رئيس الوزراء الهندي يعتزم زيارة السعودية    اجتماع بين أعضاء الشورى والبرلمان الأوروبي    فالنسيا يفاجئ ريال مدريد ويهزمه بثنائية في ملعبه    اليد الشاطئية تخسر أمام البحرين    فينالدوم يهدي الاتفاق التعادل مع القادسية    جولات رقابية على النفع العام    ورث السعودية على الطرق السريعة    الجمارك تسجل 1071 حالة ضبط للممنوعات خلال أسبوع    «الألكسو» تدعو إلى حماية المخطوطات العربية وحفظها ورقمنتها    الفنون البصرية تطلق غدًا "أسبوع فن الرياض"    لودي: علينا العمل بهدوء من أجل استعادة الانتصارات    الخارجية الفلسطينية: الاحتلال قتل 17952 طفلا في غزة    دي بروين يستعد لخوض آخر ديربي في مسيرته مع مانشستر سيتي    الصين: سنواصل اتخاذ إجراءات حازمة لحماية مصالحنا    تعليم جازان يعتمد مواعيد الدوام الصيفي بعد إجازة عيد الفطر    الحرب على المخدرات مستمرة.. ضبط عدد من المروجين بعدد من المناطق    موسم جدة يحتفي بخالد الفيصل في ليلة "دايم السيف"    ارتفاع صادرات كوريا الجنوبية من المنتجات الزراعية والغذائية في الربع الأول من عام 2025    الداخلية: ضبط (18407) مخالفين لأنظمة الإقامة والعمل خلال أسبوع    «التعاون الإسلامي» تدين قصف الاحتلال الإسرائيلي مدرسة دار الأرقم ومستودعًا طبيًا في قطاع غزة    أمطار رعدية غزيرة وسيول على عدة مناطق في المملكة    أسعار النفط تسجل تراجعًا بنسبة 7%    الشيخ أحمد عطيف يحتفل بزواج ابنه المهندس محمد    "كريستيانو رونالدو" يعلق على تسجيله هدفين في " الديربي" أمام الهلال    الجيش الأوكراني: روسيا تنشر معلومات كاذبة بشأن هجوم صاروخي    "أخضر الناشئين"يفتح ملف مواجهة تايلاند في كأس آسيا    رونالدو يعزز صدارته لهدافي دوري روشن للمحترفين    بعد رسوم ترمب.. الصين توقف إبرام اتفاق بيع تيك توك مع أميركا    «سلمان للإغاثة» يوزّع سلالًا غذائية في عدة مناطق بلبنان    رئيس هيئة الأركان العامة يستقبل قائد القيادة المركزية الأمريكية    "دايم السيف"... الإرث والثراء الخالد    إمام المسجد الحرام: الثبات على الطاعة بعد رمضان من علامات قبول العمل    إمام المسجد النبوي: الأعمال الصالحة لا تنقطع بانقضاء المواسم    بلدية رأس تنورة تختتم فعاليات عيد الفطر المبارك بحضور أكثر من 18 ألف زائر    نهضة وازدهار    العماد والغاية    شكراً ملائكة الإنسانية    النوم أقل من سبع ساعات يوميًا يرفع من معدل الإصابة بالسمنة    بريد القراء    السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا    العثور على رجل حي تحت الأنقاض بعد 5 أيام من زلزال ميانمار    الملك وولي العهد يعزيان عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين في وفاة والدته    نفاذ نظامي السجل التجاري والأسماء التجارية ابتداءً من اليوم    المملكة تستضيف "معرض التحول الصناعي 2025" في ديسمبر المقبل    المملكة تحقِّق أرقاماً تاريخية جديدة في قطاع السياحة    ودعنا رمضان.. وعيدكم مبارك    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    مركز 911 يستقبل أكثر من 2.8 مليون مكالمة في مارس الماضي    المملكة تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى    الدول الثماني الأعضاء في مجموعة أوبك بلس يؤكدون التزامهم المشترك بدعم استقرار السوق البترولية    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الخبر الى التاريخ . فكرة التاريخ والكتابة التاريخية العربية 1 من 2
نشر في الحياة يوم 02 - 06 - 2000

اصطلح كتّاب التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً على تسمية فئة من رواة وكتبة التاريخ بالأخباريين أو أصحاب الأخبار أو الأحداث. والتسمية دقيقة، بمعنى أنّ رجالات تلك الفئة كانوا يدوّنون أخباراً ومرويات عن أحداث معينة في تاريخ الإسلام الأول، والعصر الأموي، ويصدرونها في صيغ كتب ورسائل، ما كانت تتجاوز الأجزاء العشرة في غالب الأحيان. تمتد حقبة أولئك الإخباريين من الربع الأول من القرن الثاني الهجري وحتى الربع الأول من القرن الثالث أي بين الربع الأول من القرن الثامن الميلادي والربع الأول من القرن التاسع. من هؤلاء أبو مخنف، وعوانة بن الحكم، وسيف بن عمر، ونصر بن مُزاحم، وأبو اليقظان، والكلبيان محمد بن السائب وابنه هشام، والواقدي وكاتبه محمد بن سعد، والثقفي، والهيثم بن عدي، والمدائني1.
وتكمن أهمية أصحاب الأخبار هؤلاء في أنهم شكّلوا مرحلة وسطى بين أصحاب القصص، ورواة أيام العرب والأنساب، القَصَص الديني، من جهة، والمؤرخين الكبار في القرنين الثالث والرابع، من أمثال البلاذُري والدينَوَري واليعقوبي والطبري والمسعودي، من جهة أخرى.
ويعني ذلك أن المادة التاريخية - وليس الرؤية - التي نقرؤها لدى الطبري والبلاذُري خصوصاً، مستمدة بنسبة ثمانين في المئة من رسائل الاخباريين ومدوناتهم. لكن على رغم أن أكثر الأمور كانت تدوّن، كما أثبتت الدراسات الحديثة والمعاصرة2، فإن أكثر تلك المدونات والرسائل ضاعت ولم تصل إلينا مباشرة، إذ لا نعرف غير عناوينها، والمقتبسات الواردة لدى مؤرخي القرنين الثالث والرابع عنها. فأبو مخنف لوط بن يحيى 157ه/774م الذي تشكّل رسائله ومروياته عن صدر الإسلام والفتوح وحقبة الفتنة والعصر الأموي، مادة رئيسية، نحن مضطرون للاعتماد على الطبري في تبين معالمها.
وكذلك بالنسبة لغالبية أصحاب الأخبار الآخرين حتى المكثرين منهم مثل هشام ابن الكلبي3 204ه/819م الذي لم يبق من كتبه غير كتابه في النسب، وكتابه في الخيل، وكتابه في الأصنام، رغم أنه ألّف زهاء المائتي رسالة وكتاب، والمدائني 225ه/839م الذي ترك حوالى الثلاثمائة عنوان، وصلنا منها عنوانان أو ثلاثة4.
ولكي يكون واضحاً ما أقصده بعسر استكشاف صورتهم التاريخية من خلال المقتبسات المتأخرة عنهم أورد على سبيل المثال أسماء بعض كتبهم وعناوينها نقلاً عن كتاب "الفهرست" لابن النديم، والمصائر التي آلت إليها تلك المدونات في اقتباسات المؤرخين اللاحقين.
فلأبي مخنف لوط بن يحيى مثلاً عشرات الرسائل من بينها: كتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وكتاب فتوح العراق، وكتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب حديث الأزارقة، وكتاب دير الجماجم... الخ5. بين أن البلاذري الذي أخذ عن أبي مخنف كثيراً ولا شك مثلاً في كتابيه أنساب الأشراف، وفتوح البلدان، لا يذكر مصادر رواياته أحياناً، أو يذكر أبا مخنف مع غيره بحيث لا ندري ماذا أخذ عن أبي مخنف، وماذا استمد من الأخباريين الآخرين.
أما الطبري الذي يذكر دائماً مصادره وأسانيده إليها، فإنه لا يذكر عناوين الكتب التي أخذ منها، بحيث يعسر تبين عن أي كتاب من كتب أبي مخنف نقل، ثم ماذا اقتبس وماذا ترك. فأبو مخنف كتب - حسب إيراد ابن النديم - كتابين أو رسالتين عن ابن الأشعث وثورته على الحجاج والأمويين بين عامي 82 و84ه، هما: كتاب حديث باخَمْري ومقتل ابن الأشعث، وكتاب دير الجماجم وخلع ابن الأشعث6. ولا يقصّر الطبري في التفاصيل عن الموقعتين بباخمري ودير الجماجم، لكنه لا يميز بين الكتابين في النقل، والأصلان ليسا موجودين لدينا لكي نعرف ماذا نقل الطبري وماذا ترك، وما مصدره بالتحديد في تلك النقول والاقتباسات حول ثورة ابن الأشعث وغيرها كثير.
تعددت الآراء والكشوف عن بدايات الكتابة والتدوين في الحقبة الإسلامية الأولى، في العقود الأخيرة.
على رغم كثرة المشككين والمراجعين الجذريين" نستطيع التقرير الآن أن التدوين المنتظم بدأ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، أي الربع الأخير من القرن السابع الميلادي.
وبذلك يمكن القول إن القصص التاريخي، والقصص الديني كان يدوّن أيضاً. بيد أن أدوات التدوين ووسائله كانت معرضة للتلف العُسُب واللخاف والأكتاف، أو نادرة الرقوق وأوراق البردي لغير الذين يملكون الإمكانات لذلك من رجالات الدولة.
وظل الأمر على هذا النحو حتى عرف المسلمون صناعة الورق الذي سمّوه الكاغذ من الصينيين في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي" فانتشر الورق في القرن التاسع وأقيمت مصانع له في مدن الإسلام الكبرى، أفاد منها المؤرخون ورجالات العلوم الإسلامية الأخرى، ولم يفد منها الأخباريون كثيراً إذ كانت حقبتهم انقضت، وطرائقهم في الكتابة قد جرى تجاوزها.
لكن كما وصل إلينا بشيء من حسن الطالع كتاب "الخيل" لابن الكلبي، و"المغازي" للواقدي -207ه/823م، و"الخراج" لأبي يوسف 184ه/800م، وكتاب "صفين" لنصر بن مزاحم 212ه/827م، جرى الكشف قبل ست سنوات عن كتابين لسيف بن عمر الضبيّ 180ه/796م، قرين أبي مخنف في اعتماد الطبري عليه في أحداث الردة والفتوح ومقتل عثمان وصراع علي مع خصومه من قريش والخوارج.
والكتابان هما: الردة والفتوح، وكتاب الجمل ومسير عائشة وعلي. وصلت المخطوطتان في نسخة متأخرة ناقصة، لكنها منقولة عن أصل يعود للقرن الرابع7.
ويتناول النقص في كتاب الردة والفتوح كل أحداث الردة وأخبار الفتوح في عهد عمر، وبذلك لا يبقى منه غير الأخبار المتعلقة بالسنتين الأخيرتين من خلافة عمر، والأحداث المحيطة بمقتل عثمان.
أما كتاب الجمل ومسير عائشة وعلي فناقص من آخره صفحات ليست بالكثيرة في ما يبدو.
أما المؤلف سيف بن عمر فلا نعرف عنه شيئاً تقريباً. يقول ابن النديم8: "سيف بن عمر التميمي. أحد أصحاب السيَر والأحداث. وله من الكتب: كتاب الفتوح الكبير والردة، كتاب الجمل ومسير عائشة وعلي.
وروى عن سيف شعيب بن ابراهيم". استوعب الطبري أجزاء واسعة من كتابي سيف وكتب أبي مخنف على الخصوص في ما يتعلق بصدر الإسلام وأخبار الفتنة.
لكن المؤرخين المحدثين قدموا منذ البداية أبا مخنف على سيف لما ذكروه من ولاء سيف بن عمر لقبيلته وتقاليدها، ولرجالات السلطة الأمويين والعباسيين.
بدأ هذا التقلد يوليوس فلهاوزن في رسالته: "رؤى عامة ومشروعات أبحاث"، ثم تتابع على ذلك اللاحقون وصولاً لمرتضى العسكري ومحمد عبدالحي شعبان9.
بدأتُ دراستي لسيف بن عمر بمقتل عثمان في آخر كتاب الردة والفتوح، ثم ركّزتُ على كتاب الجمل ومسير عائشة وعلي، لأن غالبية الكتاب وصلت إلينا. وأردتُ من وراء قراءة روايات سيف عن أحداث الفتنة ومقتل عثمان، وبيعة علي وخروج القرشيين والمحكِّمة عليه، تبيُّن كيفية تحول الأحداث والوقائع والمرويات الى أخبار وصُوَر عند سيف كما عند الأخباريين الآخرين في القرن الثاني الهجري. ثم الانتقال لقراءة موجزة للتاريخ باعتباره فكرة ورؤية ومساراً مهدوياً لدى البلاذري والطبري والدينوَري وحمزة الأصفهاني وسائر كتّاب التاريخ العالمي أو كما يسمّونه هم تاريخ الأمم والملوك أو الرسل والملوك أو الأنبياء والأمم.
اخترتُ من كتابي سيف المذكورين سابقاً من أجل الدراسة والفحص ثلاثة أجزاء مهمة" الأول مقتل عثمان، والثاني البيعة لعلي، والثالث سلوك علي إزاء المقاتلين من خصومه المنهزمين بعد وقعة الجمل بالبصرة. أما في جزء مقتل عثمان" فقد أورد سيف بن عمر زهاء الاثنين والأربعين خبراً، يتراوح طول الواحد منها بين السطرين والصفحتين10. واقتبس الطبري منها تسعة وعشرين خبراً دونما خيار ظاهر المنزع11. والصورة المتكونة عن عثمان لدى سيف بن عمر أنه كان شخصية ورعة، شديدة الهم لأمر المسلمين، بالغة الرأفة والرعاية لهم. أما قتَلتُهُ فكانوا من أسقاط الناس وهوجائهم، تحركهم دوافع الثأر لما نابهم من عثمان نتيجة جرائم ارتكبوها، أو حب الدنيا والتسلّط. وقد كان بوسع عثمان - في نظر سيف على الأقل - أن يئدَ الفتنةَ في مهدها" لكنه كان مسالماً كارهاً لسفك الدم، والتعرض لحُرُمات الناس.
أما الشخصيات الرئيسية المشاركة في تلك الأحداث من مثل علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وعمرو بن العاص" فإن سيفاً شديد الحَذَر تجاه علي وعائشة بالذات. فمن المعروف من روايات أبي مخنف وغيره أن عائشة كانت من المحرّضين على عثمان، وهو ما لا يبدو في روايات سيف حول مقتله.
ويورد سيف روايات متعددة في تبرؤ علي من دم عثمان، كما يسكت في الأعمّ الأغلب عما تذكره مصادرُ أخرى من يأس عليّ من إمكان إصلاح عثمان، وتركه وشأنَهُ. كما أنه يتجاهل تماماً المرويات التي تذكر تحريض علي على عثمان، أو سكوته عن ثوَران المقرّبين منه مثل محمد بن أبي بكر وعمّار والأشتر النخعي على عثمان. ولا يحتاط سيف كثيراً في رواياته عن عمرو بن العاص وطلحة والزبير. أمّا عمرو فيرى سيف - من خلال الروايات التي يوردُها - أنه كان ساخطاً على عثمان لعزله عن مصر، وأنه ما كان شديد الحرص على بقائه في سدة السلطة. في حين يصور سلوك طلحة والزبير باعتباره سلوك طامحين في الوصول الى الخلافة بأي سبيل، دونما تفكير كثير في مصير عثمان. أما معاوية - عند سيف - فهو شخصية شديدة الكفاءة، بالغة الحرص على عثمان، وهو مهيب الجانب في أوساط كبار الصحابة، الذين ما كانوا يحسبون حساباً لغيره بين أعوان عثمان ومساعديه. وإذا بدا من ذلك كله أنه ما كان هناك سبب يوجب زحف المصريين والبصريين والكوفيين الى المدينة لمحاصرة عثمان ثم قتله، فإن سيفاً يعتبر عبدالله بن سبأ ابن السوداء، نذير الشؤم والخراب مسؤولاً رئيسياً عن التحريض على الفساد والإفساد12. فهو الذي أثار البصريين والكوفيين أولاً، ثم مضى الى مصر فحرّك الأحداث كلها باتجاه قتل عثمان أو إرغامه على التنازل عن السلطة.
فمن بين المتحركين جميعاً كان هو الوحيد - في نظر سيف أو الذين يروي عنهم - الذي يملك هدفاً محدداً: إيصال علي الى السلطة، ويملك رؤية للوسيلة لذلك: إثارة الناس على عثمان لحقد قديم عنده عليه.
وقد أخذ باحثون كثيرون على سيف بن عمر13 اختراعه لهذه الشخصية الغامضة، وإعطاءها هذا الدور الكبير، وبخاصة أننا لا نعرف عنه شيئاً بعد مقتل عثمان، بمعنى أنه عندما حدث الفراغ في السلطة بعد القتل واستمرت الفوضى خمسة أيام، سيطر فيها الغافقيُّ بن حرب رئيسُ الثائرين المصريين على المدينة، في تلك الأيام الحاسمة التي أذهلت خلالها الصدمة الناس" ما صدرت عن عبدالله بن سبأ أية إشارة معشرة بالعمل لصالح مرشحة علي" بل إنه ما كان وقتها بالمدينة، وبالتالي ما كان بوسعه أن يعرف بالإنجاز الذي حققه أولئك الذين حرّكهم.
بيد أن المشكلة في هذه الصورة عن سيف ونموذجه الشرير" أننا نعلم الآن أنه لم ينفرد بها، بل شاركه في الحديث عن دور ابن سبأ وحركته أخباريون آخرون ذوو ميول متباينة، وإن لم يعطوها الدور الكبير الذي أعطاه هو لها.
أما النموذج الثاني، نموذج البيعة لعلي، فإن سيف بن عمر يورد فيه أربع عشرة رواية يسودها الاضطراب والافتقار الى الرؤية الموجهة التي حكمت مساره في مقتل عثمان14.
فالذين قتلوا عثمان ما سارعوا الى علي لبيعته وحمْل الناس على ذلك" بل عرضوا الخلافة على عدد من الصحابة بينهم عليّ فلم يستجيبوا. حتى إذا يئسوا من الحصول على مرشح مسارع للقبول عادوا لأهل المدينة، أهل المدينة الذين كانوا قد استلبوا منهم القرار لعدة أشهر.
و"جمهور" أهل المدينة هكذا، اختار علياً الذي قبل بعد إباء شديد. وبعد قبول علي تعود السبيئة لدى سيف للظهور، نعم السبيئة وليس ابن سبأ نفسه. فقد سُرّ هؤلاء لمبايعة علي، واعتبروا الأمر كله إنفاذاً لخطتهم السرية" مما أزعج علياً واعتبره تصفيقاً من الجهة الغلط.
فلماذا سلك سيف هذا المسلك، وبخاصة أن مرويات الطبري عن الأخباريين الآخرين، تبني صورة مختلفة في كثير من التفاصيل عما يرد عند سيف؟! هل فعل ذلك لمزيد من الحط على الثوار، فاقدي الهدف والثائرين من أجل الثورة وحسب؟ ثم ما معنى العودة الى "الجمهور": هل للتقليل من شأن أولئك الذين بادروا الى مبايعة علي باعتبار أنهم ليسوا من أهل "الحل والعقد"؟ إن رأي سيف في "الجمهور" خلال كتابيه ليس سلبياً في كلّ الأحوال" وبخاصة أن عدداً من كبار الصحابة كانوا بينهم، وقد أقبلوا على البيعة بعد أن رفضوا ولاية الأمر بأنفسهم. على أن هذا ليس كل شيء.
فرغم توقف علي عن القبول لمدة خمسة أيام، ورغم الإجماع عليه في النهاية" فإن عبدالله ابن عباس ابن عم الخليفة الجديد، لم يكن راضياً عن الأسلوب الذي اتبعه علي.
كان يريده أن يغادر المدينة قبل مقتل عثمان أو بعده مباشرة، ويريد منه - بحسب مرويات سيف بن عمر - أن لا يقبل إلا بعد أن تزدحم العرب والناس على أفواه الشِعْب الذي يكون قد اعتزل فيه بمكة أو غيرها! لكن على رغم الأسئلة الكثيرة فقد يكون الإيجاز المخل لدى سيف بن عمر هنا، مردّه الى أنه مدخل وحسب، لموضوع الكتاب الذي هو بصدده: الحديث عن وقعة الجمل، والتقديم لذلك بمسار الأحداث التي أفْضت إليها.
والشأن في مرويات سيف عن سلوك الإمام علي إزاء خصومه وإزاء ممتلكاتهم بعد هزيمتهم في موقعة الجمل بالبصرة، كالشأن في مروياته عن بيعة الإمام علي الى حد ما. أورد سيف في هذا الشأن سبع روايات15، تختلف فيما بينها في التفاصيل، لكنها لا تتناقَض بقدر تناقُض مروياته في شأن البيعة.
لقد كان المبدأ العام لدى الإمام أن لا يُقتل مدبرٌ ولا يذفَّفَ على جريح، ولا يُكشَف سترٌ، ولا يُؤخَذَ مالٌ. وقد اكتفى بحسب هذه الرواية ورواية أخرى بتقسيم ما وجده في بيت مال البصرة على جنده فنال كلاً منهم خمسمائة درهم.
بيد أن هناك رواية أخرى تذكر أنه أخذ منهم أيضاً السلاح الذي أجلبوا به عليه، يعني الذي كان موجوداً في أرض المعركة فحسب، وليس ما تركوه في بيوتهم، وهناك رواية عن سيف أن بعض أصحابه أراد منه الموافقة على سبي النساء أيضاً وليس مصادرة الأموال فحسب" مما يُشعر بمصادرة الممتلكات الخاصة أيضاً.
أما الطبري فيذكر في "التاريخ" وفي كتابه الآخر: "اختلاف الفقهاء" أن الإمام علياً ما أخذ إلا ما كان في بيت المال ولا شيء غير ذلك16.
كما يذكر أن سلوك الإمام علي مع الذين قاتلوه في البصرة صار سنّة متّبعة لدى الفقهاء في التعامل مع المعارضين الثائرين: عدم مصادرة أي شيء من الممتلكات الخاصة، وعدم السجن أو الملاحقة. وإنما الخلاف في السلاح الذي قاتلوا به" فالزيدية وأبو حنيفة يرون مصادرته، بينما لا يرى الفقهاء الآخرون ذلك ما داموا قد استسلموا ووضعوا السلاح17.
* كاتب لبناني.
هوامش:
1 قارن على سبيل المثال: الفهرست لابن النديم، تحقيق رضا تجدد، نشرة بيروت، من دون تاريخ، ص 105 - 125، وعبدالعزيز الدوري: بحثٌ في نشأة علم التاريخ عند العرب، بيروت 1960، ص 34 - 48.
2 كان المرجع الأساسي الذي أحدث نقلة في هذا المجال، كتاب فؤاد سزكين: Fuat Sezgin, Geschichte des Arabischen Schrifttums, Bd.I, 54-145, 238-320. وقارن بناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة 1996، ص 134 - 283.
3 الدوري: علم التاريخ عند العرب، مرجع سابق، ص 41 - 292 - 311.
4 الدوري، مرجع سابق، ص 38 - 39، 270 - 291.
5 ابن النديم: الفهرست. ص 105 - 106.
6 ابن النديم: الفهرست، ص 105. وفي الفهرست: كتاب حديث ياحيمرا ومقتل ابن الأشعث، وهو تحريف.
7 كتاب الردة والفتوح وكتاب الجمل ومسير عائشة وعلي. تحقيق وتقديم الدكتور قاسم السامرائي، نشرة المحقق، Leiden، 1995. المقدمة، ص 7 - 11.
8 الفهرست، ص 106. وقارن بالدوري، المرجع السابق، ص 37، ومقدمة السامرائي على نشرته، ص 29 - 31.
9 قارن عن الآراء فيه قديماً وحديثاً: الدوري، المرجع السابق، ص 37، ومقدمة قاسم السامرائي على الردة والفتوح وكتاب الجمل، ص 23-29، وعدنان محمد ملحم: المؤرخون العرب والفتنة الكبرى، دار الطليعة 1998، ص 71 - 77.
10 الردة والفتوح، المصدر السابق، ص 63 - 192.
11 اعتمدتُ في الإحصاء على حواشي الدكتور السامرائي في نشرته. وكان أحمد راتب عرموش قد جمع ما نقله الطبري عن سيف بن عمر في: الفتنة ووقعة الجمل. دار النفائس، بيروت، 1972.
12 ذكر سيف بن عمر إسلام عبدالله بن سبأ أيام عثمان ص 55. ثم ذكر سعيه في الفتنة في أخبار متصلة ص 102، وص 115 وما بعد.
13 قارن عنهم مقدمة قاسم السامرائي، ص 27 - 29.
14 الردة والفتوح، المصدر السابق، ص 232 - 239.
15 الردة والفتوح، المصدر السابق، ص 356 - 363.
16 تاريخ الطبري، نشرة محمد أبو الفضل ابراهيم، م 4، ص 541 - والرواية عن سيف بن عمر. وقارن باختلاف الفقهاء له قطعة من كتاب الجهاد، نشرة شاخت، ص 178.
17 أنظر عن ذلك دراستي: محمد النفس الزكية، دعوته وكتابه في السِيَر" في كتابي: الجماعة والمجتمع والدولة، بيروت 1997، ص 198 - 204.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.