سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
دور الأردن لن يعود مركزياً في سوق عراقية منفتحة على العالم . الاقتصاد الأردني يتخوف من الكلفة الحتمية المترتبة على تغير النظام العراقي وتحالفاته الاقليمية
يتجنب كبار المسؤولين الأردنيين في تصريحاتهم الحديث علناً عن "عراق ما بعد الرئيس صدام حسين"، إلا أن ثمة شعوراً يسود العاصمة الأردنية بأن العلاقة التقليدية التي حكمت السوق الأردنية بالسوق العراقية مقبلة على تغير جذري، في ضوء الانفتاح الذي سيشهده العراق بعد الحرب المقبلة وتحرره من أغلب القيود التي حكمت مبادلاته وعلاقاته الاقتصادية مع العالم الخارجي منذ نهاية الستينات. يقول الخبير الأردني، الدكتور يوسف منصور ل"الحياة" إن الاهتمام الدولي بدور الأردنينبع من كونه محطة توازن وسط الاضطرابات الاقليمية، لكنه سيحتاج حتماً إلى إعادة رسم دوره في ظل النقلة المحتمة التي سيعرفها دور العراق الاقليمي، في حال وقعت الحرب. ويؤثر الاقتصاد العراقي على الاقتصاد الأردني في شكل مباشر، إذ يعتمد الأردن على النفط العراقي الذي يستهلك منه نحو 45 مليون برميل سنوياً ثمنها 800 مليون دولار، نصفها يقدمه العراق مجاناً، والنصف الآخر بأسعار تقل خمس دولارات للبرميل عن سعر السوق الدولية. ويثير هذا الأمر أهمية كبيرة "في حال وقوع الحرب وتغيير النظام"، كما يقول منصور، "لأن تغيير النظام سيغير حتماً نوعية العلاقات السياسية التي سينسجها العراق مع محيطه الاقليمي المباشر، بما في ذلك الأردن، وهذا سيغير أيضاً طبيعة علاقاته التجارية لأنه سيعود، كما كان في السابق، سوقاً مفتوحة على كل الأسواق الدولية". وشكل العراق الحديث باستمرار سوقاً تجارية للأردن، ومعبراً تتدفق اليه الواردات عبر ميناء العقبة الذي يعتبر رئة العراق ومنفذه الى البحر الأحمر. وازداد هذا الاعتماد بسبب تعطل حركة الملاحة إلى ميناء البكر على الخليج العربي خلال الحرب مع ايران في الثمانينات، لتتبعه العقوبات الدولية المفروضة منذ 12 عاماً. يضاف الى ذلك أن العراق تخلف منذ السبعينات عن الاستفادة من بقية الأسواق الاقليمية في محيطه، بسبب النزاعات السياسية أو العسكرية التي نشبت مع جيرانه، في وقت بلغت أسواق هذه الدول قدراً من النضج لم ينعكس على طبيعة المبادلات بينها وبين العراق. وقال منصور، وهو الممثل المقيم لبرنامج الأممالمتحدة الانمائي في الكويت: "العلاقة بين الأردنوالعراق ستستمر، ولكن ليس من خلال البروتوكولات التجارية السابقة التي كانت تمليها الحاجة على العراق، بل وفق أسس تنافسية يتسابق فيها الأردن مع دول المنطقة كسورية ومصر ولبنان، والسعودية التي ستجد سوقاً كبيرة في العراق لمنتجاتها المتنوعة، بعدما باتت اليوم من الدول المصدرة للمواد الغذائية المصنّعة". وكان العراق العام الماضي المستورد الأول في العالم العربي للسلع الأردنية، إذ بلغت قيمتها 230 مليون دولار، بما يعادل 9،11 في المئة من اجمالي الصادرات الأردنية. وواصلت هذه النسبة ارتفاعها منذ مطلع السنة الجارية لتصل الى 19 في المئة، في وقت يستحوذ العراق على نسبة 14 في المئة من اجمالي واردات الأردن. ويثير احتمال انفتاح العراق شرقاً باتجاه وسط آسيا وتركيا، بعيداً عن محيطه العربي قلق الأردن أيضاً. وقال منصور: "إذا كان النظام الجديد على علاقة مميزة مع ايرانوتركيا فستتغير حتماً طبيعة العلاقات التجارية في المنطقة، لأن سوق ايران لا يُستهان بها، وكذلك الحال مع سوق تركيا، ومن شأن ذلك أن يتيح للعراق فرصة إحياء خط الحرير القديم، ليتحول الى محطة عبور بين وسط آسيا والشرق الأوسط، وربما على حساب علاقته بالأردن". وأضاف: "هذه لها اعتبارات لا بد من أخذها في الاعتبار حينما نحاول استقراء ما قد يحدث في المنطقة، بعد انتهاء النزاع العسكري المتوقع". ويبدي محللون اقتصاديون أردنيون تشاؤمهم من احتمال تحول العراق الى منافس مباشر للأردن في الاستفادة من ثمار السلام التي راهن عليها من قبل، ويقولون إن المعونات الاقتصادية الدولية التي حظي بها الأردن من قبل قد تنضب بعد تغير السلطة في بغداد. أما اسرائيل التي توقع الأردن أن يقطف ثمار تعاونه معها اقتصادياً فهي حتماً ستحول استثماراتها الشحيحة الى العراق، لأنه سيكون ممتلكاً لمزايا تفاضلية على صعيد اليد العاملة المدربة الرخيصة والأرض الزهيدة الكلفة، علاوة على سوقه الداخلية الكبيرة. ويؤكد محللون آخرون استبشارهم بالنتائج التي سيحصل عليها الأردن في حال تغيرت السلطة في العراق. ويبدي الدكتور منتصر العقلة الذي سبق أن تولى الاشراف على برامج التخصيص في الأردن تفاؤله ل"الحياة" بمرحلة ما بعد صدام، معتبراً أن "المملكة الهاشمية ستشهد انتعاشاً نتيجة انفتاح السوق العراقية على البضائع الأردنية". ويبرر موقفه بالاشارة إلى أهمية العاملين الجغرافي والثقافي وتقدمهما على التحولات السياسية، مشيراً إلى أن "الأردن أقرب الموردين الى السوق العراقية ليس من ناحية المسافة فقط بل من ناحية الثقافة المشتركة"، ومتوقعاً "استمرار ضخ النفط بأسعار مخفضة كمؤشر على طبيعة النظام الجديد في علاقاته مع جيرانه". ويتوقع الأردنيون بقاء القوات الأميركية في العراق لفترة طويلة، ومعها تركز الأعمال والصفقات الأميركية في السوق العراقية. وقال أحد المحللين: "الوجود الأميركي في العراق مهم، ومعرفة الأميركيين بالسوق الأردنية عامل مساعد، وهي ستحيي حتماً الأوضاع الاقتصادية بين العراقوالأردن". ويعتبر العقلة التعامل مع "سيناريو ما بعد اسقاط نظام الرئيس صدام حسين وانعكاساته على الاقتصاد الأردني أمراً موضوعياً بعيداً عن الأهواء". ويضيف: "لا بد من النظر إلى الأمر على المدى القصير والمتوسط والبعيد. فعلى المدى القصير سيعاني الأردن اقتصادياً، لأن المتوقع سيادة حالة من عدم الاستقرار. ولكن على المدى المتوسط سيحدث نوع من الاستقرار وتبدأ العلاقات الاقتصادية بين الأردنوالعراق بالازدهار تحفزها عوامل الجوار والخبرة السابقة بين قطاعي الأعمال بين البلدين، ووجود قنوات تقليدية للتبادل لا بد أن تستيعد نشاطها بسرعة ما أن يهدأ أوار الحرب، وهذه العلاقات بنظري لن تتأثر كثيراً بالعمليات الحربية". ويتابع قائلاً: "على المدى البعيد سيشهد التكامل الاقتصادي الأردني - العراقي نقلة نوعية، والسبب هو أن النظام الذي يسعى الأميركيون الى تنصيبه في بغداد سيتأثر بنمط العلاقات الاقليمية التي سينسجها الأميركيون في المنطقة". وبغض النظر عن صحة التقديرات المتشائمة والمتفائلة فإن الأوساط الأردنية لا تكتم خوفها من احتمال تأثر بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من غيرها، لا سيما الصناعات التحويلية والتصنيعية. وهي تبرر موقفها بهذا الخصوص بأن جودة كثير من الصادرات الأردنية الى العراق متدنية في صورة تمنع تحويلها للتصدير الى أي سوق أخرى، سواء في دول الجوار أو الأسواق البعيدة. وهذه المنتجات التي تخلو من الميزات التنافسية يتم تبادلها مع العراق ضمن البروتوكول التجاري الموقع بين البلدين، والتي لا تعدو كونها في نهاية المطاف اتفاقاً للمقايضة، قد لا يرغب النظام الجديد في تحمل أعبائه في مرحلة إعادة التعمير المكلفة التي سيقدم عليها.