يتساءل الباكستانيون عما كان يهدف اليه الهنود عندما اسقطوا طائرة الاستطلاع من طراز "أتلانتيك" التابعة للبحرية الباكستانية قرب موقع "سير كريك". كان الطيارون الهنود الذين انطلقوا من قاعدة "نايليا" الجوية يعرفون مواصفات الطائرة التي يتعاملون معها. فهي تمارس مهمتها في المنطقة منذ سنوات كثيرة، وتغطي المساحة ذاتها من المحيط التي تشملها طلعات الدورية لطائرات ال"ميغ" الهندية، ولم تكن مسلحة بل جُهّزت بمعدات لاغراض الاستطلاع فقط. يصعب على المرء ان يتصور ان طائرة "أتلانتيك" اُسقطت نتيجة حماسٍ مفرط للطيارين الهنود. فقد اُنزلت مرتبة احد القادة العسكريين في هذه القاعدة بالذات قبل حوالى 18 شهراً بعدما اطلق طيار تحت إمرته النار على طائرة مدنية المانية. وفي اعقاب هذه الحادثة، جرى تبني قواعد أشد صرامة للاشتباك ولاستخدام الذخيرة الحية. هكذا فان من غير المرجح ان يكون أي طيار او آمر قاعدة اصدر أوامره باطلاق الصاروخ من دون تعليمات مسبقة بهذا المعنى. وبموجب اتفاق اُبرم بين البلدين في 1991 لتنظيم الرحلات الجوية في المناطق الحدودية، يُسمح بالتحليق الى مسافة 1000 متر عن الحدود للطائرات غير المزودة بالاسلحة والى مسافة 10 كيلومترات للطائرات الحربية. وحسب التفسير الهندي المعلن فان طائرة "أتلانتيك" تقع ضمن صنف الطائرات المقاتلة. ومع ذلك، فان هذا لا يبرر اسقاط طائرة عزلاء لم تكن في وضع يمكّنها ان تبدي مقاومة. وادعى بعض التقارير ان قائد الطائرة رفض الاستجابة لتوجيهات بالهبوط في مطار هندي وحاول ان يصدم طائرة ال "ميغ" الهندية التي طلبت ذلك. لكن لم يُكشف عن شريط تسجيل لمثل هذه المحادثة. واتهم ناطق هندي الطائرة بالتجسس، لكن لم تكن هناك أي منشأة عسكرية على مدى 10 الى 15 كيلومتراً من الحدود في هذه المنطقة. كما يصعب تصديق الادعاء بأن الطائرة كانت في مهمة لتحديد مسالك لتهريب اسلحة الى داخل الهند ولتفادي دوريات "قوات امن الحدود"، اذ توجد مسالك أسهل للتهريب في مناطق اكثر ازدحاماً بالسكان. يصعب القبول بأن قرار إسقاط الطائرة التابعة للبحرية كان حادثة وقعت في اجواء متوترة نجمت عن المواجهة العسكرية الاخيرة بين البلدين في مرتفعات كارغيل. الاحتمال الاقوى هو ان قرار اسقاط الطائرة الباكستانية اُتخذ بشكل متعمد وعلى مستوى عالٍ. لم يكن قراراً محلياً اتخذه الطيار او آمر القاعدة. هل كان مجرد عمل ثأري انتقاماً للطائرة التي خسرها الهنود فوق مرتفعات كارغيل؟ ان عملاً كهذا سيكون مؤشراً الى مستوى من التهور يقلل من شأن ما حرصت الهند على ترسيخه في الاذهان بانها تتصف بالنضج وضبط الاعصاب. هل كان الهدف من ذلك تأكيد انتصارهم عبر إظهار ان باكستان اصبحت، في اعقاب الخطأ الفاضح الذي ارتكبته في كارغيل، عاجزة عن الرد؟ هل كانت الهند، وهي في خضم حملة انتخابية، بحاجة الى ذريعة لتأجيل محادثات متوقعة من قبل المجتمع الدولي عقب انسحاب باكستان الاحادي الجانب؟ او ربما كان حزب "بهاراتيا جاناتا" بحاجة الى جرعة اخرى لتعزيز رصيده من الاصوات وسط العناصر القومية المتطرفة في الهند. لقد استغل القوميون المتطرفون الهنود الخطأ الفاضح الذي ارتكبه نظام نواز شريف في كارغيل في ظل غياب الدعم السياسي. وجاءت عملية كارغيل لتعزز مخاوف القوميين المتطرفين الهنود، الذين كانوا ينظرون اصلاً بتشكك كبير الى "ديبلوماسية الباص"، من ازدواجية مواقف باكستان. وساهمت عودة جثث الجنود القتلى من الجبال المغطاة بالثلوج في تأجيج الرغبة في تحجيم باكستان. وجرى عملياً إسكات اصوات اولئك الاشخاص الذين كانوا يقرون بأن باكستان محقة في احساسها بالاحباط في ما يتعلق بكشمير. كان القوميون المتطرفون يتطلعون الى فرصة لإذلال باكستان. وحققوا ذلك باسقاط الطائرة ومقتل 16 شخصاً في الحادث. كانت القوات المسلحة الباكستانية ستسعى في ظروف اخرى الى الحصول على موافقة الحكومة على الرد، والارجح انها ستحصل عليها. ومن المحتمل، حتى في الوقت الحاضر، ان تكون هناك اصوات في القوات المسلحة والحزب الحاكم على السواء تدعو الى رد عسكري قوي. وقد تكون هناك خطط للرد "في زمان ومكان حسب اختيارنا". لن يناسب الهند شيء أفضل من ذلك. فنشوب قتال لا يمكن الاّ ان يخدم الفرص الانتخابية لحزب "بهاراتيا جاناتا"، في الوقت الذي لا يلحق فيه ضرراً يُذكر بموقع الهنود على الصعيد الدولي. ومنذ عملية كارغيل طرأ تغير على موقف الرأي العام العالمي الذي كان يبدي تعاطفاً كبيراً مع الكشميريين. ينبغي لباكستان اذاً ان تُقر بما كلّفته غلطة كارغيل الكبيرة. وهذه الكلفة مضاعفة ثلاث مرات. اولاً، انها أذلّت باكستان. وثانياً، اضعفت موقع باكستان التفاوضي مع الهنود. وثالثاً، عززت المخاوف الدولية في شأن دور قوات "المجاهدين" في كفاح الكشميريين من اجل الحرية. في العالم الغربي والصين، لا يُنظر بود الى العناصر المتطرفة الاجنبية التي يبدو ان باكستان تحتضنها. ويُعتبر المتطرفون المحليون الذين نشأوا في مدارس دينية تمولها مصادر اجنبية خطراً على باكستان والعالم كله. وتتبنى وجهة النظر هذه الانظمة العربية المحافظة في الخليج وانظمة في بلدان مثل مصر. أدت غلطة كارغيل الى نشوء خطوط صدعٍ جديدة. فالعالم الذي كان يتعاطف مع الكشميريين المضطهَدين بدأ يعتقد ان للقضية جوانب اخرى اكثر تعقيداً. وتمثل هذا العامل في "المجاهدين" او الاسلاميين المتطرفين. تبدو الحرية شيئاً مغرياً، لكن هذا لا ينطبق على التطرف الديني. تواجه باكستان خيارات صعبة في الفترة المقبلة. فالباكستانيون بحاجة في عهد ما بعد الحرب الباردة الى اكتساب هوية خاصة بهم، غير تلك التي تصوّرها كدولة ذات اهمية استراتيجية على خط المواجهة تكافح الشيوعية. لقد انهار مبرر الوجود هذا، الذي موّل سياسة العسكرة، مع انهيار الاتحاد السوفياتي. يقف الشعب الباكستاني في الوقت الحاضر امام خيارات صارخة يتعيّن عليه ان يبتّ بها. فيجب ان يختار بين اولئك الذين يدعون الى التطرف واولئك الذين يعتنقون قيماً ليبرالية. لن يجدي نفعاً اتباع نهج وسطي بتأجيج التطرف في الداخل بينما يُعطى في الخارج انطباع بالاعتدال. ان باكستان بحاجة في النظام العالمي الجديد الى العثور على مبرر للوجود يجعل للمجتمع الدولي مصلحة في تأمين استقرارها وبقائها. فمن دون ذلك يمكن للفوضى الاقتصادية ان تهدد وجود باكستان. لقد ساهمت عوامل اقتصادية بالفعل في رسم حدود جديدة في اوروبا وآسيا. وينبغي لتفكك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ان يكون بمثابة ناقوس خطر لبلد يعيش على اقساطٍ فصلية يتصدق بها صندوق النقد الدولي. هناك من يجادل بأن البرنامج النووي للبلاد سيضمن لها الاهتمام الدولي. وتبعاً لهذا المنظور يقوم مبرر الوجود على القوة المتمثلة بامتلاك اسلحة الدمار الشامل. انها لعبة ابتزاز نووي تمتاز بقصر النظر والخطورة. انها خطرة بالنسبة للمجتمع الدولي ولجنوب آسيا ولباكستان. لم تُنقذ الاسلحة النووية الاتحاد السوفياتي من الانهيار. ولم تتمكن من انقاذ باكستان من انسحاب أحادي الجانب مهين من مرتفعات كارغيل. فالخيار الاساسي الذي يتعيّن على باكستان ان تواجهه، اذ تلوح بشائر ألفية جديدة، هو ما إذا كانت تملك الشجاعة للخروج من إسار الماضي كي تبني مستقبلاً مزدهراً. يمكن لباكستان ان تختار الذهاب مع متطرفين/ حكّام ديكتاتوريين ينظرون الى القوة النووية باعتبارها السلاح الذي يحدد هويتهم. او يمكن ان تتبع طريق ليبراليين/ ديموقراطيين يجعلون الاسواق الاقليمية مبرر الوجود في عهد ما بعد الحرب الباردة. تفتقر تأكيدات نظام نواز شريف اللفظية، باعتباره الحصن في مواجهة صعود المتعصبين الدينيين، الى الصدقية. واظهر الاجتماع الجماهيري لتنظيم "الجماعة" في اسلام آباد الاسبوع الماضي مدى تزايد نفوذ المتطرفين في ظل نظام نواز. فقد أدت مداهنة المتطرفين وملاحقة الليبراليين الى تعزيز المتعصبين. ومن الامثلة الملفتة على هذه المداهنة ما حدث عندما عاد نواز من اجتماع القمة في واشنطن ليأمر باطلاق زعيم الجماعة من السجن. وهناك تقارير يومية عن توجه مئات من طلبة المدارس الدينية الى افغانستان لمساعدة حركة "طالبان" واسامة بن لادن. ويغض نظام نواز النظر عن هذا التدخل السافر في افغانستان. يبدو ان باكستان تريد ان تتحدى العالم. فايران غاضبة بسبب افغانستان، كما هو الامر بالنسبة للجيران في آسيا الوسطى. ولم تبد الصين حماساً لتقديم العون خلال حادثة كارغيل. ويجتاز مرتزقة الحدود الى داخل افغانستان. وانتهت مبادرة السلام مع الهند الى الفشل. واصدر زعيم ديني تهديداً بالقتل ضد كل الاميركيين في باكستان لانه يعتقد انهم ينوون مهاجمة افغانستان او خطف اسامة بن لادن. اصدرت وزارة الخارجية الاميركية تحذيراً ضد السفر الى باكستان. يقف نظام نواز مسؤولاً عما آل اليه الوضع. فقد اهدر هذا النظام، بالجري مع الارنب وملاحقة الطريدة مع كلب الصيد، الفرصة لرسم رؤية مستقبلية للبلاد. ويغرق النظام تحت وطأة الفوضى الاقتصادية التي نجمت عن سوء ادارة الاقتصاد وإهدار فرص اتاحتها عمليات التفجير النووي الهندية. واذ ينتفض الشعب ضد حكمه الاستبدادي، تقترب اللحظة التي يتعيّن على باكستان ان تختار فيها بين الليبرالية والتطرف. سيتم هذا الخيار إما عبر انتخابات حرة تُعيد الديموقراطية في باكستان أو عبر تغييرمدعوم من العسكر يؤدي الى تنصيب متطرفين متكتمين. * زعيمة المعارضة الباكستانية.