على رغم ان ما أثاره أ. صلاح الجورشي، وهو ناشط تونسي بارز في مجال قضايا المجتمع المدني والحريات، ينطبق في كثير منه على عدد كبير من الدول العربية، بنفس الحيثيات التي وردت في تحليله "الحياة" في 9/8/2001، إلا أن الوضعية التونسية في ما يخص نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان والفاعلين في مجال الحريات العامة ما زالت تتسم بخصوصية اشتعال هذا الصراع بين النشطاء والسلطات التونسية وحركيتها. والتحليل الخاص بالحالة التونسية يفتقد الى شمول الرؤية الى الأسباب وراء دفع نشطاء حقوق الإنسان الى مقدمة حلبة الصراع السياسي والاجتماعي، ليس في تونس وحدها بل في كثير من الدول العربية. وهذا التحليل الخاطئ ناتج عن قصر اشكال وأدوات عناصر الصراع داخلها وفي ذاتها، بمعزل تام عن التأثير الخارجي الذي أصبح حصان طروادة في دعم المجتمع المدني والنشطاء أمام الهجمات الحكومية من ناحية، وعن المد العالمي الضخم وتعاظم دور المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان. لكل هذه الأسباب التي أثرت على هذا المد اعلامياً وسياسياً بطريقة أصبح معها من المستحيل حل هذا الصراع بين الحكومة والمجتمع المدني على الطريقة السورية أو الليبية أو العراقية بل على نقيض ذلك لعب المد العالمي والانساني الكبير دوراً حاسماً في صد هذه الطريقة النموذج السوري. وما يحدث في تونس من نشاط ملحوظ لهياكل المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان يحدث مثله في مصر والمغرب ولبنان والأردن وفلسطين والجزائر وغيرها. وذلك لا يعني خصوصية تونسية. ولم يكن ضمور الأحزاب السياسية والقوى المجتمعية الأخرى هو السبب الوحيد والمباشر في تفعيل المجتمع المدني، بل هناك أسباب أخرى كثيرة تقاطع فيها الداخل والخارج، ومن أبرزها انهيار المعسكر الاشتراكي بمنظومتيه السياسية والاجتماعية، ما دفع عناصر كثيرة من داخل تلك المنظومة، الى عناصر أخرى كثيرة من خارجها، الى العمل على احياء التوازن المفقود الذي أحكم قبضته على العالم لفترة زمنية ليست قصيرة... ويمكن الإشارة الى ان الصديق صلاح الدين الجورشي لم يرد، في تحليله بواعث تلك الفاعلية في المجتمع التونسي، بما فيها تراجع الأحزاب السياسية والنقابات وزيادة نشطاء المجتمع المدني، الى تراجع الخطاب السياسي للقوى المختلفة، سواء كانت اسلامية أو يسارية، والى تعاظم الخطاب الحقوقي في شكل متزايد ومطرد، وهذا في اعتقادي احد العوامل الخارجية التي أعطت نفس النتائج في دول أخرى. ففي مصر مثلاً تهاجم بعض القوى السياسية، بما في ذلك المعارضة والمستقلة منها، منظمات حقوق الإنسان المصرية لتصورها، انها تمثل بديلاً سياسياً واجتماعياً لها، وتحاول ان ترمي أسباب ضعفها ووهنها وعجزها عن الفعل عليها بعد تعاظم النشاط الحقوقي الذي انعكس بدوره على مسار التوجه التشريعي والتنفيذي في الدولة المصرية. وبدورنا لا نغفل على الاطلاق التضحيات والمعاناة التي يعيشها نشطاء حقوق الإنسان في تونس بسبب انتماءاتهم الحقوقية والسياسية، ولكن متصلة في مسار مستقيم بالتأثيرات الخارجية، وذلك بفعل ثورة الاتصالات والتغيير النسبي في مفهوم المعلوماتية والاتصال المباشر مع الحركات الحقوقية الخارجية. وعلى رغم عناد السلطات التونسية وارتكابها تجاوزات كثيرة في حق نشطاء حقوق الإنسان ورموز المجتمع المدني، إلا ان النتيجة الحتمية الوحيدة لما يحدث، ان تلك السلطات وغيرها لا بد لها من ان تستجيب للتوجه العالمي في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. حجاج نايل المدير التنفيذي للبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان