بالكاد يمر نهار هذه الأيام في الولاياتالمتحدة من دون خبر في وسائل الإعلام عن علاقة ما لفرنسا بنظام الرئيس السابق صدام حسين. تارة تُكتشف وثائق عُثر عليها في مقرات الاستخبارات العراقية عن اتصالات بين مسؤولين فرنسيين وأركان حكم صدام عن "طريقة التعامل" مع العقوبات المفروضة على العراق. وتارة أخرى يُثار كلام عن تزويد فرنسا نظام صدام الأسلحة النووية في الثمانينات. وآخر هذه الاكتشافات عن العلاقات "السرية" بين الطرفين ان الفرنسيين زوّدوا مسؤولين عراقيين جوازات سفر مكّنتهم من الفرار إثر سقوط نظام صدام. لا تُشارك وسائل الإعلام الرصينة في هذه الحملة التي تستهدف الرئيس جاك شيراك تحديداً. للرئيس الفرنسي نصيب الأسد من الانتقادات التي تكيلها ضده وسائل إعلام شعبية تتمتع بقاعدة كبيرة من القراء والمشاهدين. فالخبر الذي نشرته صحيفة "واشنطن تايمز" قبل أيام عن تزويد الفرنسيين مسؤولين في نظام صدام جوازات سفر للسماح لهم بالفرار من العراق يكبر ك"كرة الثلج"، على رغم نفي باريس له. فبعد ان طالب أعضاء في الكونغرس باتخاذ إجراءات عقابية ضد فرنسا وتقييد نظام منح التأشيرة للفرنسيين الراغبين في زيارة الولاياتالمتحدة، بدا ان وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون دخلت بدورها على الخط. إذ قال "مسؤولون كبار" في "البنتاغون" لتلفزيون "فوكس نيوز" ان الوثائق التي عُثر عليها في بغداد تشير الى ان الاتصالات الديبلوماسية العراقية مع فرنسا تُظهر ان الطرفين "تناقشا تفصيلاً" في شأن الموقف من العملية الأميركية ضد العراق، وان ذلك استمر "الى ما بعد بدء عملية حرية العراق" في 20 آذار مارس الماضي. وإذا كان هذا النوع من الاتصالات ليس عيباً خصوصاً إذا أظهر ان الفرنسيين كانوا يحاولون اقناع صدام بالتنحي، فإن تعليق وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد عليه أعطاه أهمية ربما ما كان ليستحقها. إذ قال "ان فرنسا كانت تاريخياً على علاقة وثيقة مع العراق. وكما أفهم الأمر، فإن ذلك استمر الى تاريخ بدء الحرب. وسنعرف ماذا كان يحصل في الاتصالات بينهما". واللافت في الانتقادات الأميركية لفرنسا ان وزارة الخارجية تحاول ان تنأى بنفسها عنها. إذ قال الناطق باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر قبل أيام "اننا حلفاء مع الفرنسيين. وهذا يعني اننا نعمل مع بعضنا كل يوم. تعاونا مع بعضنا على مدى أيام في حين كانت الخلافات بيننا جارية. إننا نعمل مع بعضنا ضد الإرهاب". لكن إعادة الأمور الى نصابها بين البلدين لا تبدو سهلة، خصوصاً في ظل شعور طاغ بأن أطرافاً في الإدارة الأميركية تريد "تلقين شيراك درساً" لمعارضته جهود واشنطن اطاحة صدام. وليس سراً أن لهذه الأطراف الكلمة العليا في الإدارة حالياً. وقال مسؤول أميركي رفيع قبل أيام لمجموعة من الصحافيين ان الزيارة التي سيقوم بها الرئيس بوش لفرنسا خلال الأسابيع المقبلة ليست قمة ثنائية بل هي للمشاركة في الاجتماع الدوري لقادة الدول الثماني الكبرى. ولا يبدو ان التحضيرات للقاء الأول بين الزعيمين نجحت حتى الآن في تأمين سبل نجاحه، بدليل ان وزير الخارجية كولن باول، وهو "المعتدل" في إدارة بوش، استثنى فرنسا من جولته الحالية على الشرق الأوسط والتي ستشمل روسيا وألمانيا أيضاً. وما يزيد الطين بلة في العلاقات ان وسائل الإعلام الأميركية تبدو مصممة على مهاجمة الرئيس الفرنسي والطعن في مواقفه. وأمس أجرت محطة "فوكس نيوز" استفتاء على مشاهديها لمعرفة موقفهم من الرئيس الفرنسي الذي يكاد يتحوّل الى "العدو الرقم واحد" للولايات المتحدة، مُتجاوزاً حتى أسامة بن لادن وصدام حسين. ويُباع حالياً في الأسواق الأميركية ورق لعب يحمل صور "مطلوبين"، على غرار الورق الذي وزّعه الأميركيون على جنودهم في العراق وحمل أسماء وصور 55 مسؤولاً عراقياً مطلوب القبض عليهم. في الورق الجديد يحتل شيراك مكان صدام. "آس البستوني" مُنح للرئيس الفرنسي الذي تُعرّفه الورقة بأنه "شريك صدام حسين في الجريمة على مدى 30 سنة". لائحة المطلوبين في الورق الجديد تتضمن العديد ممن يُوصفون بأنهم "أعداء أميركا"، بينهم كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، وهانز بليكس رئيس فرق المفتشين الدوليين، وجان كريتيان رئيس الوزراء الكندي. وبينهم أيضاً أعضاء في الكونغرس مثل تيد كينيدي وروبرت بيرد ومجموعة من الممثلين والفنانين مثل مايكل مور وجين فوندا ومارتن شين وشون بين وجورج كلوني. جميع هؤلاء باتوا فجأة "أعداء أميركا" لأنهم عارضوا الحرب!