الكتاب: عصر السلطان عبدالحميد الكاتب: محمد ابو عزة الناشر: المنارة - دمشق 1998 كان حكم السلطان عبدالحميد 1876 - 1909 من ابرز عهود الامبراطورية العثمانية، حيث شهدت مرحلته تقلبات سياسية اطاحت في النهاية بآل عثمان وأوجدت الدولة التركية الحالية، وفي الوقت نفسه فان الحكم الحميدي عاصر مراحل النهضة العربية واصطدم برجالاتها في مراحل مبكرة من حكمه، وأغلب المؤلفات التي وضعت عن هذا العهد كتبت بالتركية واختلفت مع رحيل العثمانيين عن البلاد، بينما بقيت المؤلفات العربية عن الموضوع نفسه قليلة حتى فترة متأخرة من القرن العشرين. واليوم فان الأبحاث التي تتناول نهاية الامبراطورية العثمانية غدت متشعّبة وتفصيلية الى ابعد الحدود، وكتاب "عصر السلطان عبدالحميد" يشكل بحثاً متميزاً عن الوقائع التي رافقت نهاية الخلافة، ويضيء في الوقت نفسه جانباً من تاريخ المنطقة خلال فترة حرجة رافقتها رياح التغيّر الدولي والاقليمي. يتناول الفصل الاول الامبراطورية العثمانية من نشأتها وحتى انهيارها، فيقدّم صورة عن اصولها التتريّة، وعندما اندفعت هذه القبائل من سفوح تيان شان الى بوادي آسيا الوسطى كانت تمتلك خصائص عرقية اصطلح علماء الاجناس البشرية على تسميتها بالطورانية. وفي القرن السادس للميلاد اصبح للأتراك دولتان قويتان امتدتا من منغوليا وحتى البحر الاسود، إلا ان اسرة تانغ المالكة في الصين قضت على هاتين الدولتين. وفي زهاء عام 700 ميلادي بدأت القبائل التركية باعتناق الاسلام وكان حضورهم الفعلي داخل الدولة العباسية مع صعود الخليفة المعتصم، اذ انشأ حرساً له من الموالين الأتراك ومهّد السبيل لسيطرتهم على الخلافة طوال القرون التالية، ولكن الدولة العثمانية لم تنشأ عملياً إلا في العصر الذي انتهت فيه حروب الصليبيين والمغول. فبعد ان انتهت الدولة العباسية في بغداد انقادت الدولة العثمانية الناشئة الى فكرة الجهاد وقضت الدور الاول من حياتها في مهاجمة الغرب بإسم الدين، وتألفت الامبراطورية العثمانية من بقايا المملكة السلجوقية المنقرضة، وتشكلت دعائمها ايضاً على انقاض الامبراطورية البيزنطية التي عاشت عشرة قرون ونصف، غير ان الامبراطورية العثمانية لم تعش بعد زوال الدولة البيزنطية سوى 467 عاماً، حيث ظهرت الى الوجود كحكومة مستقلة سنة 1299 م وتلاشت نهائياً العام 1920 بعد توقيع معاهدة سيفر. واعتاد المؤرخون تقسيم المدة التي عاشتها الى ستة ادوار: يعرف الاول بدور التأسيس 1299 - 1413 م، ويبدأ بإعلان السلطان عثمان استقلال بلاده وينتهي بجلوس محمد الاول على "عرش اجداده". والدور الثاني 1413 - 1595 م يضم مرحلة الاستيلاء والفتوحات وينتهي بجلوس محمد الثالث على العرش. وفي الدور الثالث 1595 - 1676 م شهدت الامبراطورية حالة من الجمود العام واستولى الفرس خلالها على بغداد، واشتهر في هذه المرحلة السلطان مراد الرابع الذي استرجع بغداد. وشهد الدور الرابع 1676 - 1828 م مرحلة انحدار وتقهقر وألغي في نهايته وجاق الانكشارية ليبدأ الدور الخامس 1828 - 1908 م الذي شهد نهوضاً وتجدداً. والمرحلة الأخيرة 1908 - 1920 م هو دور الاحتضار وفيه انتقلت سلطة البلاد الفعلية الى الاتحاديين الذين قادوا الامبراطورية الى قبرها بخطوات سريعة. في الفصل الثاني، يستعرض الباحث احداث القرن الثامن عشر الذي شهد احداثاً مهمة داخل الامبراطورية، فيتحدث عن حملة نابليون وسيطرة محمد علي على الحكم في مصر. وفي القرن التاسع عشر شهدت الاصلاحات في الدولة العثمانية تقلبات مستمرة، ويرى الباحث انه لا يمكن تفهم العصر الحميدي من دون الرجوع الى عصر السلطان عبدالعزيز الذي استلم الحكم العام 1861م، فحادثة خلعه وانتحاره بعدها من النقاط الحاسمة في التاريخ العثماني. ويعتقد بعض المؤرخين الاتراك ان اقصاءه عن الحكم أضرّ بالدولة اكثر مما افادها، وفي الواقع فان الانهيار داخل الدولة العثمانية بدأ مع سقوط العرش العزيزي. ويقدم الكتاب بانوراما لمرحلة حكم عبدالعزيز وزيارتيه لأوروبا ومصر وموجزاً لبعض الاصلاحات التي قام بها، اضافة الى احداث الازمة المالية التي عصفت بالسلطنة والثورات التي هزّت اركان الخلافة في اوروبا، وأدّت هذه الامور الى خلع السلطان بعد ان بقي على العرش 15 عاماً وانتحر بعد خلعه بيومين ليتسلم الحكم بعده مراد الخامس الذي يعده المؤلف من أتعس السلاطين حظاً، فهو حكم البلاد 93 يوماً ثم نحّي عن العرش بسبب الاختلال الذي طرأ على عقله، وبقي سجيناً في قبضة اخيه السلطان عبدالحميد الى ان توفى عام 1904 م. وعبر الفصل الثالث يطرح الباحث بدايات العصر الحميدي والذي يكاد يكون تاريخاً مستقلاً وقائماً بذاته، فعبدالحميد امتلك منذ صغره دهاء ومكراً وكانت بنيته الجسدية مختلفة عن الشكل التركي وأقرب الى الهيئة الأرمنية، وهناك بعض المرويّات عن كونه ابناً غير شرعي لكنها بمجملها غير مؤكدة. ونشأ عبدالحميد بخيلاً يحب المال فأحسن ادارة املاكه ومزارعه وكان وكيل خرجه رجلاً ألمانيا. وينقل الباحث مرويّات كثيرة عن تصرفاته في صغره وشبابه، ويصف يوم اعتلائه العرش. ثم يقدّم طريقة حياته عبر استعراض روتينه اليومي فكان يفرّغ وقتاً للقراءة ولهواياته المتعددة. ونجد في الفصل الرابع صورة القصر الخاص بعبدالحميد، حيث لعبت النساء دوراً بارزاً في حياته فكان له اثنتي عشر زوجة، وأمّا حب عمره فكانت الجارية صافيناز، واستتبع هذا العدد الهائل من الزوجات والخدم والجواري بناء قصر جديد هو قصر يلدز الذي يصفه الكاتب بدقة. وينقلنا الفصل الخامس الى الاحداث الداخلية التي رافقت بداية العهد الحميدي، فاستطاع اجراء ترتيبات نزعت السلطة من يد الوزراء كما خفّف نفقات العرش، وجعلت قراراته وتعييناته الأحرار يدركون بأن آمالهم في اعلان الدستور لن تتحقق بسهولة، وأدّت خلافاته معهم الى التخلص منهم بشكل متسلسل وشكّل شبكة للتجسّس عليهم توسّعت حتى عمّت البلاد بأسرها، واستخدم اموال الدولة لكبح جماح المعارضة عبر شراء الصحف ومنح الأوسمة وخلق المحسوبيات، واستطاع التأثير على الرأي العام في وقت كانت تعاني فيه الدولة من مشكلتي حرب البلقان والأزمة البلغارية. ويشرح الكاتب تفاصيل التدخلات الدولية في هاتين الأزمتين وتأثيرهما على طبيعة الحكم العثماني الداخلية، كما ينقل خلاف عبدالحميد مع مدحت باشا الذي تولى منصب الصدر الأعظم فترة لا بأس بها، وكان من أهم الإصلاحيين في تلك الفترة وشارك في الضغط على السلطان في مسألة الدستور. وعبر الفصول الاخيرة فاننا نقف امام ملابسات الحروب التي أدّت لسيطرة الاتحاديين على الحكم. كتاب عصر السلطان عبدالحميد يجمع التفاصيل المختلفة بما فيه الحوارات والنقاشات التي دارت في القصر، ويضم معظم الوثائق السياسية المتعلقة بتلك المرحلة ويؤرّخ لشخصية عبدالحميد عبر استعراض خصائله وطباعه الشخصية