للغضب العربي والاسلامي على الولاياتالمتحدة مبرراته. والوضع هذه المرة مختلف لأسباب كثيرة. بعض هذه الأسباب يتعلق بظروف العرب الآن. وهي ظروف تختلف في الشكل وفي الجوهر عن ظروفهم خلال ازمة 1991. فالعرب - منذ تلك الحرب - تحت الحصار. ولا مبالغة في هذا الوصف. بل أكاد اصف كل دولة عربية بأنها كانت بشكل أو بآخر خلال السنوات السبع الأخيرة "عراقاً" ثانياً. صار العراق أو كاد يصير نموذج الدولة في المنطقة العربية. فهي، أي الدولة العربية، إما تحت الحصار الفعلي، أو خاضعة للعقوبات الاقتصادية أو النفسية، أو أنها تحت التفتيش المعلن القسري أو التفتيش بالتراضي وبالسكوت عنه. والدولة العربية إما مفلسة أو ثرواتها مرهونة للبنوك الدولية الكبرى، وإما ان إرادتها منقوصة لأن صندوق النقد العالمي يدير شؤونها الاقتصادية، ومعه البنك الدولي يدير شؤونها الاجتماعية. والدولة العربية محدد لها نظام تسليحها وبرامج تدريبها ومجالات أمنها، أو انها سلّمت شؤون سلامتها لاتفاقات خارجية. ثم إن الدولة العربية في خطر دائم، خطر انفجارات أو مذابح دموية أو اقتتال طائفي أو تمزق جغرافي. هذه بعض أحوال العراق، وليس صعباً أن تجد شبيهاً لحال أو أكثر من هذه الأحوال في كل الدول العربية أو في أغلبها. وكل هذه الأحوال - إن لم تكن نتيجة مباشرة لحرب 1991 فهي بالتأكيد تدعمت وتقوّت بهذه الحرب. لا نزال نعيش عواقب تلك الحرب. وأظن أن كلنا على يقين بأن العواقب ستكون أشد وأكثر، نتيجة حرب جديدة. هناك قلق عظيم لا يمكن أخفاؤه. قلق موجود في دول بعيدة كل البعد عن مجالات النيران والقصف كما يوجد عند قطاعات تمنت واستعجلت في آن أو آخر هذه الحرب الجديدة. واعتقد أنها الآن نادمة على تمنياتها واستعجالاتها. ومباعث القلق كثيرة، ليس أهمها الفواتير المطولة التي ستصل في اعقاب الحرب، وإنما هي في حجم التحولات التي يمكن أن تحدث في المنطقة نتيجة هذه الحرب. لم نفهم قبل الحرب الماضية وخلالها معنى هذه التعبئة الهائلة للمجتمع الاميركي ولا هدفها. أو بمعنى أدق وجدنا التبرير للتعبئة، فالعمل الذي ارتكبته القيادة العراقية كان بشعاً، وكان كل الظن عندنا أن بشاعة العمل تستدعي كل هذه التعبئة للرأي العام في اميركا. ولكننا نكتشف الآن تطوراً مثيراً. فالتعبئة ليست أشد، وإن كانت لا تزال هائلة، لكن المثير هو أن التعبئة ضد العراق تأتي فوق تعبئة مستمرة على مدى سبع سنوات ضد العرب تحت لافتة الحضارة العربية الاسلامية، أو بفضل سياسات تتعمد تشويه صورة شعوب هذه المنطقة وعقائدها ونظم الحكم فيها واقتصاداتها. كانت حصيلة السنوات السبع الماضية كراهية وحقداً وتمييزاً وعنصرية ضد العرب وضد المسلمين، والأمثلة تفوق الحصر وتشهد بها كتابات كبار الصحافيين الأميركيين والأفلام السينمائية والغطرسة التي تمارس بها السياسة الخارجية الأميركية عند التعامل مع الحكومات العربية. يلفتنا هذا الاجماع الاميركي المثير للدهشة تأييداً للحرب ضد العراق. لم أعرف في كل ما قرأتُ في تاريخ السياسة الخارجية الاميركية اجماعاً حاقداً على طرف خارجي مثل هذا الذي نراه الآن على العراق، لم يحدث مثل هذا الاجماع ضد بنما - نورييغا، ولا ضد زائير - موبوتو، ولا ضد كمبوديا - الخمير الحمر، وبالتأكيد لم يحدث ضد شيلي - بنيوشيه، فلماذا هذا الاجماع ضد العراق - صدام؟ لا يوجد في الأمر مؤامرة ولا ما يشبه المؤامرة وعلى كل حال لم يعد يرهبنا الاتهام باعتناق نظريات المؤامرة، فمعظم التعليقات في أوروبا والأميركا خلال السنوات الاخيرة على أحداث الكبار حمل تفسيراً تآمرياً، منها الرأي في حادث مصرع الأميرة الجميلة ديانا، ورأي هيلاري في مسلسل العلاقة بين مونيكا الفتاة اليهودية ابنة لوس انجليس وبيل كلينتون رئيس الجمهورية الاميركية. لا توجد مؤامرة وراء تعبئة الرأي العام الأميركي ولا وراء الحرب المستمرة سبع سنوات باشكال مختلفة ضد العراق واشباه العراق في العالم العربي. إنما توجد أهداف وهي كثيرة. أختار منها ثلاثة، فلكل حرب اهدافها. كانت لحرب 1991 اهدافها وتحققت. ثم تكونت أهداف جديدة استحقت حرباً جديدة، وستتكون أهداف أخرى تستحق بعد عام أو أكثر حرباً أو حروباً أخرى ضد العراق أو ضد غيره. من ناحية، أعتقد أنه كما أن الحرب الأولى في 1991 حققت لاسرائيل خلال السبع سنوات الأخيرة ما لم يمكن تحقيقه على مدى اثنين وأربعين عاماً، فإن حرباً ثانية قد تستكمل ما بدأته الحرب الأولى. لن أطيل هنا في شرح المكاسب التي حققتها اسرائيل منذ انعقاد مؤتمر مدريد ومشتقاته، فهي واضحة بل صارت محفورة على وجوه زعامات السلطة الفلسطينية وعلى معالم الارض العربية في الضفة وغزة، ولم يعد ممكناً إخفاؤها أو التقليل من أهميتها حتى لو كان الهدف الفلسطيني الرسمي بعد أن طرح الشبر كرمز، تواضع إلى حدود دنيا. لقد استفادت اسرائيل من حرب 1991 استفادة قصوى، وأظن أنها - مع الولاياتالمتحدة - تنتظر أن تقترب أكثر فأكثر نحو الحل النهائي للمسألة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الحرب الثانية. لست واحداً من الذين ينتظرون أن يتحول كلينتون بعد انتصاره فيطلب من حكام إسرائيل الامتثال الى قرارات دولية. بل انتظر أن يكون أول نداء أو إنذار يصدر عن السيدة أولبرايت بعد الحرب، هو النداء أو الانذار الموجه الى الفلسطينيين لكي يكونوا أكثر واقعية. لاحظنا - من ناحية ثانية نفاد صبر الولاياتالمتحدة من تردد أو معارضة أو تمرد حلفائها. لاحظناه في مدريد في اجتماع حلف الأطلسي، وفي دفتر اجتماع القمة الاقتصادية وفي الخلاف على السياسات الغربية تجاه الصين وروسيا ودول البلطيق وإيران. وتشعر واشنطن منذ فترة غير قصيرة بأن تعبير الشرعية الدولية بدأ يفقد صدقيته تدريجاً، وبأن الولاياتالمتحدة قد تفاجأ في ازمة دولية قريبة بأنه فقد فعلاً مغزاه. ضاعف من تدهور هذا التعبير، سواء في نظر دول العالم كما في نظر واشنطن ذاتها، موقف الكونغرس الأميركي من الأممالمتحدة عموماً وإزاء ديون أميركا المستحقة للمنظمة الدولية. وبالفعل لم يعد خافياً على أحد في منطقتنا، كما في مناطق أخرى من العالم، أن الولاياتالمتحدة صارت تريد بديلاً من الشرعية الدولية، وأنها تمارس فعلاً سياسات هي أقرب الى أن تكون تجارب في اتجاه إنشاء "شرعية اميركية" للتدخل. ومن يقرأ دوريات السياسة الأميركية، يقابل مقالات كثيرة يكتبها عمالقة العلوم السياسية الأميركية، ويدور معظمها على محاولة توصيف المكانة الأميركية الراهنة. أظن أن الأمر أعمق وأهم بكثير من محاولات توصيف مكانة. ما يحدث، في رأيي، هو محاولة فرض مكانة جديدة، ليست بالضبط مكانة أميركية كمركز لامبراطورية أميركية، وليس فقط لأن عناصر القوة الدولية لا تزال منتشرة ومتوزعة بين دول غير قليلة، ولكن أيضاً لأن هذا المركز الأمبراطوري غير قادر نظرياً أو عملياً على تحمل أعباء كلفة إدارة امبراطورية أكبر من الامبراطورية البريطانية وكانت أكبر الامبراطوريات. كما أن هذه المكانة الجديدة ليست بالضبط مكانة الدولة - القلعة المكتفية ذاتياً في الأمن والاقتصاد، ليس فقط لأن التدخل والتشابك بسبب تطور أساليب ونظم المعلومات والاعتماد المتبادل يجعل الانفراد داخل قلعة، أو حتى الانطلاق للهيمنة من داخل قلعة أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، ولكن أيضاً لأن أميركا نفسها تتحول في داخلها الى "عالم" متعدد الثقافات، بل الولاءات. يبقى ما أظنه البديل المناسب وهو أن تستطرد الولاياتالمتحدة - وباستخدام القوة المسلحة إن دعت الضرورة - في تنفيذ حملة "التبشير الحضاري" التي تشنها في أرجاء العالم كافة بهدف إنشاء "الدولية الأميركية الأولى". بديل يطول شرحه ولكن معالمه، أو على الأقل ملامحه، صارت معروفة. ففي هذه "الدولية الأميركية" دول ليست تماماً تابعة وليست بالضرورة مؤمنة ومقتنعة بكل قيم الدولية المنضمة اليها، ولكنها على الأقل لا تقف ضد هذه القيم بل قد تحاول تبنيها والتبشير بها في محيطها الاقليمي. الدولة العضو في هذه الدولية يجوز أن تستمر متمتعة بنصيب من السيادة داخل حدودها، ولكنه على كل حال نصيب متضائل باستمرار وتدريجاً. كما أن للدولة في هذه الدولية صوتاً ورأياً، ولكنهما يظلان في حدود بعيدة عن الظن أو الاعتقاد بحق النقض. بهذه المكانة - إن تحققت - تستطيع واشنطن أن تستغنى عن الشرعية الدولية، وتستعد لمكانة أخرى إن هي أحسنت إدارة هذه الدولية الأميركية الأولى. وأتصور أن الحرب ضد العراق مفيدة في هذا الشأن. إذ أنه تأكد قطعاً أن الولاياتالمتحدة لم تتمكن من استعمال الشرعية الدولية وعانت صعوبات حقيقية لتستخدمها. ولكن تبين في الوقت نفسه أن عدداً كبيراً من الدول مستعد لأن لا يفعل شيئاً مهماً كي يعطّل أو يفسد، أي ينقض، القرار الأميركي. معظم دول العالم قدم آراءً، بعضها صوّت ضد القرار، وبعضها احتج، وبعضها أصدر تأوهات غير مفهومة، ولكن أحداً لم يتجاوز حدود إبداء الرأي. بذلك يمكن أن تحقق الولاياتالمتحدة من وراء حرب جديدة ضد العراق شرعية جديدة ليست هي الشرعية الدولية التي تعارف عليها المجتمع الدولي خلال النصف الثاني من القرن العشرين واستخدمتها أميركا في حرب 1991، ولكنها شرعية "الدولية الأميركية". وما كان يمكن أن يتحقق هذا الهدف من دون حرب، وما كان يمكن للولايات المتحدة أن تشن حرباً ضد أي دولة في العالم لتحقق من ورائها هذه المكانة إلا حرباً ضد إيران، أو ضد ليبيا، أو ضد العراق، والأنسب طبعاً حيث الظروف جاهزة هو العراق. من ناحية ثالثة، أعتقد أن هيكل صُنع السياسة والحرب في الولاياتالمتحدة خطا خطوات مهمة نحو وضع يصعب عليه أن يجد أرضية مشتركة للعمل مع القيادات العربية في ثقة متبادلة واطمئنان للمستقبل. لقد صارت لهذا الهيكل قسمات وملامح لم تكن موجودة بهذا الوضوح من قبل. ولا يخفي هذا الهيكل الجديد لصنع السياسة الخارجية الأميركية تعصبه الديني والعقائدي وتغليبه العواطف وولاءاته الخارجية على الواقعية السياسية التي طالما تفاخرت بها واشنطن على بقية عواصم العالم. هذا الهيكل يتعامل بفوقية عنصرية مع كل المنطقة الممتدة من المغرب حتى اندونيسيا مروراً بباكستان وبنغلاديش، وأنا هنا لا أتهم هذا الهيكل بأنه أسس ومهّد لحرب جديدة ضد العراق. ولكني أحمله مسؤولية كارثة إشعال أحقاد وحرائق في منطقة تتلامس فيها بتوجس شديد أطراف ملتهبة لحضارات عالمية كلها مستنفرة ومستفزة. يعتمدون على ضعف العرب وانقساماتهم، ويعتقدون أن اقصى الغضب عند العرب تظاهرة. وهم مخطئون، إذ اثبتت السنوات السبع الماضية، خصوصاً الاسابيع الأخيرة، أن الرماد الذي خلفته حرب 1991 لا يزال مشتعلاً، وأن للغضب العربي مسالك أخرى تشهد عليها أحداث عنيفة عانت منها دول كثيرة في المنطقة وخارجها.