ماتت الليبرالية السورية القديمة الحزب الوطني وحزب الشعب مع استلام البعث للسلطة عام 1963، بعدماعانت من جرح بليغ منذ وحدة 1958: كان ذلك تعبيراً عن انزياح طبقات وشرائح اجتماعية الصناعيون - التجار- أصحاب المصارف - الملاكون الزراعيون لمصلحة فئات وشرائح أخرى فلاحون - فئات وسطى في المدن الصغيرة والبلدات بعيداً من دمشق وحلب. نشأت بعد عام 1963، بخاصة مع تأميمات 1965 والاجراءات المتمِّمة لقانون الإصلاح الزراعي أيلول/سبتمبر 1958 الصادرة عام 1963، لوحة اقتصادية ?اجتماعية جديدة أمّنت قاعدة اجتماعية قوية لسلطة البعث، لم تستطع أن تهّزها المعارضة الناصرية تموز/يوليو 1963، المستندة إلى الفئات الوسطى في مدن حلب واللاذقية، ولا معارضة"الإخوان المسلمين"أحداث نيسان/ابريل 1964 المستندة إلى الفئات نفسها في حماه ودمشق، وهي حقيقة سياسية ظّلت قائمة بمفاعيلها على رغم صراعات أجنحة البعث القومي - القطري عامي 1965 و1966، ثم حركة 8أيلول 1966 التي قادها سليم حاطوم، بالتعاون مع القيادة القومية للبعث ضد نظام صلاح جديد،عندما لم تستطع المعارضة للنظام البعثي أن تستغل ذلك ضده لزعزعته أو إسقاطه، وهو أمر استمر مع ظروف ما بعد هزيمة 5 حزيران يونيو 1967، مما لا يمكن تفسيره عبر قوة الدبابة، بل عبر حقيقة أن اللوحة الاقتصادية - الاجتماعية الجديدة، والناتجة عن اختفاء القديمة، أمنت قاعدة قوية لسلطة البعث لم تستطع أن تهزها العواصف المذكورة، الشيء الذي بانت مفاعيله عندما تحالفت القوى السياسية القائمة وراء احد أجنحة البعث الحاكم، المنتصر في 16 تشرين الثاني نوفمبر1970ضد جناح صلاح جديد، فيما أعطى"الإخوان المسلمون"موافقة صامتة، وهللت فئات التجار لذلك وسط ارتياح كبير وشعبية عكستها استقبالات الفريق حافظ الأسد في حماه وحلب واللاذقية في الشهرين الأولين من عام 1971. أدى هذا إلى توسيع القاعدة الاجتماعية لسلطة البعث فيما يلاحظ أن انطلاق حركة راس المال الواسعة، بعد حرب 1973 وتدفق رأس المال الخليجي، كان بالتشارك وبالتداخل مع السلطة، وبخاصة في قطاعي العقارات والإنشاءات، فيما ظلت الدولة مسيطرة على مجمل العملية الاقتصادية، أو مخضعتها للسيطرة، سواء تلك الداخلية، أو المتعلقة بالعلاقات التجارية - الاقتصادية مع الخارج. لذلك لم نجد انفصالاً عند البورجوازية الجديدة التجار والصناعيون وأصحاب رأس المال المالي عن السلطة في أحداث 1980، بل تحالفاً معها، كما جرى من قبل غرفة تجارة دمشق عندما كسرت إضراب آذار مارس من ذلك العام، فيما لم يكن الوضع مختلفا في حلب حيث كانت معارضة 1980 تأتي من فئات وسطى مدينية انتقلت إلى"الإخوان المسلمين"بعدما كانت في فترة 1963-1970 ناصرية الطابع في مدن حلب وحمص واللاذقية، ولو أن التفصيل الجديد في لوحة 1980 هو القاعدة الاجتماعية الواسعة التي أتت الى"الإخوان"من بلدات محافظة ادلب. ولا يلاحظ في الحياة السياسية السورية بين عامي 1963 و1980 وجود أثر للتيار الليبرالي، بل تسيد لتيارات ثلاثة، قومية وإسلامية وماركسية، كانت على الضفة الأخرى من الليبرالية، إن لم تكن في حرب فكرية - سياسية معها، وحتى عندما طرح الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي برنامجا ديموقراطيا في الشهر الأخير من عام 1978، ليتبعه على ذلك، في آذار 1980، بيان"التجمع الوطني الديمقراطي"بأحزابه الخمسة، فقد كان هذا عبر مضامين سياسة - دستورية للديموقراطية، وليس عبر مترافقات اقتصادية للبرنامج الديموقراطي تعطيه ملامح توجهات ليبرالية مثل"اقتصاد السوق"و"تحديد دور الدولة في الاقتصاد"، وهو شيء ترك غامضا عند واضعي ذلك البرنامج، إذا لم يكن ذلك ناتجاً عن نقص في وعي ضرورة إرفاق البرنامج الديموقراطي برؤية اقتصادية، هذا الشيء الذي ربما تعطي صورة عنه حادثة وقعت في هيئة تحرير جريدة"التجمع"في آذار 1997، عندما عارض المرحوم جمال الأتاسي والأمين الأول لحزب الشعب الديمقراطي مقالا يدعو لضرورة النظر إلى حقيقة ترافق"قطاع الدولة"في الاقتصاد مع نموذج"الحزب الواحد"، والى واقعة ترافق انهيار النموذج الأخير مع تفكك"قطاع الدولة"ونشوء"اقتصاد السوق"ليترافق الأخير مع"الديموقراطية"، ليصار بعد جدل طويل إلى السماح بنشر المقال، تحت إطار زاوية استحدثت خصيصا له في الجريدة سميت"وجهة نظر"، بعدما كانت كل مقالات الجريدة غير موقعة وتعبر عن وجهة نظر جماعية. لم يتغير شيء من هذا عبر معارضة مرحلة ما بعد 10 حزيران2000، سواء عند"التجمع"أو في"لجان إحياء المجتمع المدني"التي لم تتضمن وثيقتها التأسيسية بيان الألف الصادر في الشهر الأول من عام 2001، أي ملامح من البرنامج الليبرالي الاقتصادي، بل مجرد تركيز على الجانبين السياسي - الدستوري من"الديموقراطية"، مع كثير من التوجهات العلمانية، وهو أمر كان النائب رياض سيف، في برنامج"حركة السلم الاجتماعي"الذي قدم في ذلك الشهر، رائدا فيه عندما قدم ملامح لبرنامج ليبرالي متكامل طرح فيه الدعوة إلى توقف"الدولة عن لعب دور التاجر أو الصناعي"، داعيا إلى" بناء اقتصاد جديد"، بعدما رفض الدعوات"إلى الإصلاح الاقتصادي السوري التي تنطلق من مبدأ إصلاح ما هو قائم". في هذا لم يستطع النائب سيف أن يكوّن امتدادا اجتماعيا وسط فئة"رجال الأعمال"أو عند"الصناعيين"و"التجار"الذين تركوه يأخذ دور"الكوماندوس"وحيداً، رافضين فك الارتباط مع السلطة، فيما عامله المثقفون والسياسيون، بجفاء وعداء وكالوا له الكثير من الاتهامات في الفترة السابقة لسوقه إلى السجن في 6 أيلول 2001. انقلبت الأمور بعد 11 أيلول 2001 عندما بدأت الولاياتالمتحدة طرح برنامج تغييري على صعيد الشرق الأوسط، بعدما ربطت"الإرهاب"ب"الديكتاتوريات"، واعتبرت الأخيرة، مع النظم التعليمية والثقافية القائمة، مسببات للأول، وهو ما أدى إلى ترافق"الليبرالية"مع"الديموقراطية"و"العلمانية"في"مشروع الشرق الأوسط الكبير"13 شباط/فبراير 2004، و"مبادرة الشراكة"9حزيران 2004. لم يظهر زخم الدعوة عند سوريين إلى الليبرالية إلا بعد سقوط بغداد، ومجيء الأميركي إلى المنطقة، فرأينا قبل ذلك كيف تُعارض ليبرالية رياض سيف بالديموقراطية من قبل مثقفين وسياسيين من خلفيات يسارية ماركسية، فيما رأينا هؤلاء، بعد 9 نيسان 2003، يطرحون مع مراهنات مكتوبة وغالبا شفوية على تغييرية القطب الواحد لنظم المنطقة ملامح لبرنامج ليبرالي، وهو ما نجده لدى"حزب الشعب الديموقراطي"الذي أعلن عن تأسيسه في أيار مايو 2005 من قبل اللاماركسيين في"الحزب الشيوعي - المكتب السياسي"، ولدى الكثير من المثقفين وهم بمعظمهم من خلفيات ماركسية سابقة في"لجان المجتمع المدني"، فيما تكاثر الإعلان عن منظمات ليبرالية جديدة أخيراً، والتي لا يلفت النظر في طرحها إلا ما هو موجود في"مشروع وثيقة تأسيسية: تحالف الوطنيين الأحرار في سورية"، والصادرة في حلب 10 حزيران 2005 من قبل تجار وصناعيين وأصحاب أملاك زراعية ومهنيين. إذا تركنا ليبرالية المثقفين التي تعبر عن قلق ثقافي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وعن بحث عن أدوار عبر ركوب موجة عالمية سائدة كما حصل تجاه اشتراكية السوفيات بعد عام 1945، فمن الواضح أن"الليبرالية"في سورية في حال صعود ومد، كما كانت"القومية"بين عامي 1948 و1961، و"الاشتراكية"بين 1963و1970، ويعتمد مدُها على جو دولي ناتج عن انتصار نموذج سياسي - اقتصادي على آخر، ويستند إلى قاعدة اجتماعية محلية بعضها ظاهر فئات وسطى - متعلمون - اكاديميون - مثقفون ، وبعضها كامن أثرياء السلطة - التجار - الصناعيون-أصحاب رؤوس الأموال في الداخل والمهجر. سيعتمد مصير الليبرالية السورية على قضايا عدة: هل ستتفق السلطة السورية مع القطب الواحد بعد التباعد الذي حصل منذ 9 نيسان 2003، والذي دفعت فيه دمشق فاتورة سياستها العراقية في بيروت؟ وإذا حصل ذلك: ألن يؤدي ذلك إلى انهيار"حزب أميركا"في المعارضة السورية والذي يضم الكثير من الليبراليين المراهنين على الخارج الأميركي، وهو أمر ليس خافيا أيضا عند الليبراليين الجدد الآخرين، من الصناعيين والتجار والمهنيين، الداخلين إلى السياسة أخيراً؟ ثم ألن يقود ذلك إلى تنفيذ السلطة لبرنامج ليبرالي في الاقتصاد والقوانين والتشريعات مع حريات محدودة على الصعيد السياسي، مستفيدة من غطاء دولي متجدد، كما يحصل في مصر الآن؟ بعد ذلك: ألن يؤدي هذا، في حال حصوله، إلى انقسام الليبرالية بين ليبراليين موالين للسلطة وآخرين معارضين؟ وأخيرا: يطرح مسار الانبثاق الجديد لليبرالية السورية، إشكاليات فكرية كثيرة /ارتباط الوطنية والليبرالية، ما دامت الأخيرة منبعثة أساسا من جو دولي، أكثر من عوامل محلية ما زال معظمها كامنا، وما دام القائمون على الليبرالية العربية الراهنة، والسورية منها، لم يقوموا بفك ارتباط مع الخارج كما حصل من سعد زغلول أو رشدي الكيخيا، مثلا - تبني تيارات سياسية غير ليبرالية ماركسية -إسلامية - قومية لبرنامج ليبرالي مرحلي، من دون التخلي عن موقعها ومنظارها الأيديولوجي الخاص، كما حصل من قبل كارل ماركس في جدالا ته مع لاسال حول مرحلة بسمارك ألخ - يمكن ان تغني الحياة الفكرية والثقافية للبلد، بعيدا من الخفة والشعاراتية التي نجدها عند الكثير من الليبراليين السوريين الراهنين، الآتين من أحزاب شيوعية وماركسية، عندما يطرحون الآن أن الديموقراطية هي الليبرالية، أو أن الأخيرة هي الأولى، متجاهلين الوقائع المعاكسة التي تقول بديموقراطية الكثير من غير الليبراليين مع عدم ديموقراطية الكثير من الليبراليين، هذا إذا لم نتحدث عن إمكان تبني مرحلي للبرنامج الليبرالي من مواقع غير ليبرالية، وهو نقاش يذكر كثيرا بالنقاشات التي كانت تخاض قبل عقود قليلة من قبل هؤلاء، حول أن"الاشتراكية غير الاشتراكية العلمية"، أو أن"لا يسار سوى الشيوعيين". كاتب سوري.