أبدى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة امتعاضاً شديداً من آلاف الجزائريين، وخصوصاً الشباب الذين يتهافتون على القنصليات الفرنسية طلباً للهجرة والتجنيس، فخاطبهم قائلاً:"من أراد أن يهجرنا فليفعل، ولكننا سنهجره أيضاً". وانطلق مجدداً نقاش حاد، بين جيل رفع السلاح ضد فرنسا الاستعمارية لفرض الهوية الجزائرية، وجيل اليوم المنقسم على نفسه، بين متشبث بهويته، وآخر لا يمانع من استعادة جنسية"عدو الأمس"، بحثاً عن حياة أفضل. وتعتبر ظاهرة الهجرة احدى"الثوابت"لدى الشباب الجزائريين، و"وباء خطيراً"في نظر السلطة التي حاولت التصدي لها أو التقليل منها. وحينما وصل بوتفليقة إلى رأس السلطة العام 1999، حرص على أن يخاطب شريحة الشباب التي تمثل 75 في المئة من الجزائريين، ووعدهم بأنه سيعيد للجزائريين"العزة والكرامة"اللتين افتقدوهما زمناً طويلاً، بعد أن تحولوا"رمزاً للإرهاب". بيد أن الرئيس الجزائري وجد نفسه في الكثير من الأحيان مجبراً على مواجهة قوافل الشباب الذين رددوا العبارة نفسها"الفيزا"، لا سيما حينما خرج مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في شوارع العاصمة وكان بوتفليقة يرد مبتسماً"والله لن تجدوا أفضل من بلدكم". لكنه لم يكن ليتمالك أعصابه في الكثير من الأحيان، فيلقي باللائمة على هؤلاء"المنتفضين"على أوضاعهم الصعبة، يتهمهم بالفرار والكسل بدل البحث عن الحلول والمبادرة للعمل. وكان بوتفليقة يحرص كل مرة على أن يبرئ نفسه، بالتذكير بمناصب العمل التي وفرها منذ مجيئه، ونجاحه في تقليص البطالة من 30 إلى 14 في المئة العام الماضي، من دون أن تزول سحابة التشاؤم وحلم الهجرة من عقول معظم الجزائريين. هكذا هي علاقة الشباب بالسلطة في الجزائر، لكن بوتفليقة مضى أبعد من ذلك، حينما شدّد على مطالبة السلطات الفرنسية والأجنبية عموماً بتشديد إجراءات منح الجنسية للجزائريين المهاجرين، وأعلن في إحدى خطبه الأخيرة الحرب على ما سمّاه"ظاهرة التجنس الخطرة". وبالعودة إلى الإحصاءات التي تقدمها وزارتا العمل والخارجية الفرنسية، فإن أكثر من مليوني جزائري يعيشون في فرنسا، بينهم أكثر من 350 ألفاً حصلوا على الجنسية الفرنسية، الى جانب جنسيتهم الأصلية. وتذهب الأوساط السياسية والإعلامية في كلا البلدين إلى أن هذه الأرقام تبقى بعيدة جداً من الحقيقة، ويرون أن عدد الجزائريين المقيمين في فرنسا أكثر بكثير، إذا حسبنا المقيمين بصفة غير شرعية. وتشير بعض الارقام الفرنسية، الى أنه من مجموع 9 ملايين جزائري فقدوا الجنسية الفرنسية بعد الاستقلال، 70 ألفاً منهم على الأقل احتفظوا بها. ويشير الموقع الالكتروني لوزارة العمل الفرنسية، إلى أن 15468 مهاجراً جزائرياً، حصلوا على الجنسية الفرنسية العام 1999. وفي النظر الى هذه الأرقام، يمكن فهم سر غضب الرئيس بوتفليقة، على رغم أنه كان سبباً في رفع عدد التأشيرات المقدمة للجزائريين، بعد أن نجح في تعزيز العلاقات الجزائرية - الفرنسية، فنجم عن ذلك إعادة فتح عدد من القنصليات والمراكز الثقافية التي كانت أغلقت بعد حادثة اختطاف الطائرة الفرنسية في مطار الجزائر العام 1994. ويعلق توفيق27 عاماً الذي أنهى دراسته في باريس بعد سبع سنوات، وهو الآن ينتظر تمديد فترة إقامته، على قرار السلطات الجزائرية المعارضة حصول ابنائها على جنسية أخرى قائلاً:"هناك تشديد في الإجراءات الإدارية الفرنسية باتفاق مع السلطات الجزائرية. أصبح علينا أن نحصل على وثيقة من رب عمل فرنسي الجنسية، كشرط ضروري لمتابعة إجراءات تسوية الوضع، ولن تشفع لي سنوات الدراسة"، وبلهجة غضب حادة تابع:"إنه فعلاً أمر مثير للاستياء، لأنني أواجه قرار الطرد في أي لحظة، وأنا لن أقبل أن أعود إلى الجزائر عاطلاً من العمل على رغم حبي لوطني". وفي المقابل تعارض نبيلة 30 عاماً، الصحافية في إحدى الصحف الفرنوكفونية، فكرة تهافت الجزائريين للحصول على الجنسية الفرنسية، على رغم أن إخوتها الأربعة حصلوا عليها:"غير صحيح أن الجزائريين يهرولون للحصول على الجنسية الفرنسية، هذا ينطبق على شباب المناطق الشمالية، لقد أجريت استبياناً عبر جولاتي في المدن الداخلية، ولاحظت تمسك الجزائريين بجنسيتهم على رغم ظروفهم القاسية". لكنها تستدرك قائلة:"في المقابل لدي أخت مقيمة قبلت الجنسية حتى تضمن حقوقها بعد التقاعد، لأنها لم يعد لها أي مستقبل مادي في الجزائر". ويبدي صنف آخر من الجزائريين قبولهم الحصول على جنسية مزدوجة، لكنهم يعارضون التخلي عن الجنسية الجزائرية مقابل الحصول على الفرنسية، بينما لا يتوانى بعضهم في وصف التجنيس بمثابة خيانة لشهداء الجزائر. يقول أمين 25 عاماً:"بصراحة أنا أيضا أفكر في الهجرة لتأمين مستقبل أفضل، لكنني لن أقبل بأي حال، التجنس بجنسية بلد غير مسلم أصلاً، ثم إن أبي جاهد لأجل الحصول على الجنسية الجزائرية، ولن أخونه بالتخلي عنها مهما كانت الظروف، لأحمل جنسية فرنسا التي لم تعتذر حتى الآن على جرائمها ضد شعبنا، إنه أمر مخز حقاً...!". على من يقع اللوم؟ وتبدي منال 26 عاماً، الطالبة في معهد التاريخ تأييدها للرئيس بوتفليقة الذي استنكر تجاهل شباب اليوم لتضحيات أجداده، لكنها تعقب بقولها:"لمَ نلقي اللّوم على شباب اليوم فقط، بدل محاولة تفهم الأسباب التي تجبرهم أحياناً على قبول إغراء التجنس؟ ولم لا يلتفت صناع القرار للشخصيات والوزراء والنواب الذي يحكمون ويشرعون باسمنا، وهم يحملون جنسيات مزدوجة، وبعضهم يقيم باستمرار في باريس أو واشنطن، حتى أثناء فترة أداء مسؤولياتهم...؟". أصبح منظر مئات الجزائريين الذين يصطفون أمام السفارات الأجنبية وبخاصة السفارة الفرنسية، يشكل جزءاً من"ديكور"بعض شوارع حيدرة و المرادية والأبيار في العاصمة الجزائر، ومدن عنابة ووهران، حيث يضطر كثيرون إلى المبيت في الشوارع ليلة كاملة، وسط مشاعر ممزوجة بين الحلم في الهجرة لدى بعضهم، والاستهتار والغضب من سوء المعاملة لدى الآخرين، في انتظار أن تفتح القنصلية الفرنسية أبوابها، علها ترضى عنهم، وتمنحهم التأشيرة! وشرّ البلية ما يضحك كما يقال، فقد أصبح بعض الشباب"البطالين"يعمدون إلى قضاء ساعات طويلة أمام السفارة، ثم يقومون في الصباح الباكر ببيع أماكنهم في الصفوف الأولى في مقابل أسعار مغرية، لمن لا يقوى على الانتظار والوقوف طويلاً تحت أشعة الشمس أو تحمل الصقيع في الشتاء.