يبدو ان آفة "المقاولات" ضربت في جسم الدراما التلفزيونية، فرحنا نرى ممثلين ومخرجين معروفين بجديتهم، يؤسسون الشركات الانتاجية على عجل، لا لأنهم يعتزمون الانتاج، ولكن فقط من أجل أن يلعبوا دور "المنتج المنفذ"، لمصلحة شركة كبرى أو قناة فضائية مرموقة. والمنتج المنفذ في هذه الحال، ليس سوى مقاول، أو بلغة السوق متعهد، يتكفل بتقديم مسلسل من حلقات محددة ومتفق عليها، في مقابل مبلغ محدد ومتفق عليه أيضاً. قد يقول قائل: وما الخطأ في ذلك؟ مبدئياً، ليس هناك من خطأ، ولا وجود لما يمكن ان يمنع، أما واقع الحال فإنه يشير الى حقيقة أخرى، فالفنان الذي يلعب دور "المنتج المنفذ"، يجد نفسه منذ البداية وقد اكتسب صفة أخرى الى جانب صفته الفنية، ونعني صفة التاجر. هنا يتوجب على التاجر الفنان أو الفنان التاجر لا فرق، ان يحقق القدر الأكبر من الربح، وهو في حال المنتج المنفذ يزداد بتناقص الكلفة الانتاجية، بدءاً من أجور الممثلين، لنكتشف في النهاية انتاجاً تلفزيونياً فقيراً ومتقشفاً، يقوم التصوير فيه على لعبة الاختصار والتقنين، وهي لعبة يضطر المنتج المنفذ معها الى تكليف الممثل الأقل أجرة - بغض النظر عن كفايته وملاءمته للدور - وكذلك الى اختصار أماكن التصوير الى أقل حدود ممكنة، الأمر الذي يفسّر لنا ازدياد المسلسلات التاريخية التي لا ترى الشمس، بل تنحصر تقريباً في الغرف المغلقة، ويتعاظم فيها دور الحوار الى حدود مملّة. يمكن ادراك خطورة هذه اللعبة، حين نتذكر ان المنتج العربي، هو أصلاً منتج معتر، فكيف إذا أضيف اليه "رابح" آخر من العملية الانتاجية؟ النتيجة ان الاثنين سيتحالفان على العمل الدرامي ذاته، والذي لن تبقى منه سوى قليل من اللحم والجلد على عظامه الواهنة أصلاً. هذه الحال المرضية تجد تعبيراتها في سلسلة لا تنتهي من الأمراض الأخرى، خصوصاً لجهة اثارة الخلافات والتناقضات بين الفنانين، في صورة جعلت وتجعل الانتاج الدرامي التلفزيوني أسير "الشللية" والتحالفات النفعية الضارة، ناهيك بالمضاربات في سوق المحطات، في صورة عنيفة. والمنتج عموماً حين يكون ممثلاً يجد نفسه في موقع القرار، فيتصرف كمن يود ان ينتقم من الأيام الماضية. هنا تتركز مهمته في انتاج أعمال درامية يكون هو بطلها في صورة مستمرة، حتى ولو لم تتلاءم شخصيتها الرئيسة معه فنياً وفيزيولوجياً، فهذه وتلك ليست مهمة، المهم انه هو صاحب القرار، وهو من بإمكانه وضع اسمه في المكان الذي يريد وبالحجم الذي يعجبه. نقول ذلك، ولا نعني بالتأكيد كل الفنانين المنتجين، ولا حالاتهم الانتاجية كافة. إذ يحدث ان يطمح أحد الفنانين الى تقديم انتاج درامي جدي، قد لا يتوافر في السوق، وقد يطمح فنان آخر ان يعلب دوراً بعينه. هذه وتلك حالات يمكن ان تقع، ولكنها لا تنفي السمة العامة التي تطبع غالبية ما يحققه الفنانون من انتاج يحمل أمراضه وعيوبه.