من أجل إقناعنا بعقلانيتهم وسلامة تفكيرهم ونزاهة معالجتهم للقضايا والهموم، يفتتح بعض المعنيين العرب بالشؤون العربية الداخلية والخارجية اطروحاتهم، بما يفيد بأنهم لا يؤمنون بنظرية المؤامرة. ولا يكتفي قسم من هؤلاء بهذه الإفادة الاستهلالية بين يدي مداخلاتهم الشفاهية أو المكتوبة، وإنما يمعنون في تسفيه أصحاب هذه النظرية وإدانتهم بقلة العقل والغوغائية والبعد من الاستقامة التحليلية وتضليل الرأي العام. وعلى رغم تواتر هذا الأسلوب وشيوعه في خطاب السادة العقلانيين، الناجين بزعمهم من أحابيل الفكر التآمري وسلطانه، فإننا لم نعثر بينهم على من تطوع للتأصيل النظري العملي الرصين لفلسفة هذا الفكر، مفهومه ومعناه وخصائصه ومفرداته وحدود طاقته أو صلاحيته لتفسير الظواهر، لا سيما في حقل التفاعلات الدولية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. والأهم أننا لا نعثر في خطاب هؤلاء على تمييز واضح القسمات بين ما ينتمي عندهم إلى عقلية أو نظرية المؤامرة، وما يعد منهجياً مجرد خلل أو انحراف في تحليل الأحداث وتفسير الظواهر، ولا تصح نسبته إلى هذه النظرية. مثلاً، هم يعزون إلى العقلية التآمرية، الضحلة في تقديرهم، أقوالاً وأحكاماً من قبيل أن العرب مسؤولون عن هدم البرجين الشهيرين في نيويورك عام 2001، وأن الزعيم ياسر عرفات مات مسموماً بفعل فاعل، وأن المرحوم رفيق الحريري قُتل بتخطيط إسرائيلي، وأن صدام حسين لم يقبض عليه في حفرة وإنما هو ذاهب إلى صلاة الفجر في أحد مساجد بغداد... هذا مع أن أحكاماً ومقاربات كهذه ربما لا تعدو كونها اجتهادات في تحري الوقائع ومحاولة لتفهمها عبر أدوات للتحليل تنطلق من مدارسة معينة، قد تصيب وقد تخطئ، للمعلومات والمقدمات والنتائج. وقد نذهب مطمئنين إلى أن نقاد"التآمرية"وشارحيها من ذوي العقول الراجحة، لا يملكون براهين قوية تدحض تماماً مسار بعض الأحكام المذكورة هنا على سبيل النمذجة، إذ كيف تأكد لهم أن عرفات لم يمت مسموماً؟ أو أن إسرائيل ليست ضالعة في قتل الحريري؟ أو أن صدام حسين ضُبط فعلاً في حفرة؟. وهكذا فإنه بمنطق المخالفة، يمكن رجم هؤلاء الأخيرين بما يرمون به من يصفونهم بالتآمريين، ما يدخلنا في باب المهاترة والتناظر العقيم. غير أنه خير من ولوج هذا الباب، ضرورة الأخذ بالأحوط، وهو اعتبار أن أهل الذكر والنظر يتباينون في تفسيراتهم ومطالعاتهم للوقائع والظواهر، وفقاً لاتجاهاتهم الفكرية وانحيازاتهم الإيديولوجية ومواقفهم السياسية، كما لا يستبعد أن يعود هذا التباين والاختلاف إلى حظوظ هؤلاء من العلم والشواهد والقدرة على التحليل ودرجة الاختصاص. ندفع بهذا الرأي، وفي خاطرنا أن حقل التأمل في ما يعتمل من أحداث وظروف وظواهر، سياسية وغير سياسية، بات مفتوحاً على مداخلات كثيرين ممن تعتور مؤهلاتهم النواقص ويعملون ويفتون بناء على مجرد الحدس والهواجس والظنون. يمكن، والحال كذلك، إدانة الذين يخطئون في تفسير حدثٍ ما بغير اللجوء إلى رجمهم بعقلية التآمر ومفهوم التآمرية، كأنْ نهدم دفوعاتهم ونوضح لا منطقيتها ومجافاتها للحقيقة والصواب من خلال دفوعات وأسانيد مغايرة. وفي أقصى حالات الغضب منهم والتعارض معهم، يمكن وصفهم بالجهل أو حتى بالغباء والخوض في شأنٍ لا باع لهم فيه أو قدم. من شأن استخدام هذه الأنماط من التدافع العلني، التعريض بأصحاب الرؤى الفاسدة وصولاً بالتكرار إلى إفقادهم صدقيتهم وإزاحتهم من ساحة السجال حول ما ينفع الناس ويضرهم. أما الاستعاذة ضدهم بوصفة التآمرية، فإنها أقرب إلى المنهجية الهروبية ذات الجدوى المحدودة والموقتة. على أن أخطر ما ينطوي عليه إلقاء وشاح نظرية التآمر على بعض المحللين والرؤى والمنظورات، هو الانطلاق في معالجة الظواهر من فكرة عدم أو عدمية وجود مفهوم التآمر السياسي في السياقات السياسية الداخلية والخارجية بالكلية. هذا مع إن التآمر يكاد يكون لازمة من لوازم الحركة السياسية في هذين السياقين، فالتآمر لغة هو التشاور، وائتمر القوم أي تشاوروا. وتآمروا بفلان أي هموا بإيذائه، وهو على ذلك يكون لفعل الخير أو إتيان الشر والفاحشة، بحسب النيات والقضايا موضع النظر. لكن المعنى الدارج في التداول هو التدبير في خفاء لاقتراف السوء. ونحن سواء أخذنا بهذا المعنى أو ذاك ألفينا أنفسنا غير بعيدين من دائرة السياسة بمستوييها الداخلي والخارجي. ذلك أن التشاور السياسي لا يدور عادة في الميادين العامة أو تحت سمع وبصر كاميرات الفضائيات وبقية آليات الإعلام والإشهار. والمؤكد أن هذه الخاصية تنطبق أكثر على الأنماط التشاورية هل نقول التآمرية؟!.. التي يراد بها تدابير السوء والكيد للآخر، للخصم السياسي مثلاً في الداخل والعدو مثلاً في الخارج. فليس بلا مغزى ولا هو من باب السفاهة إذن، أن تثور ظنون بعض أهل التحليل والتفكير في شؤون السياسة وتنطلق ألسنتهم وأقلامهم بالتوقعات آخذين في اعتبارهم هذه الخاصية. الشاهد، بصيغة أخرى، أن للتحركات والتفاعلات السياسية عموماً ظاهراً وباطناً، ويعرف ذوو الاختصاص أن فقه العلاقات الدولية، وعياً منه بهذه الطبيعة، يفرق عند حديثه عن أهداف الوحدات الدولية وهذه قد لا تكون الدولة بالضرورة أو الحتم بين الأهداف المعلنة والأهداف الخفية. وهو يحضنا، دارسين وباحثين ورجال حركة وفعل، على العناية الفائضة باستطلاع وتأمل أو تشوف هذا النوع الأخير، لأن الأهداف غير المعلنة غالباً ما تضمر الحقيقة، وعلى التوقعات بشأنها ينبغي أن تبنى السياسات وردود الأفعال الممكنة وما يعرف بتقديرات المواقف. كأن فقه العلاقات الدولية يحذرنا من مغبة الوقوع في دائرة ما تصح تسميته ب"الدروشة السياسية"التي تجعلنا نتعامل مع الظواهر، وما يمهد لها ويصحبها ويلحق بها من زفات إعلامية وديبلوماسية، على قاعدة الإفراط في حسن النية والأخذ بظاهر القول والحركة. ولا تقوم القناعة بصدقية هذا التحذير على مجرد الاعتبار بأقوال الفقهاء الذين أهلكوا أعمارهم في تفهم طبيعة السياسة ودروبها الشائكة، وإنما تستند أيضاً إلى ما تنصحنا به السوابق التاريخية ماضياً وحاضراً. فإذا لم يكن للمؤامرة بمعناها السلبي النكر دور وحضور في دنيا العلائق بين الأمم، فإلى أي شيء ننسب، وكيف نفسر، على سبيل الأمثلة: التوافق الأوروبي على اقتسام مناطق النفوذ والاستعمار الاستغلالي والاستيطاني في القارة الأفريقية في مؤتمر برلين 1878، والوفاق الودي البريطاني - الفرنسي 1904، واتفاق سايكس - بيكو 1916، وتصريح بلفور 1917، وقرار تقسيم فلسطين خارج اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة 1947، والتصريح الثلاثي بضمان أمن إسرائيل 1950، والاعتداء الثلاثي على مصر 1956، والإعداد لحرب حزيران يونيو 1967 لعشر سنوات خلت قبلها، والسكوت على تسلح إسرائيل بالرادع النووي من دون خلق الله من دول الشرق الأوسطية، والتبييت لتحطيم العراق بغض النظر عن التيقن من حيازته لهذا الرادع غصباً عن الشرعية الدولية ذات الصلة. وأخيراً، لا آخراً، ما معنى العكوف على ضرورة تطبيق بعض القرارات الأممية، كالقرار 1559، سريعاً وعاجلاً والآن الآن وليس غداً، فيما عشرات القرارات الأخرى العاطفة على حقوق عربية ظاهرة يكاد يطويها النسيان ويفترسها الهجران؟! لا حكمة عموماً في تنحية مفهوم التآمر والمؤامرة عند تحليل كثير من الظواهر والقضايا ذات الصلة بالتعامل الدولي مع منطقتنا العربية، فمن دون التعاطي مع هذا المفهوم تقوى احتمالات الوقوع في الغفلة والسذاجة والمعالجات السطحية لهذه الظواهر. النظرية والتطبيق يؤكدان هذه القناعة، ويؤكدان أيضاً أنه لا وجه للعقلانية والشد في استبعاد تسميم عرفات وولوغ إسرائيل في مصرع الحريري، وسخافة الاعتقاد بأن إكراه سورية على تطبيق القرار 1559 هو فقط لمصلحة استقلال لبنان وعافيته الديموقراطية، علاوة على سخافة الاعتقاد المشابه بأن تقويض نظام صدام كان لمجرد بسط الديموقراطية في ربوع أرض الرافدين. التآمر والمؤامرة موجودان حيثما حلت السياسية، أما كيفية التعامل معهما وكف الأبعاد المؤذية منهما فقضية أخرى. * كاتب فلسطيني.