"محلة الجياد" قرية غير عادية، الشوارع فيها تحمل أسماء والدور أرقاماً، وحينما تشتد وقدة الحر في القيلولة تدور عربات تجرها بغال حكومية ترش تراب الأرض بالماء، وعمدتها الذي يحمل رتبة "بك" رأس أسرة مقدارها خمسة وعشرون ألفاً من أربعين ألف نسمة هم جملة سكان البلد. هذا هو الظاهر البهيج لهذه القرية التي تدور فيها أحداث رواية "المهدي" القصيرة التي فرغ عبد الحكيم قاسم من كتابتها في الرابع والعشرين من شهر ايلول سبتمبر سنة 1977 في برلين الغربية التي أقام فيها مدّة طويلة، وقد نشرت للمرة الأولى - مع رواية قصيرة أخرى هي "خبر من طرف الآخرة" - في كتاب واحد، بعنوان "روايتان" عن "دار التنوير" في بيروت سنة 1982، وأعيد طبعها للمرة الثانية في كتاب "الهجرة إلى غير المألوف" وهو مجموعة قصصية، صدرت عن "دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع" بالقاهرة سنة 1986. ولكن هذا الظاهر البهيج للقرية سرعان ما يختفي عندما نعرف من العم علي أفندي أن أسرة المشرقي، وهي أسرة العمدة التي يرنّ صيتها في البلاد، تخاصمها على العمودية من دون أمل أسرة البيومي المشاكسة الشرسة. ولذلك أصبحت الحرب سجالاً بين الأسرتين، وانطوت القلوب على الحقد والضغينة، فما يكاد يمر يوم إلا ويسقط قتيل أو تسمم ماشية أو تحرق دار، أو يقلع زرع. وترتَّب على ذلك أن أصبحت أنفاس العنف تزلزل البلد ليل نهار، يزيد من إشعالها تزايد فقر الفقراء الذين تدفعهم الفاقة إلى العنف الذي تتجاوب أصداؤه في الأرجاء المجاورة، ولم تستطع الحكومة كبحه. وكان ذلك هو المناخ الذي وجدت فيه "شعبة الإخوان المسلمين" ما يبرر وجودها، ويبرّر دعوتها إلى تغيير الأحوال، وتحويل القلوب إلى الإسلام، وجعل الغل والحرد غيرة على الدين، وألبست الشبان ملابس الجوالة، واستبدلت بالصراخ والشجار الهتافات الدينية المدوّية من مثل "الله أكبر ولله الحمد". هكذا، أصبح عنف الناس منظّماً وموجّهاً، تبرر نظامه وتوجهاته تأويلات لمجموعة دينية محددة، مجموعة تستبدل بمؤسسات المجتمع المدني تجمعاتها الخاصة، وتحل محل الدولة المدنية في كل ما تراه يمس مصلحة الجماعة التي لا تعرف الاختلاف، ولا تقبل المختلف أو تسمح له بحق الوجود المغاير أو الحضور. وتتصاعد الأحداث عندما يأتي إلى القرية المعلم عوض الله عوض الله. وهو صانع شماسٍ، قبطي، اضطره عسر الحال في مدينة طنطا، نتيجة ضآلة العمل، إلى مغادرة غرفته الصغيرة، والانطلاق إلى القرى المجاورة بحثاً عن لقمة تطعمه وزوجته وطفليه، وحائط يأويه، إلى أن يجد فرجاً، خصوصاً بعد أن سُدَّت السبل في وجهه، وأجبره الإيجار المتراكم لأشهر عدة على مغادرة غرفته التي كان يسكنها وأسرته، تاركاً أوانيه النحاسية وفاء لبعض دينه لصاحبة المنزل الطيبة "الست جبونه". وظل يمشي على الطريق الزراعي إلى أن حطّ رحاله في قرية "محلة الجياد" منتظراً الرزق الضنين من الفلاحين الذين يخافون الوقوع في حبائل أبناء المدينة. وعلى مشارف القرية، قابله "العم علي أفندي" كاتب المجلس القروي، وهو رجل طيب القلب ينطوي تديّنه على نوع من التصوف العملي لا يفارقه التسامح أو الرحمة، فتجاذب مع "المعلم عوض الله" أطراف الحديث، وعرف مأساته، فأصرّ على دعوته إلى منزله، واستضافته إلى أن يجد لأزمته مخرجاً. وقبل الرجل الدعوة مرغماً بعد أن أنهكه التجوال، وأتعبه الجوع، هو وزوجته وطفلاه اللذان امتلأ جسداهما بالدمامل. ولم يتردد "العم علي" في طلب عون "الأخ طلعت" المشرف على "شعبة الإخوان" في القرية، بحثاً عن مأوى يؤوي عوض الله وأسرته، فتحمس "الأخ طلعت" للأمر، مؤكداً أن واجبهم البر بأهل الذمة، واستئلاف قلوبهم للإسلام. ويوافق العمدة على منح دار خالية يملكها للعم عوض الله، بعد وساطة العم علي والأخ طلعت اللذين أسلم لهما المعلم عوض الله أمره تماماً، خصوصاً بعد أن بلغ منه الإعياء مبلغاً، وأمسكت الحمى بتلابيب جسده، وأخذت كوابيسها تقتحمه، محطّمة إياه، سالبة لبَّه، فلم يعد قادراً على فعل شيء سوى الانصياع إلى أوامر "الأخ طلعت" ومجموعة الشبان الضخام التي تحيط به، والتي قدمت إليه - في داره الجديدة - كتاب القرآن تأليفاً لقلبه، مع مجموعة من مذكرات حسن البنا الداعية الأول للإخوان المسلمين، وكتاب "من هنا نعلم" للشيخ محمد الغزالي، فضلاً عن استمارات المحاسبة التي يكتب فيها الإنسان كل ما يفعل في يومه، مستغفراً ربه على ما يمكن أن يكون قد أساء فيه. ولم يسأل أحد نفسه: هل يرغب الرجل، حقاً، في أن يكون من المؤلَّفة قلوبهم للإسلام، أم أنه يساير الذين تحلّقوا حوله خوفاً منهم، أو حاجة إليهم، أو حتى من دون وعي منه نتيجة الحمى التي أخذت وطأتها تتزايد عليه من دون أن يهتم بصحته أحد. أما رجال الشُعبة من أتباع "الأخ طلعت" فلم يكن يشغلهم إلا هداية هذا البائس الفقير المريض إلى الإسلام، وإعلان إسلامه في احتفال كبير، وذلك بعد إشهار إسلامه رسمياً في المحكمة الشرعية بمدينة طنطا. وكان لهم ما أرادوا، وأعدوا للاحتفال كل شيء، كي يطوفوا بالقرية كلها في موكب كبير، يحضره ممثلو الإخوان من كل مكان، وينتهي الموكب إلى المسجد لصلاة الجمعة، مصطحبين المعلم عوض الله الذي أصبح اسمه "الشيخ عوض الله المهدي" على حصان أبيض. ولم يهتم أحد، مع تصاعد الحماسة المتطرفة التي أبداها "الأخ طلعت" بأن الرجل زائغ العينين وأن الحمى قد أفقدته وعيه. وعندما يلفت الراوي انتباه الأخ طلعت إلى أن الرجل يبدو مريضاً، شديد الشحوب، تكون إجابة الأخ طلعت: "لقد أضاء الإيمان قلبه". أما المعلم عوض الله فقد غاص في بئر عميقة من هلاوس الحمى، وبدا كما لو كان قد وقع في شبكة الأخ طلعت كالفأر الذي سقط من السقف، فأصبح رجلاً من أهل الذمة يراد تأليف قلبه للإسلام، وأصبح إدخاله إلى الإسلام أولاً أهم من العناية بصحته ومعالجة الحمى التي تقتله تدريجاً، بل تفقده الوعي إلى الدرجة التي أخذ يتقمص معها شخصية المسيح قبيل صلبه، في موازاة رمزية لا تخطئها العين، وينطق جملاً من كلمات المسيح الأخيرة عن الساعة التي يتمجد فيها الابن، حين يسلم إلى أيدي الطغاة. ويمضي الحال على هذا المنوال، لا يهتم أحد بتدهور الوضع الصحي للرجل الذي صرعته الحمى. وحتى عندما يهمس أحد شبان الإخوان إلى "الأخ طلعت" مرعوباً: "إن الرجل مريض، إنه في الحقيقة يموت" فإن الأخ طلعت يتجهم وجهه، ويرد بصوت حاسم: "لا بد أولا أن يتم الاستعراض الذي تنتظره حشود الإخوان، وبعد ذلك أيها الأخ سوف نعرضه على طبيب". ويتعاون ثلاثة من شبان الإخوان الأشداء على إلباس الرجل ملابسه، ويحوطه الثلاثة الذين أسلمهم جسده دون أدنى معارضة وهو يرتعد. ويندفع الجميع إلى الموكب الصاخب، الهائج، العنيف، واضعين المريض الغائب عن الوعي على فرس العمدة البيضاء التي أمسك بزمامها أحد الشبان الثلاثة، بينما تولى زميلاه تثبيت المريض على ظهر الفرس من كلا جانبيه. وتمضي الفرس بالضحية المصلوبة عليها إلى حتفه المنتظر، لا يأبه أحد بدلالة وجهه الأحمر، أو فمه المزبد، أو العينين الزائغتين اللتين لا ترىان إلا ما تصوره لهما الحمى. وحينما ينزلونه عند باب المسجد، ينكفئ على وجهه فاقد الوعي تماماً، فيصرخ الناس في جنون: "لقد مات المهدي". وتتعالى الهتافات المدوية، لكن من دون أن ينتبه أحد إلى زوجة الضحية التي تسللت وسط الجموع، وألقت بنفسها على زوجها المهدي!؟ وأخذته في صدرها، وهي تصلي في حرقة: "باسم الرب يسوع المسيح". وترسم على صدرها علامة الصليب. هذه هي رواية المهدي التي أفسدتها بتلخيصي الذي قد لا تكون هناك ضرورة له. ولكنه - على الأقل - يصلح لأن يكون مدخلاً إلى تحليل هذه الرواية التي أراد بها صاحبها أن تكون احتجاجاً على بداية تصاعد تطرف الجماعات الدينية في مصر، وجنوحها إلى العنف تأكيداً لحضورها السياسي، وفرضاً لتأويلاتها التي لا تقبل الاختلاف ولا تعترف بوجوده أصلاً. وكانت اعتداءات هذه الجماعات على المجتمع المدني في مصر قد بدت واضحة تماماً في عيني عبد الحكيم قاسم، عندما كتب روايته أواخر العام السابع والسبعين، أثناء غيابه عن مصر وإقامته في ألمانيا، بعد أن أرّقته أخبار هذه الجماعات وما سمع عن تصعيدها العنف الذي بدأته جماعة الفنية العسكرية شباب محمد سنة 1974، وذلك في المتوالية التي وصلت إلى جماعة التكفير والهجرة سنة 1977، السنة نفسها التي فرغ عبد الحكيم قاسم في نهاياتها من روايته الرافضة لتطرّف هذه الجماعات وجنوحها إلى العنف، والسنة نفسها التي انتهى فيها تحالف السادات والجماعات الإسلامية في أعقاب زيارته القدس، ومن ثم توتر العلاقات بين هذه الجماعات والدولة، إلى أن انتهى الأمر باغتيال السادات سنة 1981. وتفعل ذلك رواية عبد الحكيم قاسم بادئة بأمرين غير منفصلين. أولهما أن الروائي - في "المهدي" - يعود إلى عالم القرية الذي هو أعرف به، مؤكداً خطورة الدور الذي تقوم به جماعات التطرف الديني في القرى قبل المدن، أو في علاقة القرى بمراكز هذه الجماعات في المدن. والنقلة التي تتحرك بها هذه الجماعات بين القرية التي تجرى فيها الأحداث بمحافظة الغربية، ومدينة طنطا عاصمة المحافظة، والقاهرة عاصمة القطر، هي نقلة بين فضاءات يعرفها كل المعرفة المؤلف المضمر الذي يتقمص شخصيته الراوي ويحكي على لسانه. وكما يعرف هذا المؤلف المضمر عالم القرية الذي ولد فيه، وانطلق منه، وكتب عنه، فإنه يقوم بالتركيز على جماعات "الإخوان المسلمين" من دون غيرها، وذلك بوصفها - أولا - الجماعة الأم التي ابتدأ منها أو تفرعت عنها، أو تولدت في موازاتها، مجموعات التطرف الديني اللاحقة. وكان ذلك في السياقات التاريخية التي بدأت بتأسيس حسن البنا لجماعة "الإخوان المسلمين" في مدينة الإسماعيلية سنة 1926، حيث كان يعمل، وذلك قبل انتقال الجماعة إلى القاهرة سنة 1932 وبداية اتساع نفوذها، واستمرار هذا الاتساع إلى أن انقطع نتيجة الاصطدام بالعهد الناصري، ثم العودة مرة أخرى إلى النشاط العلني مع الانقلاب الساداتي على العهد الناصري. وقد عرف عبد الحكيم قاسم المختفي وراء شخصية الراوي جماعة الإخوان المسلمين في شبابه الباكر، وانضم إلى إحدى شعبها في مدينة طنطا أيام دراسته الثانوية، كما يقول على لسان الراوي الذي هو إياه، ولكنه لم يستمر فيها طويلاً، نتيجة نفوره - في ما يبدو - من عنف الدعوة إلى دين يأمر بالسماحة والمرونة والتعاطف. وانقطعت صلته بالجماعة نهائياً عندما ذهب إلى الجامعة في مدينة الإسكندرية واستهل عهداً جديدا من الوعي المعرفي والخبرة اليسارية، والإدراك العميق بضرورة المجتمع المدني القائم على معنى التنوع وحق الاختلاف وحرية التفكير. ولم يكن مصادفة - والأمر كذلك - أن يحافظ الراوي - في "المهدي" - على الاسم القديم الذي ظهر به في رواية "أيام الإنسان السبعة" وهي الرواية الأولى التي قدمت عبد الحكيم قاسم للحياة الثقافية العربية خير تقديم. ولكن "الولد عبد العزيز" - قناع عبد الحكيم قاسم - في روايته الأولى الذي بدأ صغيراً بريئاً "أيام الإنسان السبعة" التي يمكن أن نعدها رواية من روايات السير الذاتية أو النشأة في الوقت نفسه أصبح شاباً جامعياً ناضجاً واعياً في رواية "المهدي"، ينتقل ما بين قريته التي ولد فيها وقرية "محلة الجياد" بحيلة روائية ذات صلة بعمه "علي" الذي استقر في قرية "محلة الجياد" التي عمل كاتباً بمجلسها القروي. وهي حيلة تتيح للراوي أن يتابع الأحداث التي شاهدها، أو سمعها، أو التي اضطر إلى أن ينسحب منها، كما تتيح له في الوقت نفسه تأكيد معرفته بالمشرف على شعبة الإخوان المسلمين الذي كان معه في المدرسة الثانوية بمدينة طنطا، عاصمة المحافظة التي تجمع بين "محلة الجياد" وقرية الراوي الأصلية القريبة من طنطا، مستقر السيد البدوي الذي تهفو إليه قلوب "إخوان الطريق". وليس ببعيد عن هذا السياق، استعادة ما كان في "أيام الإنسان السبعة" من ممارسات "إخوان الطريق" التي انتسب إليها الحاج كريم، والد عبد العزيز، تلك الجماعة الصوفية التي يندفع أصحابها إلى نجدة الملهوف، ومعاونة المحتاج، ورعاية المريض، متميزين بتسامحهم النبيل، وإيمانهم العميق بأن رحمة الله تسع كل شيء، وأن ملكوته الرحيم يقبل كل عباده بلا تمييز، وأن زهدهم ليس انعزالاً عن الدنيا، أو تعالياً على أقرانهم، وإنما محاولة متواضعة لاستشراف عالم آخر، وراء عالم الحياة اليومية المحدود، عالم لا نهائي، يفجِّر الأشواق ويزحم القلوب بالوجد، ويغمر النفوس بالرضا والحبور.