يجب أن نعترف بأن النظام السياسي الذي يسمح للحكومة بأن تغير سياساتها في الوقت المناسب ومن دون خشية من انقلاب عسكري أو حرب أهلية أو غضب شعبي عارم هو نظام يستحق الإشادة. ومع ذلك نسأل، ومن حقنا أن نسأل، إن كان التغيير الذي نلمسه في بعض الممارسات والسياسات الخارجية الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة حقيقي أم للتعمية وكسب الوقت؟ وإن كان التغيير يهدف إلى تفادي انهيارات أخرى في شعبية أميركا وصدقيتها أو، على الأقل، شعبية الإدارة الحالية التي تحكم الولاياتالمتحدة وصدقيتها؟ من حقنا أيضاً أن نسأل هل تحدث التغيرات الحالية على أرضية انقسامات أو خلافات داخل جماعة الحكم؟ أم أنها تحدث بالتوافق العام بين من يُطلق عليهم "المحافظون الجدد" والمعتدلين في الكونغرس والخارجية الأميركية؟ ومن حقنا كذلك أن نعرف إن كانت هذه التغيرات ستمتد لتشمل السياسة الأميركية تجاه فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي عموماً، أم أن هذه السياسة بالذات لا تخضع للتغيير ولا ينقسم عليها نخبة الحكم بين متشددين ومعتدلين. فالكل في هذه القضية متشددون من وجهة النظر العربية. لاحظنا مثلاً كيف أن كولن باول تحدث منذ أيام باعتدال في كل القضايا في السياسة الخارجية الأميركية ولكن بتشدد واضح في قضية فلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي. صحيح أننا لسنا مواطنين أميركيين لنقول من حقنا أن نعرف عن التغيير وأي قطاع سيتغير في السياسة الخارجية ومن قرر التغيير، فالتغيير شأن داخلي في الولاياتالمتحدة الأميركية. وقد اعتمد من اتخذ قرار التغيير على تقويمات أعدها مسؤولون أميركيون سواء في الأجهزة السياسية أو أجهزة الاستخبارات أو في داخل البيت الأبيض مثل "روف" كبير مستشاري الرئيس بوش باعتباره المسؤول أولاً وأخيراً عن حملة التجديد لمنصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة، إنما أقول حقنا مردداً رغبات كثيرة في عواصم متعددة من العالم صارت تعتبر أن ما يتقرر في واشنطن يمس بالخير أو بالشر شأناً داخلياً لدولة أو أخرى. من حقنا بالتأكيد أن نعرف ماذا تنوي واشنطن أن تفعله للخروج من أزمة العراق الطاحنة. ولا مجال للشماتة هنا أو للقول بأننا حذرنا وقلنا أن العراق لن تستقبل القوات الأميركية بالرياحين والزهور، وأن العراق لا تشبه في كثير أو قليل الحدائق الخلفية للولايات المتحدة الأميركية، مثل دول أميركا الوسطى. لم نكن على اتفاق مع وجهة النظر في مؤسسة الحكم في واشنطن التي اعتقدت عن حق أو عن باطل أن الرحلة في العراق ستؤدي عاجلاً إلى تحولات جذرية في كل منطقة الشرق الأوسط. اعتقدوا أن العرب جاهزون للانتقال من نمط حياة غير ديموقراطي إلى نمط ديموقراطي، وأن تباشير التغيير في العراق نحو الديموقراطية ستحدث أمواجاً تغمر العالم العربي من أقصى مغربه إلى خليجه. دخلت الولاياتالمتحدة الحرب في العراق على أساس مسلمات تيقنوا الآن إنها إن لم تكن زائفة فهي على الأقل مشكوك في دقتها وسلامتها. لم يكن في العراق إرهاب غير إرهاب الدولة. الآن في العراق أنواع شتى من العنف تسميه الدولة الأميركية إرهاباً، ولعل بعضه بالفعل إرهاباً وإن كان بعضه الآخر بالمنطق وبالظروف، مقاومة طبيعية لحال الاحتلال المفروض على العراق. ألم يحذر مراقبون باردو الانفعال في الأيام السابقة مباشرة على الغزو من أن العنف الأميركي في العراق سيولد عنفاً، وقد يولد أيضاً حالة من الإرهاب؟ الواضح الآن أمام دول العالم كافة أن الجماعة التي خططت في البنتاغون أو غيره لهذه الحرب لم تضع ضمن حساباتها الصعوبات المتوقعة غداة توقف العمليات العسكرية. استعدت واشنطن بالأفراد من العسكر ومن المستشارين المدنيين مزدوجي الجنسية ومن هواة أو منظرين في التنمية السياسية وبناء الأمم، واستعدت بالمال للإنفاق على حماية قواتها في العراق، وإصلاح ما خربته الحرب والحصار الاقتصادي في البنى التحتية. ويعترفون الآن أن ما أعدته نخبة الحرب من عتاد وأفراد وأموال غير كاف لمواجهة الحالة العراقية. ثم اكتشفنا أن جهة التخطيط للحرب تنقسم قسمين: قسم على عينيه غمامة أيديولوجية متشددة، تكاد تكون متعصبة، بالإضافة إلى أنها محشوة بأفكار أصولية من نوع ما يتردد في واشنطن وتكساس من أن القرار الأميركي تنفيذ لإرادة الخالق عز وجل. والقسم الآخر في جهة التخطيط للحرب يعتقد أن سقوط العراق يعني حتماً رفعة إسرائيل وضمان أمنها لعقود طويلة مقبلة. هذا التحالف القائم بين أصحاب النظرة الإمبراطورية وأصحاب النظرة التبشيرية وأصحاب المصلحة الصهيونية هو الذي صنع في أعقاب 11/9 وضعاً داخلياً وأوضاعاً خارجية هزت مكانة أميركا بين الأمم حسب التعبير الذي استخدمه منذ أيام الرئيس السابق بيل كلينتون. أعود فأقول من حقنا أن نطلب ونطالب ونعرف لأننا سواء كنا مواطنين في دول في أوروبا القديمة أو في الشرق الأوسط أو في شبه القارة الهندية أو في الصين وروسيا، كلنا من دون استثناء نشعر بأن النخبة الحاكمة في واشنطن تتعامل معنا سياسياً وإعلامياً كرعايا في الإمبراطورية وليس كمواطنين في دول وأمم مستقلة وأصحاب إرادة. حُورب الرأي الآخر أو قُمع بحجة أنه لا صوت يعلو فوق صوت أمن أميركا الداخلي وسلامتها وفوق وقع أقدام القوات الأميركية في معظم أرجاء العالم. هذه القوات لا تعمل فقط في العراق، وإنما تنشط - كما يقول روبرت كابلان في مقاله الأخير في مجلة "أتلانتيك" - في عشرات الدول ، وتقوم بمهماتها تحت مسميات مختلفة فهي تارة قوات خاصة وتارة أخرى مستشارون سياسيون ومدربون عسكريون وخبراء إرهاب وخبراء جرائم ومخدرات. ويقول كابلان إن بعض أفراد القوات الخاصة يصنعون حالياً السياسة والقرار في عدد من دول شرق أوروبا وأميركا اللاتينية وإفريقيا ودول عربية، وأن وجودهم بأعداد صغيرة في دول عديدة يتفادى ما حذر منه المؤرخ بول كيندي، وهو أن يتسع النفوذ الإمبراطوري الأميركي فتترهل الإمبراطورية وتنهك فتسقط. هذا الوضع جديد إذا قورن بأي وضع إمبراطوري سابق. ففي ظل الإمبراطورية البريطانية لم تنشأ علاقة راع ورعية بين المركز الإمبراطوري وأفراد الشعوب التي لا تخضع مباشرة لحكم بريطانيا العظمى. لم يكن المواطن الألماني يشعر أنه من رعايا الإمبراطورية البريطانية ولا المواطن الأرجنتيني أو المكسيكي أو الياباني أو الروسي. وسواء تعمد صانع السياسة الأميركية غرس هذا الشعور في الشعوب الأخرى أم أن هذا الشعور ساد بسبب ممارسات أميركية غير مقصودة فالنتيجة واحدة، وهي أن الفرد العادي في كثير من الدول يشعر بأن ما تنفذه أميركا من سياسات يمس مصالحه وأمنه وحياته، خيراً أو ضرراً. من الصعب إنكار أنه بعد عامين ونصف من حكم الجماعة المتطرفة في اليمين السياسي والديني الأميركي تبدو الحصيلة بالنسبة الى الولاياتالمتحدة الأميركية ولصدقيتها في العالم سلبية. لم ينحسر غضب العرب والمسلمين تحت الضربات العسكرية والسياسية والصهيونية المتلاحقة كما تنبأ أهل السياسة في الولاياتالمتحدة، فالعرب والمسلمون اليوم في غضب أشد مما كانوا فيه في أي مرحلة سابقة. و"الطالبان" بعد هزيمة ساحقة في أولى حروب الرئيس بوش يستأنفون هذه الأيام الهجوم على القوات الأميركية والحليفة لها في أفغانستان بضراوة أشد من مقاومتهم للغزو الأميركي في حينه. والهند الحليف الجديد للولايات المتحدة والمرشح في بعض الدوائر الأميركية لأن يعود ليحتل مكانه كجوهرة التاج في أحدث إمبراطوريات العصر، ما زالت ترفض إرسال قوات مسلحة ولو بأعداد رمزية إلى العراق. ورفضت الصين تعويم عملتها خدمة للاقتصاد الأميركي الذي يعاني من مظاهر كساد متفاقم رغم إدراكها أن تحسين ظروف الاقتصاد الأميركي سيعود بالنفع عليها باعتبار أن الولاياتالمتحدة هي السوق الرئيسة للمنتجات الصينية في الخارج، ورغم إدراكها أن تفاقم العجز في الميزان التجاري مع الولاياتالمتحدة سيعود بالضرر على العلاقات الاقتصادية للصين مع الخارج. ولم تخضع كوريا الشمالية في المحادثات التي جرت في بكين لتهديدات الوفد الأميركي، واضطرت واشنطن بعدها إلى تخفيف لهجتها الهجومية وتحسين أساليب تعاملها مع بيونغ يانغ. ولا يخفى أن أوروبا القديمة لم تنس اهانة دونالد رامسفيلد حين ركب موجة النصر في العراق واستعد للاستقبال بالورود والرياحين. ولا أظن أن أوروبا القديمة تحاول بسلوكها الحالي الانتقام من رامسفيلد أو من إدارة بوش بأكملها لكنها تطلق رسالة بأنه إذا كانت واشنطن تفكر في إدارة العالم منفردة فإنها، في إطار هذه المرحلة من تطور النظام الدولي، لن تفلح. ولا خيار آخر إلا الاستفادة من خبرات أوروبا وعزل مخططي الاستراتيجية الأميركية لابدالهم قادة يتمتعون بقدر عال من الاتزان والنضج السياسي. ورغم الإعجاب الذي لا أخفيه بنظام ينتبه إلى أخطائه ويبدي استعداده لتغيير عدد من مساراته الخارجية، إلا أنني أقلق حين أفكر في ما يمكن أن تفعله في الشهور المقبلة الجماعة التي خططت لحرب فاشلة في العراق وتخطط لحرب دائمة وشاملة ضد الإرهاب. أسأل: ماذا سيفعل أعضاء هذه الجماعة خلال فترة العام الذي يفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية لإصلاح أو تصحيح ما انحرف من سياسات واعِوج من ممارسات وأخلاقيات فأصاب بأقصى الضرر سمعة أميركا وصدقيتها في العالم؟ هل نتوقع أن تقوم هذه الجماعة باختلاق انتصار رمزي في بقعة أخرى من العالم ، فيثير من جديد مشاعر وطنية في أميركا كتلك التي اشتعلت في أعقاب 11/9؟ هل نتوقع عمليات التفاف واسعة حول قضايا بالغة التعقيد مثل العراق بإثارة حروب أهلية في مناطق أخرى أو تفجيرات طائفية أو اجتماعية أو إرهابية؟ ألا يجب أن ننتبه إلى أن تشجيع إسرائيل على ارتكاب المزيد من أعمال الإرهاب ضد الفلسطينيين ومواصلة واشنطن توجيه الإهانات إلى السلطة الفلسطينية وبقية العرب هو البديل الأقل كلفة والأعلى عائداً لإدارة أميركية في سنة انتخابية؟ من حقنا أن نعرف أشياء كثيرة تخطط لها الجماعة الحاكمة في واشنطن . ومن واجبنا أن ننتبه إلى أن هذه الجماعة هي أقرب شكل ممكن للتروتسكية التي كانت تسعى في بداية عصر البناء الإمبراطوري السوفياتي الى تصدير الشيوعية وتفجير ثورة في العالم كله تقدس القيم والمبادئ الماركسية. تروتسكية واشنطن تهدف إلى بناء دولية جديدة يتولى قيادتها الرئيس بوش الذي يعتقد، ويردد اعتقاده بكل إيمان، أنه "مولود من جديد" وأنه مكلف من السماء بمهمة على الأرض. * كاتب مصري.