المملكة تستضيف "معرض التحول الصناعي 2025" في ديسمبر المقبل    البديوي : اقتحام وزير قوات الاحتلال وعددٌ من المستوطنين المتطرفين المسجد الأقصى انتهاكٌ صارخٌ للمقدسات الإسلامية    أمطار رعدية على عدد من مناطق المملكة    جمعية إحسان بجازان تكرم متطوعيها المتميزين في شهر رمضان    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    هيئة الهلال الأحمر بالشرقية تكثف جهودها خلال عيد الفطر 1446ه    مصادرة العديد من الفواكة الغير صالحة للاستهلاك بمنطقة عسير    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى الاثنين المقبل    المملكة تدعم أبطال ذوي التوحد    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    أخضر السيدات يدشن معسكر الدمام ويواجه سريلانكا وهونغ كونغ    "التجارة": نفاذ نظاميّ السجل التجاري والأسماء التجارية اعتباراً من اليوم    في افتتاح كأس آسيا بالطائف .. الأخضر السعودي تحت 17 عاماً يواجه الصين    احتفالات مركز نعام بعيد الفطر المبارك 1446ه    القادسية يتغلّب على الرائد ويتأهل لنهائي كأس الملك    قمر صناعي صيني لبث الإنترنت    عون: العالم العربي وعلى رأسه السعودية رئة لبنان اقتصادياً    الدولار يتراجع بنسبة 1% أمام اليورو إثر إعلان ترامب بشأن الرسوم الجمركية    العثور على «صقر الأسياح» في العراق    فرحة العيد    عيد الشعبة غير    ماذا عن هؤلاء يا لجنة الاستقطاب؟!    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر    بماذا أعددنا ل«يونيو»؟    هل هناك حاجة لزيادة عدد الفرق؟    مجمع الملك سلمان يُطلق برنامج «شهر اللغة العربية» في إسبانيا    تشهي التخطئة    المملكة توزّع 467 سلة غذائية في مدينة بيروت بلبنان    هيئة العقار تدرس وضع حد لرفع الإيجارات    جناح مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في بولونيا يحظى بإشادة الزوار الإيطاليين والمبتعثين    الرياض تحتضن منتدى الاستثمار الرياضي 2025 الاثنين المقبل    السفير الرقابي يقيم حفل استقبال ويشارك رئيس الجمهورية بصلاة عيد الفطر المبارك    فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    ترحيب سعودي باتفاق طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان    طيفُ التوحدِ همٌ أُمَمِي    نواف بن فيصل يُعزّي أسرة الدهمش في وفاة الحكم الدولي إبراهيم الدهمش    رجال أعمال صبيا يسطرون قصص نجاح ملهمة في خدمة المجتمع وتنمية الاقتصاد المحلي    مدرب الشباب ينتقد التحكيم عقب الخسارة أمام الاتحاد    العيد يعزز الصحة النفسية    8 دول في أوبك+ تجتمع الخميس وتوقعات ببدء خطة رفع الإنتاج    تجربة سعودية لدراسة صحة العيون في الفضاء    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جوارديولا يُعلن مدة غياب هالاند    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    "أمانة الطائف" تنهي استعداداتها لعيد الفطر المبارك    جمع مهيب في صلاة عيد الفطر في مسجد قباء بالمدينة المنورة    إدارة المساجد والدعوة والإرشاد بمحافظة بيشة تُنهي استعداداتها .    مختص ل «الرياض»: 7% يعانون من اضطراب القلق الاجتماعي خلال الأعياد    ترامب: لا أمزح بشأن سعيي لفترة رئاسية ثالثة    وسائل إعلام: ترامب يعتزم زيارة السعودية في منتصف مايو    إنجاز إيماني فريد    عيد الدرب.. مبادرات للفرح وورود وزيارات للمرضىع    بين الجبال الشامخة.. أبطال الحد الجنوبي يعايدون المملكة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آل بوش وايديولوجيا اليمين الاميركي . دبليو في العالم : توازن القوى المحض ... واحتقار السياسة والديبلوماسية الأخيرة
نشر في الحياة يوم 09 - 06 - 2001

لا شك ان كبر العالم وضخامته مشكلة بذاتها عند دبليو. والرئيس، الأبرشي الأفق، اطلق عبارات عدة تشي بحيرته المشوبة بالتذمر حيال هذه المساحات المسكونة بالتعقيد. لكن شيئاً في تجربة ابيه أضيف الى البَرم المؤسَس فيه. فالوالد حين عيّنه نيكسون مندوباً في الأمم المتحدة، عام 1970، أُخذ عليه ما يؤخَذ اليوم على نجله جهلاً ونقصاً في التجارب. غير أنه "تعلم بسرعة" واشتُهر بإلمام بالسياسة الخارجية حسده عليه كثيرون من الساسة. وإبان رئاسته نجح في الخارج وفشل في الداخل، الا أن النجاح لم يترك أثراً في النتيجة الانتخابية. هكذا رسب جورج الأب فيما كان خصمه كلينتون يقول: "انه الاقتصاد يا غبي".
هذه السيرة الموجزة يمكن استخلاص عبرة منها هي ان الجهل بالعالم لا يضرّ فيما المعرفة به لا تنفع. وهي عبرة شعبوية أخرى تجد موقعها الجاهز في ترسيمة الافكار التي اعتنقها دبليو حيث تحل الاستباحة الكسولة محل الجهد الدؤوب. فمثلما اندرجت أراضي الآخرين، أميركاناً وغير أميركان، في "ما ليس لنا" وجاز بها العبث تالياً، اندرج الآخرون أنفسهم في "البربري". والآخر البربري لا يتطلّب جهداً في تعقّله إذ هو بربري قدر ما الشيطان رجيم، وكفى.
لذا ما أن أنشب دبليو مخالبه بالبيت الأبيض حتى أطلت المشكلات تباعاً. مع روسيا، قضية التجسس. مع الصين، طائرة التجسس. مع أوروبا، بروتوكول كيوتو. مع العالم كله تقريباً، درع الصواريخ. وظهر كأننا أمام ادارة يدها على الزناد لردع كل من تسوّل له نفسه أن يلهو. وهذه من صفات الضعفاء الذين سريعاً ما تنهار مناعاتهم الهشّة. فالثور الذي يدخل الحلبة مهتاجاً من قبل ان يرى الراية الحمراء، ربما كان أكثر الثيران خوفاً من المصارع، وهو بالتأكيد أسرعها تعرضاً للطعن.
الديبلوماسية وتوازن القوى
ودبليو خائف فعلاً من العالم لأنه لا يفترضه الا صغيراً مباشراً، ولا يتصوّر وسيلةً في التعامل معه الا القوة. هنا نفهم الموقف المزدوج: عدم الثقة بالديبلوماسية، واشتقاق الكون من توازن القوى. ولا أدلّ من الدرع الصاروخي على هذا. ف"الدول المارقة" مارقة فعلاً. الا ان الادارة الجديدة لم تدخل، ولو لحظةً، مغامرة الديبلوماسية معها. لم تحاول اقناعها او اغواءها او اغراءها، ولم توحِ بأنها تكره الحرب وتتجنبها فلا تتورّط فيها الا بعد انسداد الأبواب جميعاً. لقد تصرفت كأنها حسمت اصلاً لصالح التصعيد. وحتى حين حاولت كوريا الجنوبية، مثلاً، ملء هذا الفراغ حيال كوريا الشمالية، فطوّرت حوارها معها، ضغطت واشنطن لتعطيل الحوار. وحين شاءت اوروبا ان تتدخل وتدفع الامور الى التهدئة، استاءت واشنطن.
وهذا علماً أن ادارة كلينتون سبق ان حصلت على تعهد من كيم جونغ ايل بأن يمنع الانتاج والتجريب والنقل والنشر للصواريخ المتوسطة والطويلة المدى. وقد يقال إن رئيس كوريا الشمالية غير موثوق، وان مراقبة نظامه أمر صعب. غير ان الفرصة لم تُعطَ لاحتمال كهذا. فما تم هو سحب التصنيفات من خزانة الحرب الباردة وبناء مقترحات سريعة تستجيب لها.
وأمر الديبلوماسية لا يُمتحن على كوريا وروسيا والصين فحسب، ولا حتى على فرنسا المصابة بعقدة أميركا. لكن الذي ينفّر حليفاً كألمانيا بسبب الدرع، أو حتى كبريطانيا بسبب كيوتو، لا يكون يعلن الا استصغار الديبلوماسية، بعد استصغار السياسة نفسها. وعدم احترام الديبلوماسية وقنواتها يتصاحب مع الاخلال بالمعاهدات والاتفاقات التي تبرمها الدول، كما لو أن العالم يتأسس دائما انطلاقاً من صفر في وحشة هوبزية. وهذا إن نمّ عن شيء فعن بدائية ارتبطت إما بالجماعات السابقة على الدول الحديثة، او بالانظمة التوتاليتارية والاستبدادية. وفي الحالين يغدو الاجتماع أقرب الى تشكّل جيولوجي عاصف.
فقد وصف القطب البرلماني الجمهوري ديك ارماي "منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين" بأنها "جزء من شبكة كونية للشرطة الضريبية". وتراجعت الادارة عن جهد دام ثلاث سنوات، رعته المنظمة اياها، لوضع اليد على الفراديس الضريبية التي تخبىء مئات بلايين الدولارات. ذاك ان أجندة دبليو لم تتسع لمسألة في حجم سيطرة الدولة على ما تيسّر من مواردها، وقطع الطريق على بعض نشاطات المافيا وتبييض العملة.
والشيء نفسه يقال في التراجع عن كيوتو بعدما سبقها، عام 1992، "اطار ميثاق" صادقت عليه ادارة جورج الأب. وبحسب ما تناقلته الصحف، يضغط حالياً بعض الرسميين الاميركان ممن لم يسعدهم توقيع كلينتون على الاتفاقية الكونية لانشاء محكمة دولية، على بلدان اخرى كي ترفضها.
لكن دبليو وأعضاء فريقه، ما خلا وزير الخارجية كولن باول على الأرجح، يرون ان سلعة التبادل مع العالم هي توازن القوى العاري. فما دام ان روسيا هُزمت في الحرب الباردة بوصفها الاتحاد السوفياتي، وما دام ان قوة الصين العسكرية لا تُقارن ابداً بمثيلتها الاميركية، بات المطلوب ان ترضخا للدرع، أو أن تدخلا سباق تسلح يقضي اقتصادياً على الاولى ويحول دون التقدم الاقتصادي للثانية.
وهذا انما يأخذ روسيا بجريرة الاتحاد السوفياتي من غير ان يكترث بالتحولات الرأسمالية في الصين "الشيوعية" واحتمالاتها، كما لو ان السياسة بلا زمن والبلدان بلا تاريخ.
والسياسة هذه تضع البلدان التي تتعاطى معها، لا سيما اذا كانت على اعتداد بالنفس كروسيا والصين، أمام خيارات ضيقة ومهينة قد تعزز ميولا انتحارية لا يمكن أحداً أن يفيد منها. ودبليو نفسه هو الذي كرر عبارة يبدو انها اثيرة لديه في وصف التفكير النووي لما بعد الحرب الباردة، وهي ان على واشنطن "تجاوز مفهوم تبادل الطمأنة في صدد الدمار". أي، ان هذا وحده ما يسقط من الماضي سقوط معاهدة 1972 المضادة للصواريخ البالستية. فالحرب الباردة تُستحضر، بعد تحقيق الانتصار فيها، صافيةً وخلواً من كل ذكريات مراحل التعادل والنديّة. وإذ يتم هذا، بطمع المنتصرين، يبدو ما يُعاش اليوم حرباً باردة من دون محاربين وطعناً ثأرياً تعوزه الشجاعة، في جثث.
والحال اننا، مع دبليو، لسنا حيال من يأخذ ويعطي، فيضغط هنا وينفرج هناك، خدمةً لغرض استراتيجي هو تعزيز الديموقراطية والسوق الحرة وحقوق الانسان في روسيا او الصين او غيرهما. ذاك ان غرضاً كهذا غير قائم اصلاً في حسابات دبليو، هو الذي كان من اعماله الأولى تعطيل بضعة وظائف سياسية وديبلوماسية موجهة الى الخارج، سيما منها تلك المعنية بحقوق الانسان. ف"الآخر"، في هذا التصور، ثابت كعدو ثباته ك "عقلية"، كورية أو روسية، لا تطلب حقوق الانسان ولا حاجة لها به اصلاً.
مرحلة الانتقال المركّب
والمعضلة أن ضعف دبليو اصطدم بعالم غدا بالغ التعقيد. فالكون الذي تسلّمه يواجه سؤالين لم تُتح لسلفه فرصة تفكيرهما. ذاك ان انشغال كلينتون بمعاركه الداخلية، جعل سنواته الثماني أقصر مما هي فعلاً. لذا اقتصر جهده على صوغ السؤالين هذين بطرق مداورة، تاركاً لمن يليه أن يجيب. ولم يكن الذي واجههما الا دبليو المفتون ب"استمرار" الحرب المذكورة.
وأول السؤالين، ماذا عن العالم بعدما تبيّن اننا اقرب الى فوضى جديدة منا الى "نظام جديد"، كالذي أعلنه بوش الأب في لحظة نزق وتسرع؟ وثانيهما، ماذا عن حاكمية هذا العالم في ظل عولمته بالثروة التي تخلقها، وأيضاً بالفوضى التي تنتجها تبعاً لتردي الدولة الوطنية، واستفحال قوة الشركات المتعددة الجنسية، فضلا عن تعاظُم سطوة العصبيات الاثنية والدينية؟
إذن تداهمنا، ويُفترض ان تداهم دبليو خصوصاً، انتقالية مركّبة لما بعد الحرب الباردة وللعولمة في آن. وفيما تستدعي انتقالية كهذه أذكى عقول البشرية للتعاطي معها، تنظيماً وتشريعاً وتوطيداً لشبكات أمان اجتماعي، يعالجها دبليو بالعمى الخالص. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ فمن نتائج التجاهل، في قارة يصعب تجاهلها كأميركا اللاتينية، أن تنتكس عمليات ديموقراطية كان بوش الأب قد حضر ولادتها. وبين ليلة وضحاها يتحول دانيال اورتيغا سانديني نيكاراغوا الشهير ولويز إيناسيو في البرازيل، وجوهاً يُحتمل وصولها ديموقراطياً الى المواقع القيادية لبلدانها، بعدما خاض ألان غارسيا معركة جدية ضد منافسه على رئاسة البيرو. وبرعاية رئيس فنزويلا الشعبوي هوغو شافيز، يتقدم هؤلاء للاستثمار السياسي في الفقر. واذا ما تسنى لهم النجاح أبقو على الفقر وأضافوا اليه الاستبداد مجدداً، ومن ثم أجّلوا تقدم القارة الجنوبية جيلاً على الأقل.
هذا آخر ما يعني دبليو الذي هو، أيضاً، لم ينس شيئاً ولم يتعلم شيئاً. فهنا، يمدّ يده الى خزانة الماضي ويغرف منه المستقبل، غير مكترث بما حصل ابان عهد كلينتون من عولمة وتدخّل كانا بدآ في عهد ابيه، ويطلبان ممن يرث البيت الأبيض أن يتمم.
أندرو مارشال
ويوفّر الدفاع نموذجاً ساطعاً عن سخاء هذا الاستلهام وسيولته، بعدما قطع العهد السابق شوطاً في نزع التسلح. واذا كانت الحرب الباردة ثروة هذا الماضي الأهم، فإن حارسها الأول وزير الدفاع الجديد القديم دونالد رمسفلد.
بيد ان الماضي يتجسد في شخص ليس ذائع الشهرة كالوزير. انه أندرو أندي مارشال، بيروقراطي الوزارة المزمن والملقب "غورو البنتاغون". فهو مستشار رمسفلد وأستاذه، يشاطره هذه النظرة اليه رسميون كنائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج. هكذا طالبه التلامذة النافذون ان يساعد الادارة الجديدة في تعريف الحاجات الدفاعية لأميركا في عقودها المقبلة. الا أن هذا المنظّر المدني للشأن العسكري والذي كُلّف التفكير بالمستقبل، في التاسعة والسبعين. حضر ولادة العصر النووي ولا زال يتابعه، وفي كل واحدة من الحقب الفاصلة كانت له آراؤه التي أُخذ بمعظمها. أما أبرز الآراء التي صنعت شهرته فأنه من أوائل مكتشفي الضعف السوفياتي وراء ظاهر القوة الجبارة. فموسكو الشيوعية آيلة، عنده، الى انهيار لانفاقها على الدفاع اكثر مما يتحمل اقتصادها. إذن، وكما أوصى، "نافسوهم في الانفاق حتى تطرحوهم أرضاً".
أما الآن فيدافع مارشال عن فكرة "الثورة في الشؤون العسكرية": ذاك أن التكنولوجيا تحوّل علم الحرب وتمكّن البلدان الاضعف من تحدي التفوق العسكري الاميركي. وهذا يجعل التخلص من الاسلحة القديمة مهمة ملحّة الحاح الاستعاضة عنها بسلاح المستقبل، اي الصواريخ التي تصيب اهدافها البعيدة بدقة فيما يعجز الاعداء عن تطوير مثيل لها. ويُناط بنظرياته التي يتبناها دبليو، كما تبنى ريغان نظرياته الأسبق، ان تهدد اسلحة لا تزال تبدو مهمة كحاملات الطائرات، ناهيك عن الدبابات.
وحين لا يكتفي مارشال بالحرب الباردة مرجعاً يعود الى ماضٍ أبعد. فأميركا، إن لم تتكيّف مع التقنيات الجديدة، شابهت العشرينات الفرنسية. ذاك ان باريس التي انتصرت في الحرب العالمية الاولى انهزمت بسرعة في الثانية تبعاً لتسمّرها في استراتيجية تدعيم ماجينو، هو الخط الذي ما لبث أن اخترقه الألمان بيسر.
وسيرة مارشال ونفوذه يقولان الكثير عن فلسفة المزاوجة بين تقنيات شديدة التقدم وعقلية موغلة في حروب القرن العشرين. وهذا الايغال بعض ما يحيي اليوم الاتجاه الريغاني الى تقليص كل انفاق ما خلا العسكري، والسعي الى بناء الدرع الصاروخي كائناً ما كان الثمن السياسي ومن دون التأكد من جهوزه التقني في 2004، والميل الى عسكرة الفضاء بحسب ما اعلن رمسفلد نفسه، فضلاً عن استهلال السياسة "الخارجية" للادارة بضربات شباط فبراير الجوية المحدودة للعراق.
أوروبا وعسكرة الفضاء
ويبقى الهم الاول عند مارشال تحويل الانظار من اوروبا بوصفها مسرح عمليات الحرب مع السوفيات، الى شرق آسيا حيث تسعى الصين الى الهيمنة، لا يطوّق خطرها هذا الا الصواريخ البعيدة الاصابة. فالتهديد قد يتغير مصدره الا اننا نعيش دائماً في تهديد. واليوم تأتي المخاطر والتحديات، في عرفه، من المحيط الهادىء.
لكن ما يختبىء وراء الكلام الاستراتيجي هو الرغبة الدفينة في ما خص أوروبا. فالقارة المذكورة، وبعكس ما يذهب الفكر الرجعي والانعزالي الأميركي، اكثر من حليف استراتيجي لزمن المصاعب. وهي، بالتالي، لا تصير عديمة النفع اذ تتغير الخرائط والأولويات العسكرية.
وكائناً ما كان الاعتراض على سياستها هذه او توجهها ذاك، تبقى أوروبا حزمة قيم تأسيسية لحضارتنا الكونية. ولئن ظل هذا التصوّر وازناً لدى الاوروبيين انفسهم وفي مناقشات اتحادهم، فانه يبقى كذلك معياراً ثابتاً في تعريف النزعات الليبرالية والتقدمية في الولايات المتحدة، بل في تفهّم الاستعداد للتضحية من اجلها لدى بعيدي النظر الاميركان، على ما تبدى في حربين عالميتين وفي مشروع مارشال.
واليوم في ظل دبليو تبدو أوروبا، في النموذج، نقيضاً لأميركا على نحو لم تكنه في السابق أبداً. صحيح ان حكم الاعدام وتملك البنادق ليسا جديدين، غير ان الجديد هو وصول ممثلهما الى البيت الابيض، واستيلاء اليمين عليه فيما دولتان فقط، جعلهما سيلفيو بيرلوسكوني الايطالي ثلاثاً، من اصل خمس عشرة دولة في الاتحاد يحكمها اليمين.
والحال انه ما دام العالم مخيفاً بدا السيناريو الذعري الذي لا يكف عن التدفق نتيجة طبيعية. فأميركا، في هذه العدسة، تبدو محاصرة في متراس او خندق، تتذكر وتذكّر ببيرل هاربر، تلك المعركة التي استعادتها هوليوود فيلماً في ذكراها الستين، بعدما عززت في الوعي الاستراتيجي الاميركي فكرة "الضربة الاستباقية" كي لا يتكرر ما فعله اليابانيون على حين غرّة.
فاذا اضيف هذا الى مصادر اخرى كالوعي الاستيطاني والحدودي، وجواز تملك البنادق، وذاكرة الكاوبوي، تكاملت نظرية تشبه نظرية الأمن الاسرائيلي من نواحٍ عدة. ذاك ان احراز الاطمئنان مهمة مستحيلة في ظل الارهاب، او اي معادل له، بينما لا يكفي جهد الدولة وحدها لضمان الأمن اذ لا بد، في مهمة بهذه الخطورة، من تعبئة قوى موازية لا تُحصى. وليس بلا دلالة ان كلينت ايستوود، المع ممثلي "الوسترن" ومن بعده ممثلي لحظة التقاطع بين البوليس و"الفيجيلانتي"، احد متطرفي اليمين الجمهوري.
لكن ما يفوق سواه اهميةً، في السيناريو هذا، ان توازن القوى الذي يحكم العلاقة بالامم والبلدان الراسخة في جوهريتها توازن مغلق بدوره. فهو يستلهم الماضي من غير ان يفتح على المستقبل أو على عوامل لا تُحتسب استراتيجياً، كالحق وطلب الحرية او التقدم. ذاك ان القوي يعكس قوته على الاصعدة جميعاً فيما الضعيف ينهزم انهزاماً لا قيام بعده، تماماً كما يخرّ الشرير برصاصة "الشريف" في ساحة البلدة.
وهذا ما يفسّر الانعزال جزئياً، كما دعا اليه دبليو ورمسفلد. فالأخير لم يتردد في الاعلان عن انتهاء مهمة الجنود الاميركان، من ضمن جهود حفظ السلام، في البوسنة. وما لم ينجح الاستيلاء الديموقراطي على مجلس الشيوخ، قد تُسحب هذه القوات من يوغوسلافيا السابقة كما من سيناء، لا يؤثّر في ذلك وضع الشرق الاوسط المتردّي او تجدد النزاع البلقاني انطلاقا من مقدونيا هذه المرة. فبحساب دبليو، المعلن أو المضمر، ستكون التضحية الأميركية مجانية قياساً بجوهرية الشعوب التي لن يغيرها اي تدخل. وتتحول الحجة القائلة ان السلام الفعلي لا ينهض من دون ديموقراطية تبريراً للانكماش لأن معظم هذه البلدان لا يزال، للأسف، في انتظار السلام.
وببعض هذه المعاني يشي برنامج عسكرة الفضاء. فالعسكرة إذ تذكّر بأفلام الحرب مع الكائنات الغريبة، كما صوّرتها السينما بكثرة مؤخراً، تكرّس فكرة الغريب الذي يختلط في التعامل معه استخدام أرفع التقنية وادراك الاختلاف البيولوجي التكويني. وما يزيد بؤس هذا التأويل انه يترافق مع خفّة تنسحب على غير صعيد استراتيجي. فمثلما قرر دبليو وادارته زيادة عرض الطاقة بدل خفض الطلب، قرر عسكرة الفضاء بدل نزع العسكرة التي على الأرض.
المصالح والتهافت
وحين يتعرى القرار السياسي من كل مقدمة اخلاقية، من كل احترام للسياسة وللديبلوماسية، من كل رهان على تغير الشعوب والامم من غير طريق العنف والعقاب، لا يبقى سائق له الا المصالح العارية. هكذا تحكمت في الانسحاب من كيوتو استجابة المنافع النفطية تحكّمها في اجازة التنقيب في آلاسكا، او التنقيب الاستكشافي في روكي مونتنز بما في ذلك غابات مونتانا، فضلا عن تخفيف الضوابط التي تحد من تلوث الهواء. كما يُتوقع، تبعاً للصلة الوثيقة نفسها بين المستويين، بناء عشرات معامل الطاقة واعادة الاستثمار في الحقل النووي.
وتسير استباحة الأرض في موازاة استباحة السياسة التي يصعب، والحال هذه، أن تتجانس وتتماسك. ففي الشرق الاوسط، يندمج عدم الضغط الفعلي على اسرائيل مع الضغط الفعلي على العراق ولو بعقوبات "ذكية"، فيما المزاج العربي العام يتراوح بين كونه ضد اسرائيل ووقوفه مع العراق كحد ادنى، وبين كونه ضد أي سلام ووقوفه مع صدام كحد اقصى. ويبقى المدهش ان لا يترافق الهمّ النفطي للادارة مع همّ عربي موازٍ، كما لو أن الولايات المتحدة غدت تحكمها انعزالية ونقص في الفضول طالما اشتُهر العرب بهما حيال الولايات المتحدة.
وينوي دبليو رفع العقوبات عن الهند التي فُرضت بعد تجربتها النووية، فيما يُتوقع استمرارها على باكستان، ناهيك عن ابقاء عقوبات اقتصادية كانت فُرضت عليها قبل التجارب. واذا صح ان ديموقراطية الهند شيء والنظام العسكري الباكستاني شيء آخر، وان علاقات باكستان و"طالبان" مقلقة، يبقى ان التوجه التمييزي لن ينفّر باكستان وحدها بل سيترك أثرين خطيرين على العالم الاسلامي والصين، خصوصاً أن الثانية ترتاب بالتسامح "المبالغ فيه" مع نيودلهي في موازاة تشدد استثنائي ازاءها.
لقد غدت علاقة اميركا بالعالم اشبه بزواج غير سعيد. وقد يقال ان المشكلة سابقة على دبليو، الا أن الأخير غذّاها بوقود نوعي. فروسيا والصين الاستبداديتان بتفاوت، كانتا أكثر استبداداً حين امكن التعايش معهما. ما تغير نحو الأسوأ هو أميركا. ولئن كُرهت قبلا، بحق مرةً ومن دونه مرة أخرى، تُكره اليوم ليس لما تفعله بل لوجودها ذاته، فلا يبقى مطلوباً الا توافر شاهد كالحرب الفيتنامية يقدم للكارهين ذريعة ساطعة تتوّج الذرائع الكثيرة المبعثرة.
ودبليو الخائف من العالم يردّ على خوفه بتخويف العالم. فهو يريد ان يحكمه من غير ان يعرفه ويتعرف على مستجداته، تماماً كما ينوي ان يحكم بلده بمعزل عن جديده وبالرغم من جمهورييه المعتدلين وديموقراطييه معاً، فضلاً عن نصفه الذي لا يصوّت. وأضعف الايمان ان يخلق هذا مفارقات لا حصر لها. فالولايات المتحدة، العضو في لجنة حقوق الانسان منذ تأسيسها في 1947 والقوة العظمى الوحيدة في الكون، هي التي لم تُنتخب للجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة بينما اختيرت باكستان والسودان وسييراليون! وحين تنفصل القوة عن العاطفة الى هذا الحد، تتهدد العلاقات الدولية بالخطر فيما تخيّم عليها جلافة قصوى. فما من دولة تستطيع ان تقود من غير أن تُحَب، ولدى أميركا نماذج عدة منها ما هو قابل أن يُحَب لكنه ليس النموذج الذي يدين به دبليو.
وقصارى القول ان اليمين المتطرف الذي ورث الانتصار في الحرب الباردة حوّل المكسب بانهيار التوتاليتارية الى نصف انتصار. فالذي يمثّل ردّة على كل ما يتململ، في بلده او في العالم، لا يؤتمن على مكسب كهذا. والمنتصر، إن لم يتشرّب وعياً انسانياً وكونياً، مُحبّاً للانسانية والكونية، ينذر بأن يعلن معركته المقبلة ضدهما. وهنا يظهر ناصعاً عيب الافتقار الى النهضة والتنوير الاوروبيين.
لكن الديموقراطية الاميركية والعقبات التي تضعها امام الاستئثار بالسلطة ابقى واهم من دبليو. والنتائج الخطيرة المترتبة على انعطافة جيمس جفوردز يمكن ان تردع، لا سيما اذا صحبتها ممانعة عاقلة لكن صلبة خارج أميركا. ويمكن في ردعها أن تُظهر استحالة التعايش بين دبليو وبين الولايات المتحدة، كما بينه وبين العالم.
لكن المصيبة، حتى لو انتهت ملهاة، افتتحت القرن الواحد والعشرين بقرع نواقيس الخطر. أما السلالة البوشية فلن تستقبل آذانها الا الموسيقى الاحتفالية الممزوجة بترانيم الأعياد. وفي لحظة مسائية وديعة يتبادل جورج وباربارا نظرة سكّرية: "أليس الصبي رائعاً؟"، يقول واحدهما للآخر ويبتسمان.
* كاتب ومعلّق لبناني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.