استكمل خبراء في ترميم الآثار في "المعهد الوطني للتراث" في تونس ترميم لوحة فسيفسائية عتيقة رسمت عليها خمس عشرة جزيرة من جزر شرق المتوسط ما زالت إثنتا عشرة منها موجودة اليوم فيما غمرت المياه الجزر الثلاث الأخرى. وشكل العثور على اللوحة التي كانت تغطي أرضية بيت روماني قديم اكتشافاً تاريخياً مهماً كون الخارطة تقدم معلومات دقيقة عن مستوى المعارف الجغرافية في القرن الثالث الميلادي، خصوصاً ان أسماء الجزر كتبت باللاتينية الى جوار كل جزيرة، واعتبرها مؤرخون من أقدم الخرائط عن المنطقة وربما أقدمها أتى الاكتشاف من باب الصدفة، اذ كان عمال يقومون بحفريات في محيط القلعة الرومانية في مدينة حيدرة القريبة من الحدود التونسية - الجزائرية لحماية قسمها الجنوبي من سيول الأودية، فكشفوا عن بيت قديم لأحد الأثرياء الرومان وكانت تغطي احدى غرفه لوحة مساحتها ثلاثون متراً مربعاً. وأدرك عالم الآثار المسؤول عن المنطقة فتحي البجاوي قيمة الاكتشاف واستطاع تحديد الفترة التاريخية التي تعود اليها اللوحة أواخر القرن الثالث وبواكير الرابع الميلادي وهو كان وراء غالبية الاكتشافات الأثرية في محافظة "القصرين" التي تقع فيها حيدرة الغنية باللوحات الفسيفسائية التي تعتبر ثروة نادرة من الآثار الرومانية. طليت أرضية اللوحة بالأزرق الذي يرمز للبحر ونشرت على صفحته الأمواج والأصداف والأسماك فيما رسم ثلاثة ملائكة في الفضاءات الشاغرة ترمز لعلاقة الانسان بالبحر: الأول داخل مركب والثاني يسبح وراء سمكة والثالث يصطاد بواسطة صنارة. كذلك اظهرت اللوحة حقول العنب وأشجار النخيل المنتشرة في شرق المتوسط منذ تلك الفترة. وأشار سمير بن علي الى ان الجبل الصغير الذي تصوره اللوحة خلف البنايات في جزيرة ايريكس ما زال موجوداً فعلاً الى اليوم. وأوضح ان عشراً من الجزر والمدن الماثلة في اللوحة لها علاقة مع رمز الحب والجمال فينوس وهو ما أكدته النصوص الرومانية والاغريقية المتأخرة والتي أشارت احياناً الى وجود معابد مهداة لها. ورجح ان المعبد الذي يظهر في اللوحة وراء البنايات في جزيرة "بافوس" هو معبد فينوس وربما يكون الجبل المرسوم في جزيرة "ايريكس" يرمز كذلك الى معبد فينوس الذي كان قائماً في قمة الجبل طبقاً لما ورد في كتب المؤرخين الرومان. ورأى مكتشف اللوحة الباحث فتحي البجاوي ان الثري الروماني صاحب البيت سعى الى رسم رحلة خيالية الى شرق المتوسط على الفسيفساء أو ربما أراد ان يخلد رحلة حقيقية الى الجزر المتوسطية. وأشار الى وجود أخطاء جغرافية في اللوحة بينها فصل مدينتي بافوس وايداليوم عن جزيرة قبرص التي توجدان فيها. الا انه شدد على أهمية الخارطة بوصفها مادة دراسية مهمة للمؤرخين وعلماء الآثار. وقدم البجاوي وهو باحث في "المعهد الوطني للتراث" أبحاثاً ومحاضرات عدة في ندوات ومؤتمرات تاريخية عن مجموعات الفسيفساء والآثار التي اكتشفها في محافظة القصرين والتي تعكس مشاهد الصيد وفنون الزراعة وأنماط العمارة في ظل الحكم الروماني الذي استمر قروناً في تونس. واخضعت لوحة الجزر المتوسطية الى أعمال ترميم طويلة استخدمت فيها أحدث التقنيات خصوصاً بعدما جرفت مياه الأودية بعض أجزائها وستعرض قريباً على الجمهور ويتاح للمؤرخين والطلاب درسها.