المكان: فيلا بونيه دوشابيل في "سيفر" ضاحية باريس. الزمان: الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الثلثاء الموافق 22 تشرين الأول اكتوبر 1956. الحضور: رئيس وزراء فرنسا غي موليه ووزير خارجيته بينو، ووزير الدفاع بورجيه مونوري. يقابلهم على الجانب الآخر من قاعة الجلوس: رئيس وزراء اسرائيل ديفيد بن غوريون ومستشاره شمعون بيريز ووزير الدفاع موشيه دايان. بعد انتهاء المراجعة الأخيرة لتفاصيل الخطة العسكرية الرامية الى مهاجمة مصر، فاجأ بن غوريون الحاضرين بتقديم مشروع سياسي وصفه بأنه سيزيل متاعب كثيرة في الشرق الأوسط. قال ان الأردن هو دولة مصطنعة غير قابلة للحياة والنمو، لذلك اقترح تقسيمها وضم مناطقها الشرقية الى العراق مقابل تعهد حكومته بتوطين اللاجئين الفلسطينيين. اما الأجزاء الواقعة في الغرب من الأردن فتكون من نصيب اسرائيل. ثم استطرد بن غوريون في الحديث عن توسيع أفق مشروعه السياسي مقترحاً ضرورة تخلص لبنان من أعباء الأقضية الأربعة ذات الغالبية المسلمة، والاكتفاء بحكم الجبل مع غالبية مسيحية تضمن لنظامه الاستقرار والهدوء. ولما تناول في حديثه أوضاع الممرات البحرية الاستراتيجية، قال ان قناة السويس يجب أن تخضع لاشراف ضمانات دولية في حين يعهد الى اسرائيل السيطرة على مضائق تيران. وفي ختام هذا العرض السياسي، اعتبر بن غوريون مناقشات تلك الجلسة انها صيغة أولية لبلورة اتفاق اقليمي تتعاون على تحقيقه الولايات المتحدةوفرنسا وبريطانيا واسرائيل. هذا ما كتبه موشيه دايان في مذكراته وعنوانها "قصة حياتي". وتطرق في الفصل الرابع عشر الى المشروع الذي عرضه بن غوريون على الحكومة الفرنسية متوقعاً ان ينال تأييدها ودعمها على اعتبار ان الحروب تخلق دائماً متغيرات جغرافية وسياسية وديموغرافية. والثابت ان فرنسا وبريطانيا كانتا تهدفان الى الحاق الهزيمة بجمال عبدالناصر الذي شكلت حركته تهديداً لمصالحهما الحيوية في المنطقة. في حين أراد بن غوريون استغلال الانتصار العسكري لتنفيذ طموحاته التاريخية التوسعية واستبدال سايكس - بيكو بمشروع جديد أكثر ضماناً لدور اسرائيل وأمنها واستمرارها. كانت مشاركة اسرائيل في الاعتداء الثلاثي على مصر مدخلاً لتوسيع رقعتها الجغرافية، وذريعة لاثبات قوتها العسكرية كدولة قادرة على حماية مصالحها ومصالح الدول الغربية. وتعرض بن غوريون في حينه لانتقاد منافسيه بسبب الكشف عن سياسة الدولة العبرية ومخططاتها المبيتة. ولكنه أراد من وراء اعلان مشروعه تحطيم المفهوم السياسي السائد، ورفض مبدأ ترسيم الحدود النهائية لاسرائيل والاعتراف بمسؤوليتها عن مصير اللاجئين. وتؤكد الوقائع التاريخية ان حرب 1948 شُنت بدافع الحصول على أراض اضافية وطرد السكان الاصليين وتوطين آلاف المهاجرين اليهود مكانهم. ولم تكن عملية اغتيال الوسيط السويدي الكونت فولك برنادوت على ايدي جماعة اسحق شامير سوى اغتيال لاقتراحاته التسعة التي أعلنها في مؤتمر رودس 27 حزيران/ يونيو 1948. وكان أبرزها أربعة: أولاً - الاتفاق على ترسيم حدود الدولتين اللتين ذكرهما قرار التقسيم، وضرورة اعتماد مبدأ التفاوض من أجل ايجاد حل مرض للفريقين. ثانياً - الاعتراف بحقوق المواطنين الفلسطينيين الذين اجبرهم الصدام المسلح على مغادرة مدنهم وقراهم، والعمل على اعادتهم الى منازلهم وأراضيهم المصادرة. ثالثاً - تحديد فترة عامين على الأكثر من تاريخ المفاوضات بغية الاتفاق على عدد المهاجرين اليهود ومواقع استيعابهم. رابعاً - الحفاظ على سلامة الأقليات وعدم تغيير معالم القدس وتراثها الديني. تشير الدوافع الحقيقية التي قضت باغتيال برنادوت قبل نصف قرن ان لاسرائيل ثوابت أساسية تعتبرها خطاً أحمر لا تسمح بتجاوزها. ومن هذه الثوابت ما يؤكد رفضها لأي حل يلحظ حقوق لاجئي 1948 في العودة، أو ترسيم حدودها النهائية قبل تنفيذ مشروع اسرائيل الكبرى. وكما دفع برنادوت ثمن تخطيه الخطوط الحمر، كذلك دفع اسحق رابين الثمن ذاته بعد موافقته في أوسلو على التخلي عن مشروع الدولة الصهيونية مكتفياً باسرائيل الصغرى. وكان هذا السبب كافياً لإعادة انتخاب نتانياهو وشارون باعتبارهما مؤتمنين على الإرث الصهيوني ومعارضين لقيام دولة فلسطينية مستقلة بين الأردن واسرائيل. ولقد أكد حزب "ليكود" هذا الطرح في اعلانه الرفض القاطع لإنشاء الدولة الفلسطينية، في حين ربط شارون موافقته على قيام الدولة الثالثة بسلسلة شروط تعجيزية، تبدأ بتغيير القيادة وتنتهي باخضاع شؤون الحكم والإدارة والاقتصاد لاشراف اسرائيل. ومن المؤكد ان الفلسطينيين سيرفضون شروط الاحتلال الدائم، الأمر الذي يعطي شارون المزيد من الوقت لاستقدام مليون مهاجر خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذا يعني ان الأزمة ستستمر، خصوصاً وأن المتاعب الداخلية التي يمر بها الرئيس بوش قد أعفت شارون من الضغوط الأميركية، تماماً كما أعفته عمليات المقاومة من مسؤولية مواصلة احتلال الضفة والاحتفاظ بها قدر ما يشعر الاسرائيليون بالخوف وعدم الأمان. السؤال المرتبط بهذا الوضع المعقد يفترض البحث عن حل التفافي اذا كانت اسرائيل ترفض تطبيق القرار 194 الخاص بحق العودة، كما ترفض الانسحاب الى حدود 1967. الحل في نظر شارون يعتمد على منع قيام الدولة الفلسطينية، والعمل على تحقيق مشروعه الدائم "الأردن هو فلسطين". وأعلن منذ مدة انه كان أول من حذر من عواقب مساعدة النظام الأردني في احداث ايلول فبراير 1970. وبرر موقفه بالحجة القائلة ان انتصار ياسر عرفات كان الحل المثالي لجعل الأردن الوطن البديل. ولقد كشفت مذكرات هنري كيسنجر واسحق رابين عن لقاءات جانبية عقدت في مرفأ إيلات من أجل تنسيق الأدوار بين واشنطنوعمان وتل أبيب. وتعهدت اسرائيل باقفال حدودها أمام تسلل الفلسطينيين، ثم تدخلت بطائراتها المموهة لمنع 250 دبابة سورية من اختراق حدود الأردن الشمالية بهدف انقاذ المقاومة المحاصرة. والطريف أن عرفات كان ينتظر تحرك القوات العراقية المرابطة في منطقة "المفرق"، ولكن بغداد آثرت الوقوف على الحياد لأسباب غير مقنعة. الآن، يرى شارون ان الظروف مؤاتية لاحياء مشروعه عملاً بالمبدأ القائل: "الحروب الكبيرة تأكل الحروب الصغيرة". خصوصاً وأن المجازر التي ارتكبتها قواته في الضفة الغربية فشلت في حض الفلسطينيين على الهرب، كما حدث عام 1948، ولكنه يراهن على اشتداد الازمة الاقتصادية الخانقة وعلى التباطؤ المقصود في ايصال المساعدات العاجلة الى المنكوبين. ومثل هذه الحال ضاعفت حجم الطوابير الطويلة المنتظرة السماح لافرادها بعبور الجسر الى الاردن. واضطرت الحكومة في عمان الى اقتصار اذونات الدخول اليومي على 170 فلسطينياً باستثناء حاملي بطاقات العبور والهويات الاردنية. والسبب ان عواقب الانتفاضة فرضت انتقال 30 ألف فلسطيني خلال عام 2001. ولقد رزحت الادارة في عمان تحت اعباء الخدمات الاساسية عقب حرب 1991 وطرد اكثر من 300 ألف فلسطيني من الكويت وبعض دول الخليج. هذا اضافة الى انتقال اكثر من 150 الف عراقي وصلوا على دفعات بسبب تفاقم البطالة واشتداد ازمة الحصار الخانق. ومثل هذا الوضع المتقيح يدفع الحكومة الاردنية الى استعجال فرض توصيات لجنة ميتشل بسبب قلّة المصادر المالية من جهة، والحؤول دون تحول الوطن الصغير الى ملجأ سياسي للفلسطينيين، من جهة اخرى. ويبدو ان شارون يراهن على هذا الخيار لاعتقاده بان استخدام الاردن كمنطلق للهجوم على العراق يمكن ان يثير سخط الفلسطينيين الذين يشكلون اكثر من نصف عدد السكان. وهو لا يخفي نيته بأن حكومته لن تساعد الاردن كما فعل موشيه دايان واسحق رابين وغولدا مائير في نزاع 1970، بل هي عازمة على اشعال نار الخلافات بانتظار حسم المواجهة لمصلحة الفلسطينيين. ولقد تصدت الحكومة الاردنية لهذا المخطط بعدما ازالت الشكوك باعلان رفضها استخدام اراضيها كنقطة انطلاق لاي عمل عسكري ضد العراق. كذلك نجح وزير الخارجية الدكتور مروان المعشر في تنفيس الاحتقان الاعلامي يوم طلب من المراسلين والصحافيين المحليين القيام بزيارة القواعد العسكرية للتأكد من عدم وجود قوات اميركية. وهو يلوم الصحف العربية لانها تنقل اخباراً ملفقة نشرتها "نيويورك تايمز" و"ذي اوبزرفر" حول هذا الموضوع. الملك عبدالله الثاني حاول تطمين الرئيس العراقي الى ان اشتراك عمه الامير حسن في مؤتمر الضباط المنشقين في لندن، لا يعكس اي تمثيل رسمي للعرش او للحكومة. ولكن وسائل الاعلام الاميركية والبريطانية تعاملت مع هذا الحدث باهتمام بالغ وركزت في الصفحات الاولى على اظهار الامير الاردني كنجم المؤتمر مثله مثل ابن عمه العراقي الشريف علي بن الحسين. ويرى المحللون ان واشنطنولندن شجعتا الامير حسن على المشاركة لاكثر من سبب: اولاً، لاعطاء الاسرة الهاشمية دوراً كدور الملك الافغاني ظاهر شاه، اي دور عامل الانصهار بين المذاهب والقوى المتنازعة على خلافة صدام حسين. ثانياً، منح الاردن دوراً رئيسياً في حملة التغيير داخل العراق، خصوصاً اذا كان المطلوب منه استيعاب الفلسطينيين داخل حدوده. ثالثاً، اشعار المملكة العربية السعودية بان الولايات المتحدة تشجع عودة الهاشميين الى حكم العراقوالاردن لعل هذه المؤشرات السياسية تساعد على تليين موقف الرياض تجاه المطالب الاميركية المرفوضة. وفي هذا السياق يتوقع شارون ان يأتي الى الحكم في بغداد نظام متعاون يقبل بتوطين ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني. وفي دراسة اعدتها باحثة يهودية تدعى "دونا ايرزت" بطلب من الادارة الاميركية، اقترحت توطين اللاجئين في عدد من الدول بما فيها الولايات المتحدةوالعراق ومصر والسعودية والكويت وسورية ولبنان. واشتمل المشروع الذي اعدته الباحثة على مطالبة الاردن باستيعاب 168 الف لاجئ حتى عام 2005. وكذلك مطالبة سورية بتوطين 75 الفاً ومثلهم في لبنان، اضافة الى توزيع 519 الفاً في مصر والسعودية والكويت والعراق، فضلاً عن 446 الفاً موجودين حالياً في الدول الاربع الاخيرة. وفي زحمة السيناريوهات المتعددة المصادر والاهداف، ظهر سيناريو مضاد طرحه صدام حسين باسلوب اصولي عتيق ابعد ما يكون عن اسلوب معلمه الاستاذ ميشال عفلق ومبادئ حزب البعث العربي. وواضح من استخدامه لغة ابناء "القاعدة" في ذكرى ثورة تموز يوليو 1968 انه ابتعد في تفكيره السياسي عن موقعه السابق بحيث وضعه الحصار في حال من اليأس لا تختلف عن حال ياسر عرفات الذي صرخ مبتهلاً ان يرحمه الله ويجعله شهيداً... شهيداً... شهيداً. * كاتب وصحافي لبناني.