لن يتولى حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي والهندوسي رئاسة الحكومة في الهند. هذا ما اعترف به رئيسها الحالي، فاجبايي، بنفسه معلناً الانتقال إلى... مقاعد المعارضة. هذا هو الحدث الكبير الذي يغاير أحداث الدم والقتل التي تهبّ علينا من العراق. إنه حدث الديموقراطية. راجع ص 8 فسقوط "بهاراتيا جاناتا" يرقى بذاته إلى انقلاب ديموقراطي في منطقة، ولو كانت غير ديموقراطية، الا أنها بالغة التأثير والأهمية. ولا بد، في السياق هذا، من الرجوع الى أواخر السبعينات، حين بدأ الحزب الطائفي المذكور ينافس "المؤتمر" على رئاسة الحكومة. وهذا ما عُدّ، آنذاك، تحولاً هائلاً عن الحزب العلماني الذي تأسست على يده دولة الهند المستقلة في 1947. وكان التغيّر هذا جزءاً من سياق عالمي جديد صعدت معه أحزاب تجمعيّة، إثنية ودينية، على حساب أخرى وطنية وعلمانية. فما بين أواسط السبعينات وأواخرها، لعبت الكنيسة الكاثوليكية دوراً مركزياً في المعارضة البولندية، ووصل آية الله الخميني إلى السلطة باسم الدين، بعدما حلّ ليكود، للمرة الأولى، في رئاسة الحكومة الإسرائيلية. وعزّز "بهاراتيا جاناتا" اتجاهه الديني والقومي بتبنيّه، في التسعينات، رأسمالية الحدّ الأقصى. فقد حضن نهضة الهند في عهد العولمة وثورتها التقنية والمعلوماتية، إلا أنه ذهب بعيداً في الخصخصة، فغدا، في وقت واحد، يُغني ويُفقر. واليوم، يبدو أن المتضررين من سياساته الاقتصادية هم الذين أسقطوه، وهو ما يُرجّح له أن يضع حداً للخصخصة من دون أن يضع حداً للعولمة. فغني عن التذكير بأن راجيف غاندي، ابن أنديرا وزوج سونيا الايطالية الأصل، هو الذي ضرب المسمار الأول في نعش الاقتصاد الموجّه وباشر المسيرة التي توّجها "بهاراتيا جاناتا". وب"المؤتمر" على رأس الحكومة الجديدة، يُتوقع أن يكون للشيوعيين الهنود دور ما في صنع القرار السياسي لبلادهم. وهذه جميعاً قد لا تُغضب واشنطن بعد انقضاء عقد ونصف العقد على نهاية الحرب الباردة، إلا أنها حكماً لن تسرّها. وعدم السرور الأميركي قد يصدر، أيضاً، عن أسباب أخرى. فالطائفية الهندوسية إذا ما تراجعت، أدت إلى تحسّن في العلاقات بين الهندوس والمسلمين الهنود. والقومية الهندية إذا ما استرخت، أفضت إلى تحسّن في العلاقة مع باكستان التي أوصلها "بهاراتيا جاناتا" والجنرالات الباكستانيون إلى حافة الصدام النووي. مع هذا، فالتراجع والاسترخاء هذان قد يحملان الهنود على مراجعة علاقتهم بواشنطن وحماستهم لحروبها المتتابعة، على النحو الذي رأيناه قبل أسابيع في اسبانيا. والهند، من دون "بهاراتيا جاناتا"، قد تجد نفسها أقرب إلى بلدان كجنوب افريقيا والبرازيل، تحاول معها إدخال بعض التعديلات على أنظمة التوزيع الاقتصادي العالمي. فإذا عاد إلى سدّة الحكم، تتقدمه سونيا غاندي، عادت إلى الواجهة بعض أحلام قائده التاريخي جواهر لال نهرو في "الحياد الايجابي" و"عدم الانحياز". وهذه الأحلام وإن أوجبت نهايةُ الحرب الباردة تعديلها جذرياً، يبقى هضمها عسيراً على القائلين "من ليسوا معنا فإنهم مع الإرهاب".