجماته ورسومه اللوغو، على شاشة التلفزة. فحل التوليف ولغوه محل الصور الخفية والمستترة. فما هي قيمة الإعلام المصور، والحال هذه؟ وهل يتخطى إعلامه تعظيم الكلام الدعاوي، والمبالغة في دعاوي الكلام ومزاعمه؟ وهل ثمنه ضرورة للصور، إذا اقتصر أمرها على وظيفة المرافعة والاحتجاج؟ فإذا صح أن الحرب وقت جغرافي سياسي جيوسياسي، يجمع الديبلوماسية والمنازلة وأفعال السكان المدنيين، والتكتيك في المعركة والاستراتيجية الغايات السياسية، بعضها الى بعض، وجب الإقلاع عن اختصار النزاع في صورة واحدة مانعة وجامعة، تفرق العدالة من العدوان الظالم. فلا مناص من تناول وقت الحرب من وجوهه المتناقضة والذاتية، ومن قبول حدود الدلالة والمعنى التي تزعمها الصور لنفسها. ويقتضي هذا النظر الى الصور وفهمها في ضوء مفاتيحها: من المصور؟ كيف صور؟ لماذا اختار هذه الصور؟ ما ظروف التصوير وملابساته؟ والأجوبة هي مدخل الواحد الى ما يرى، وبابه اليه. وينبغي أن ترمي وسائل إعلام البلدان الديموقراطية الى هذه الغاية، على رغم أن الحرب تغلب الدعاوة والدعاية، وتحيل المشاهد داعية منحازاً. عن لوران جيرفيرو رئيس معهد الصور، "فانتييم سييكل" الفرنسية، صيف 2006