كان لزيارة بيل كلينتون الأخيرة الى غزة هدفان: انقاذ عملية السلام وتقوية موقفه ازاء الكونغرس الذي كان وقتها ينظر في عملية اقالته. واذا كان الهدف الثاني قد فشل بعدما صوت مجلس النواب الأميركي لاحالته الى المحاكمة امام مجلس الشيوخ، فقد مني الهدف الثاني ايضاً بالفشل، رغم كل المبالغات والتهويلات في وسائل الاعلام. مع ذلك علينا القول ان خطاب كلينتون الى الفلسطينيين كان الأول من نوعه من حيث التعبير عن التعاطف الانساني مع مأساتهم. وما ان وصل كلينتون الى فلسطين حتى اعلن بنيامين نتانياهو وقف عملية اعادة الانتشار الاسرائيلية التي نص عليها اتفاق "مزرعة واي" الذي عقد في تشرين الأول اكتوبر الماضي. ولما كان الانسحاب المفترض رمزياً اصلاً، اذ لم يشمل سوى مساحة ضئيلة من الأرض خمسة في المئة من المنطقة "ج" التي تسيطر عليها اسرائيل تضم الى المنطقة "ب" الواقعة تحت السيطرة الأمنية الاسرائيلية في اي حال فإن الغاية من الاعلان كانت مجرد اهانة الفلسطينيين والرئيس كلينتون. وتوالت في الأسابيع الأخيرة التقارير عن "الاضطرابات" في الأراضي المحتلة، وكان سببها، من جهة، استهتار اسرائيل بمشاعر الفلسطينيين عندما اطلقت سراح نحو مئة سجين من سارقي السيارات والمجرمين العاديين فيما نص اتفاق "مزرعة واي" على اطلاق 750 سجيناً سياسياً، ومن الجهة الثانية غضب الفلسطينيين من استعداد عرفات الدائم لتقديم التنازلات، واسلوبه التفاوضي المتسم بالتسيب واللامبالاة وهو ما دفع عدد من مفاوضيه الى التهديد بالاستقالة. من هنا، بدلاً من التقدم نحو السلام، نجد هذا المزيج من صلافة نتانياهو وضعف كلينتون وتضاؤل شعبية عرفات الى حد الاختفاء، وهو ما لم تنجح في التغطية عليه كل تلك المراسيم والطقوس العجيبة التي تفنن في ابتكارها الفلسطينيون والأميركيون، من ضمنها عروض فرق موسيقى القرب والفتيات حاملات الزهور والسيدة عرفات الخ... ما استغربه هو عدد المرات التي يقبل فيها عرفات وبعض اتباعه القيام بخطوات الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني تلبية لطلب الاسرائيليين. ولم يكن هناك بالطبع اخيراً اجتماع حقيقي للمجلس الوطني الفلسطيني، لأن تلك المؤسسة فقدت شرعيتها واستقلاليتها فعلياً عندما عاد عرفات الى غزة في 1994. واذا كان عرفات في 1996 جمع بعض الفلسطينيين لتغيير الميثاق فإنه هذه المرة اكتفى بدعوة حفنة من المسؤولين ورجال الأعمال والوصوليين للمناسبة "الكبرى" الجديدة. والغريب أنني تسلمت عن طريق الخطأ دعوة لحضور الاجتماع، أرسلتها الى مكتبي بالفاكس "الشركة الفلسطينية للخدمات التجارية" التي يسيطر عليها عرفات. وحددت لي الدعوة موعداً للوصول الى عمان والانضمام هناك الى رحلة جوية الى غزة مخصصة للمشاركين في الاجتماع، ثم العودة مساء اليوم نفسه. وجاءت الدعوة رغم انني استقلت من المجلس الوطني الفلسطيني في 1991، وهو ما يعطينا فكرة عن شرعية الاجتماع الجديد من حيث العضوية والنصاب. في الوقت نفسه تسلمت دعوة لحضور اجتماع المعارضة الفلسطينية في دمشق بقيادة جورج حبش ونايف حواتمة. وأكدت مصانع الاشاعات الفلسطينية وهي المؤسسات الوحيدة الناشطة في الحياة السياسية الفلسطينية انني حضرت الاجتماع. المهزلة البائسة التي جرت في غزة بحضور كلينتون ألهمت ديبورا سونتاغ، المراسلة الجديدة في اسرائيل لصحيفة "نيويورك تايمز"، مقالة بالغة السخف تغنّت فيها بالديموقراطية التي ينعم بها الفلسطينيون خلافاً لبقية العرب. لكن الأحداث على الأرض استمرت في تكذيب المهزلة. من ذلك، أولاً، استمرار وتصاعد وتيرة الاستيلاء على الأراضي العربية من قبل المستوطنين الاسرائيليين، سواء عن طريق توسيع المستوطنات الأصلية او انشاء مستوطنات جديدة. ويسيطر المستوطنون على نحو اربعين في المئة من اراضي غزة، فيما تحيط الحواجز الالكترونية الاسرائيلية بالقطاع من جهات ثلاث الجهة الرابعة هي البحر، حيث دوريات الاسطول الاسرائيلي. ولا يبدو ان كلينتون أدرك مدى مساهمة اسرائيل في تأمين سلامته خلال الزيارة. وحسب الدراسة الموثوق بها الصادرة في واشنطن أواخر السنة الماضية بعنوان "تقرير عن الاستيطان الاسرائيلي" فإن "الديبلوماسية لا تتناول التغييرات التي تقوم بها اسرائيل في الأراضي المحتلة"، ومن هنا فإن سياسة الاستيطان الاسرائيلية أثناء عملية السلام "سارت شوطاً طويلاً نحو الهدف الذي سعى اليه قادة اسرائيل خلال العقود الثلاثة الأخيرة: اعاقة انشاء كيان سياسي فلسطيني مستقل يتمتع بسيادة حقيقية غرب نهر الأردن. ان هدف اسرائيل، كما يبدو، مناقض تماماً للأفكار السائدة عن هدف المفاوضات التي بدأت في أوسلو في 1993". ويفشل الفلسطينيون في كل من اجتماعات القمة المتوالية، رغم كل ما يرافقها من التطبيل الاعلامي، في وقف حملات الاستيطان الاسرائيلي. ولم تشذ محادثات "مزرعة واي" عن هذه القاعدة، كما أوضحت لميس أندوني في العدد الصادر في 11 من الشهر الماضي لمجلة "ميدل ايست انترناشونال"، لأن المفاوضين لم يفهموا ان اسرائيل "لم توافق سوى على عدم توسيع المستوطنات الاّ بعد الانتهاء من مرحلة الانشاء الحالية، ما يعني ان مايسمى المناطق المحاذية التي وافق عليها الفلسطينيون يمكن ان تشمل في النهاية مئات لا تحصى من الفدادين. ونجد في صحيفة "هآرتز" في 27 تشرين الثاني نوفمبر الماضي وصفا مخيفاً لكيفية توسع مستوطنة افرات قرب بيت لحم وخنقها للقرى الفلسطينية المجاورة. وكنت صورت شريطاً تلفزيونياً للمنطقة خلال شباط فبراير الماضي، إلاّ ان القرى هناك مثل وادي رحال والخضر التي زرتها وقتها فقدت الآن كل أراضيها تقريباً. ثانياً، أدت اقتصاديات السلام الى إفقار الفلسطينيين، كما تُبيّن سارا روي في دراسة جديدة مثيرة للاعجاب نشرها لتوه مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية، عنوانها "الاقتصاد الفلسطيني وعملية اوسلو: تدهور وتفكك". على كل مستويات المجتمع، تتدنى الانتاجية وتتقلص الاسواق، وهناك اتكال اكبر على اسرائيل. وفيما تبلغ البطالة اعلى معدلاتها اطلاقاً، تُعتبر سلطة عرفات، باجهزتها الامنية ال 14 وجهازها البيروقراطي المنتفخ وآلاف المخبرين وعناصر الامن، المستخدم الاكبر والاقل انتاجية. فكل وزارة توظف مئات المدراء الذين لا يفعلون أي شيء سوى تقاضي اجور سخية. وتشير تقديرات البنك الدولي الى ان حجم قوة العمل التابعة لعرفات يبلغ 120 الف شخص، وهم يشكلون مع الذين يتولون إعالتهم حوالي نصف الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربيةوغزة. ويعتمد هؤلاء بشكل كامل على عرفات. لكن التذمر يحتدم في أي حال. تظاهر آلاف اللاجئين في سورية ولبنان. واصيب اربعة فلسطينيين بجروح على ايدي القوات الاسرائيلية عندما اجبرت مجموعة من العمال الفلسطينيين على ان يزحفوا على الارض. ويستمر قذف الحجارة من قبل الفلسطينيين واطلاق "الرصاص المطاط" من قبل الاسرائيليين. ومع ذلك، يتحدث نتانياهو بصخب عن التحريض عندما يرفع احد الفلسطينيين شعاراً يطالب بحرية الوصول الى الاماكن المقدسة في القدس التي لا يُسمح لفلسطينييالضفة الغربيةوغزة بالوصول اليها كما وصفت ذلك صحيفة "هآرتس" في 14 الشهر الماضي. كانت الفكرة الرئيسية لاتفاق "واي" اذاً هي عدم اعطاء الفلسطينيين مزيداً من الحرية، وفي الوقت نفسه عدم السماح للولايات المتحدة واسرائيل ب "مساعدة" الفلسطينيين على اقامة دولة مستقلة، بل العكس تماماً، ان تُزاد بمساعدة من السلطة الفلسطينية القيود والشروط التي يعيش في ظلها الفلسطينيون كي يبقوا طيعين ويُعتنى بهم وفق افضل التقاليد الاستعمارية. ويتجلى احسن مثال رمزي على ذلك في اصدار مرسوم جمهوري من قبل عرفات في 19 تشرين الثاني نوفمبر الماضي يحمل عنوان "بشأن تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض". ويشير المرسوم، الذي يبدو واضحاً انه جاء نتيجة هوس نتانياهو المفرط بأمن اسرائيل يقابله اهمال عرفات لأمن الفلسطينيين، الى ان مراجعه الشرعية والامثلة السابقة التي يستند عليها مستمدة من قوانين من ضمنها "قانون العقوبات الفلسطيني الرقم 74 لسنة 1936 وتعديلاته". هذا القانون ليس سوى "انظمة الطوارىء العسكرية" التي اصدرتها سلطة الانتداب البريطانية كوسيلة لمعاقبة المقاومة الفلسطينية، ثم تبناها الاسرائيليون بعد 1948 للغاية ذاتها. والآن يستخدمها عرفات لتهديد ابناء شعبه. وما الغرض من ذلك؟ لمنع التحريض على اعمال العنف والاهانات والتمييز العنصري. كما يحظر المرسوم "الجمعيات غير الشرعية"، وكذلك "افساد الحياة وتهييج الجماهير للتغيير بالقوة غير المشروعة او التحريض على الفتنة او التحريض على خرق الاتفاقات التي عقدتها منظمة التحرير الفلسطينية مع دول شقيقة او اجنبية". وستتولى تنفيذ هذا القانون الجديد والفريد لجنة مشكلة من عدد متساوٍ من الفلسطينيين والاسرائيليين وعضو او اكثر العدد متفاوت حسب التقارير من الاميركيين الذين قد يكونوا، او لا يكونوا، اعضاء في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي آي أي". ولن تكون مهمتهم سوى مراقبة كل ما يتفوه به الفلسطينيون - كتابةً او شفاهاً، وما يُنشر او يُبث - بالاضافة الى الكتب المدرسية والصحف والمجلات، كما اوضح لي صديق من الضفة الغربية وصوته يتأرجح بين الاسى والبهجة. هذه الوثيقة العجيبة لم تُلحظ بعد من قبل وسائل الاعلام الاميركية او العربية او الاوروبية التي تبدي حماسة مفرطة في التبشير بنشوء الدولة الفلسطينية. لا يهم، بالطبع، الغياب الكامل للاتصال بين الاراضي في مناطق الحكم الذاتي. ولا يهم ان يكون عرفات رفض التصديق على الدستور او القانون الاساسي الذي اقترحه مجلسه التشريعي. ولا يهم ان تخضع حياة الفلسطينيين، بفضل الضغوط الاميركية والاسرائيلية، لسلطة محاكم امن الدولة التي تمنع حضور الشهود او محامي الدفاع او الجمهور. ولا يهم ان يستمر عرفات، الذي لا يخضع الى اي مساءلة او محاسبة، في التحكم بمبالغ كبيرة تعهد بها مانحون اوروبيون واميركيون، رغم ادلة كثيرة على تفشي الفساد على نطاق واسع. اما ان تفرض اسرائيل والولايات المتحدة على الفلسطينيين الاذعان بتزلف لقانون مناهض للتحريض - مع لجنة على النمط الستاليني تقرر من طرف واحد ما هو التحريض وما هو غير ذلك - فإنه بالتأكيد ليس خطوة الى امام في السعي الى السلام او تقرير المصير من قبل الفلسطينيين. هل هناك اذاً ما يدعو الى العجب لان زيارة كلينتون "التاريخية" الى غزة لم تحرّك مشاعر الفلسطينيين، او لأنهم يميّزون في وصفات "السلام" الاميركية دور مستشاري الرئىس كلينتون الذين كان معظمهم، مثل دنيس روس، اعضاء سابقين في اللوبي الاسرائيلي؟ * استاذ الانكليزية والادب المقارن في جامعة كولومبيا.