في كانون الأول يناير 2002 انفجرت قنبلة تزن عشرة كيلوغرامات في حقيبة يد الشابة الفسطينية وفاء إدريس 26 عاماً عند خروجها من متجر أحذية في يافا. وتسببت المتفجرة بمقتل وفاء وشاب إسرائيلي. وتروي صاحبة المتجر في "شهيدات: نساء فلسطينيات كاميكاز" صادر عن دار فلاماريون، باريس 2002 لصاحبة الكتاب بربارة فيكتور "أن وفاء لفتت نظرها بأناقة معطفها وبلون طلاء أظافرها الجميل". وتضيف السيدة نفسها أن وفاء فتحت باب المتجر وسندته برجلها وأخرجت مرآة من حقيبتها لتضع أحمر الشفاه. فعلقت الحقيبة بين دفتي الباب وانفجرت. ويزيد سن وفاء على سن الشابات الأربع اللواتي نفذن عمليات انتحارية من بعدها. ويعود فرق السن هذا، وهو بين ستة أعوام وعشرة أعوام، إلى سنوات زواج وفاء العشر التي انتهت بالطلاق. فبعد ما يقارب تسع سنوات على زواجها، فرحت وفاء بحملها وبقدرتها على الإنجاب. ولكنها خسرت جنينها، وأبلغها الطبيب باستحالة إنجابها الأطفال. فعزفت عن الكلام، ورفضت تناول الطعام وترك سريرها على رغم محاولات زوجها مساعدتها. وبعد طلاقها، تطوعت للعمل في الهلال الأحمر، وأبدت حماسة لمساعدة المصابين. لم تترك وفاء شريط فيديو، أو رسالة تشرح فيها ما أقدمت عليه. ولم تفض إلى مقربين منها بقرار الموت الذي اتخذته. وذلك على خلاف الشابات اللواتي فجرن أنفسهن في الأشهر التي تلت مقتلها. فدارين أبو عايشة 20 عاماً، منفذة عملية انتحارية في شباط فبراير، سجلت شريط فيديو تعلن فيه عزمها على الاستشهاد، واتصلت بوالدتها لتعتذر عن تركها المنزل من دون إذن ولتودعها قبيل موتها. أما آيات الأخرس 16 عاماً، تلميذة مدرسة، صاحبة عملية آذار مارس، فأفضت، قبل يوم من وفاتها، إلى صديقة لها بأن الاستشهاد هو "الحل الوحيد لإنقاذ شرف العائلة". وكذلك، أبلغت آيات عضو "كتائب شهداء الأقصى" أن مقتل شقيق صديقة لها، في غرفة جلوس منزله هو "إشارة من الله تدلها إلى ما يتوجب عليها فعله ليفهم الناس أن كل صلة باليهود لا تنتهي إلا بحمام دم". وقد لا يعود عدم ترك وفاء أثراً لقرارها بالموت إلى الإهمال أو قلة الاهتمام بالأمر. وبحسب الكتاب، تختلف الرواية التي رواها شقيقها خليل، في مقابلة أجريت معه في السر على أثر موتها، عن تلك التي رواها بعد أسابيع. في روايته الأولى، ذهب خليل إلى أن وفاء رجته، طيلة أشهر، أن يصلها بمن يشرف على تنفيذ العمليات الاستشهادية. فاصطحبها إلى منزل مسؤول في "كتائب الأقصى" منحها شرف الاستشهاد. أما في روايته الثانية التي تطابق تلك التي أفاد بها مسؤول في حركة "فتح"، فيقول خليل إن الحركة لم تجند وفاء للاستشهاد، بل لمساعدته هو على تهريب قنبلة في حقيبة يدها من رام الله إلى القدس. وعلى رغم ظروف وفاء الصعبة، كمطلقة و"عاقر"، كما تقول قريبتها، يرجح الاختلاف بين روايتي خليل احتمال عدم اختيار وفاء الموت في ذلك اليوم. وإن كان أقارب وفاء رأوا في "ظروفها" دوافع مقنعة للاستشهاد كما ورد في كتاب فيكتور. فوالدا آيات الأخرس لم يفكرا يوماً في إمكان تخلي أصغر بناتهما، وخاتمة عنقود أسرتهما المؤلفة من سبع فتيات وأربعة فتيان، عن حياتها. إلا أن الحب كان قد عرف طريقه إلى قلب آيات التي وافقت على عقد خطوبتها على ابن صديق لعائلة الأخرس، قبل عام من مقتلها. وتولت آيات الإعداد لحفل زفافها، المقرر في تموز يوليو 2002، واختارت الأغاني والموسيقى، وأنواع الطعام. وقررت بالاتفاق مع شريك حياتها، متابعة دراسة جامعية في الصحافة تتيح لها التعبير عن استيائها من إهمال البلدان العربية القضية الفلسطينية، ومن إبرام البلدان هذه عقوداً تجارية مع أميركا. ولكن الحب وخطة الحياة الزوجية ترافقا مع معاناة من الحال التي آل إليها وضع أسرة الأخرس في المخيم. فسرت إشاعات في مخيم الدهيشة، قرب بيت لحم جنوبالضفة الغربية حيث تقطن آيات مع عائلتها، مفادها أن محمد الأخرس والد الصبية سيسحل على مرأى من أهل المخيم وأن منزله سيهدم. وكانت زيارة أعضاء من "كتائب شهداء الأقصى" إلى منزل آل الأخرس السبب في الإشاعات هذه. وطلب الزائرون على مسمع من آيات التي كانت تجلس مع خطيبها في الصالون، من محمد الأخرس التوقف عن العمل في ورش البناء "لحساب اليهود"، وأن يظهر تضامنه مع "أهله" ويتحمل صعوبات الانتفاضة مثل الآخرين، وإلا تعرض "لعواقب وخيمة". وفرض الجيران حظر تجول على عائلة الأخرس، ومنعوا والد آيات من الوصول إلى عمله، ورفض تجار السوق تزويده ما يحتاجه من مشتريات. وزاد من معاناة آيات مشاهدتها مقتل شقيق زميلة لها برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء مشاهدته التلفاز. فقررت إنقاذ والدها من السحل وفك الحصار عن أسرتها. وعلى خلاف ما سعت إليه آيات، لم يوفر الناس والدها من غضبهم عليه بعد استشهادها لرفضه أخذ التعويض المالي المخصص ل"عائلات الاستشهاديين". فهو اعتبر هذا المال "ثمن دماء ابنته". وعلى غرار والد آيات الأخرس، افترض والد هبة دراغمة 19 عاماً، منفذة عملية في أيار مايو 2003، أن لابنته حوافز للتمسك بالحياة. وكانت هبة أنبأت والدها، عازم دراغمة 49عاماً، بعزمها على تقديمها حياتها له "شهادة يفتخر بها". ولكن الأب اعتقد بأن ابنته عنت بكلامها الشهادة الأكاديمية. فهو افترض أن التزام ابنته الديني، وإقبالها على الدراسة وازع يحول دون قتل نفسها. فالفخر انتظره والد هبة، عازم، من المثابرة على الدراسة، واكتساب مرتبة اجتماعية مستمدة من لقب "دكتوره". أما التقدير الاجتماعي الذي تروج له شرائح اجتماعية كثيرة وتجعل منه السبيل الوحيد لتحرير الوطن ودخول الجنة، فهو ما استفظعه عازم واعتبر رغبة الوالدين فيه من ضروب الاستحالة، إذ "لا يوجد أب أو أم في العالم يحملان مشاعر الأبوة والأمومة، يلقيان بأبنائهما إلى الموت". وترى الكاتبة أن الظروف التي دفعت بآيات إلى الموت تتشابه مع ظروف شابتين سبقتاها إلى تنفيذ عملية انتحارية في آب أغسطس2001، وشباط فبراير 2002. فالتكفير عن ذنب ما وتفادي جلب العار إلى الأسرة قاسم مشترك بين الشابات الثلاث. نشأت دارين أبو عايشة 20 سنة في أسرة كبيرة مؤلفة من 11 شقيقة وشقيقاً بالقرب من نابلس. ولم يمنع التزام دارين، طالبة الأدب الإنكليزي النجيبة في جامعة النجار، اللباس الشرعي، والطقوس الدينية، من اعتبار نفسها حاملة لواء الحركة النسائية. وتذكر شقيقة دارين أن شقيقتها كانت تقول دوما إن "العلاقات الاجتماعية في مجتمعنا تشكل قالباً جاهزاً وضعنا أهلنا فيه ويجب على النساء التحرر من هذا القالب. لا أريد أن أكون عبدة لأي شخص". ورفضت دارين "العرسان" الذين تقدموا لطلب يدها، ولم ترغب في مشاركة حياتها مع رجل لا يناقشها في شيء، ولا يسألها عن آرائها وأفكارها. فلم تنج دارين من ألسنة الجيران والأقارب، كما تفيد قريبتها سميرة. فالناس "كانوا يزعجونها ويشتمونها لأنها ترفض الزواج والإنجاب". وفي الجامعة، شكت دارين إلى صديقة لها "الضغوط" التي يمارسها أهلها عليها لتتزوج. وتروي الصديقة أن دارين أصيبت بالإحباط، وفقدت الحماسة والاهتمام بالأشياء بعدما أدركت أن نجاحها الجامعي وتفوقها لن ينقذاها من المصير الذي يحتم عليها الزواج المدبر، وإنجاب دزينة أولاد. وعلى أثر حادثة على حاجز إسرائيلي، وجدت دارين نفسها مجبرة على الزواج من شخص لا تحبه والعدول عما تبتغيه من درجات جامعية، كما تقول نبيلة والدة دارين. وتروي الأم الحادثة التي كانت وراء اتخاذ ابنتها الموت خياراً لها. فعند حاجز القوات الإسرائيلية كانت دارين وابن عمها رشيد ينتظران دورهما للعبور. ورفض جنديان إسرائيليان السماح لامرأة طفلها يحتضر بين يديها العبور قبل أن يحين دورها. وتأثرت دارين، وطالبت الجنود بإعطاء دورها للمرأة شارحة لهم خطر حال الطفل باللغة الإنكليزية. ولم يكن من الجنديين سوى التشاور والضحك، واشترطا على دارين تقبيل الشاب الذي يرافقها لتنفيذ طلبها. وشرحت دارين لهما أن الشرع الإسلامي يحرم عليها ما يطلبانه منها خارج الزواج. فنزع الجندي حجابها، ما دفع بدارين إلى دعوة رشيد إلى تقبيلها. لم تقبل دارين بعقد قرانها على رشيد، كما أصر أهلها. وساند رشيد دارين في ورطتها، وساعدها على إيجاد حل آخر يبعد العار عنها وعن أسرتها، وينقذ شرف العائلة. ولم يكن الحل الناجع سوى الموت.