جاءت إلى الطبيب النفسي أم تبكي وتشكي من أن ابنها البالغ من العمر اثني عشر عاماً تنتابه فترات عنف يعبر فيها عن ثورة غضبه بالكلمة واللكمة والرغبة في أفعال لا تخطر على البال، يتمنى فيها تناول المديات وشق البطون وفقء العيون والتلذذ بآلام الناس. على الرغم من أنه طفل متزن، بحسب الأم، وعلى خلق قويم، ومتفوق في دراسته. بادر الطبيب النفسي بسؤال الأم عن وجود الاب ومدى قضائه الوقت المتاح مع ولده. فكان الرد بالنفي: "الاب موجود ولا نراه. يقضي نهاره في العمل ومساءه مع الأصدقاء"! ولأن عنف الطفل تعبير عن توتراته وضيقه وعن احساسه بعدم الامان، وعدم القدرة على التوجه إلى قدوة يتمثل بقوتها ووجودها، فإن لجوءه إلى العنف يصبح أمراً مفهوماً، ونذير خطر يجب التنبه إليه بكل الحواس الاجتماعية والأسرية والشخصية على مختلف المستويات. اثبت البحث العلمي ان الأطفال الذين يغيب عنهم آباؤهم جسدياً وذهنياً يتعطل نموهم الشخصي وتتولد لديهم الاعتمادية على الآخرين، ورغبات محمومة لإظهار الرجولة بشكل موسوس، وكأنه رد فعل عكسي للاحساس بعدم الامان. وهذا بدوره قد يؤثر على علاقات الطفل باقرانه وبمدرسيه وبإخوانه واخواته ووالدته وأقاربه وجيرانه في البيت. ومن الملحوظ ان السلوك العدواني المنحرف عند الإنسان يبدأ عموماً من مرحلة الطفولة، ويزيد عندما يتربى الطفل في بيت تحكمه الأم بمفردها، فتكون هي الاب والأم. والصبيان أكثر حساسية من البنات، ويبحثون عن قدوتهم ما بين سن الرابعة والخامسة، بينما تبحث البنات عن قدوتهن ما بين التاسعة والحادية عشرة. ففي هذه الفترة تتشكل علاقات النفس بمحيطها الخارجي، وبالتالي يتحدد سلوكها العام والخاص. وتبين أن تمثل الأطفال بالقدوة يضطرب في البيوت التي يغيب عنها الاب، او التي يوجد فيها، ولكن تسيطر عليها الأم. كذلك وجد أن البيوت التي يصبغها العنف بين الاب والأم بصبغته، يضطرب فيها الأولاد. وتمثل اعتداءات الاب على الأم أهم مصادر توتر الأطفال ومصدر عدم امان وألم نفسي لهم. ويرون في العنف بين أعز الناس لديهم تهديداً لمسارهم ولاعتبارهم النفسي ولانشغالاتهم الحياتية، وتحطيماً لامالهم المستقبلية. يبقى أن لا حلول لمظاهر العنف الأسري في مجتمعنا إلا بالتأمل العميق لديناميكية التحولات التي تحدث داخل أسرنا. فإذا عرفنا أن عنف الصغار بدءاً من سن الثامنة، يصاحبه قلق الأب واضطرابه اجتماعياً وعدم وجود الممثل والقدوة في البيت، والتحول والاهتمام لمشاهدة أفلام العنف في التلفزيون، الألعاب العنيفة جداً، كلها علامات خطيرة يضاف إليها في حالات عدم الاشراف على الأولاد أو اهمالهم، وفقدان الأم لثقتها بنفسها، وعنف الوالدين شجاراً كان أم قسوة بدنية... وكلها مؤشرات تؤثر على نفسية الطفل وتولّد أشخاصاً قليلي الحيلة منخفضي الذكاء وعدوانيين.