قبل نحو ثلاثة عقود كَتبتُ مقالاً في صحيفة «الشرق الأوسط»، (9/11/1981) تحت عنوان «المنافسة ظاهرة اجتماعية في جميع المجتمعات الإنسانية». وبعد نشره بأسابيع كنت في زيارة لواشنطن في معية صديق العمر الزميل الدكتور عبدالرحمن الحمد السعيد، المستشار في الديوان الملكي حالياً. وكان الدكتور عبدالرحمن قضى بضع سنوات في مدينة واشنطن وعرف أكثر أساتذة جامعة جورج تاون من أصول عربية. وصدفة التقينا أحد أولئك الأساتذة وكان متخصصاً في «علم الاجتماع السياسي». فأبدى ذلك الأستاذ اعتراضاً شديداً على موضوع المنافسة الذي تم نشره في صحيفة مقروءة حتى في العاصمة الأميركية. ومع تواضع الرجل الجم وتطبيقه ل «أدب الحوار»، كما جاء تفصيله في كتاب للشيخ الدكتور صالح الحميد، رئيس القضاء الأعلى في السعودية، فإنه ودعني ونحن مختلفان في الرأي والمنهج. ومرجع الاختلاف أنه كان ينظر من زاوية ماركسية بحتة، وأنا كنت وما زلت أنظر من زاوية علم الاقتصاد الذي أرسى دعائمه، بل وأسسه، الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث. ويعود سبب العودة إلى موضوع المنافسة، بعد أن تمت مناقشة بعض أبعاده منذ ما يزيد على 27 سنة، إلى ما تكرر ذكره من خلال قنوات إعلامية مختلفة في الوقت الحاضر بما مقتضاه، ليست «المنافسة» إلا حكراً على أسواق السلع والخدمات فقط، وبخاصة في المجتمعات التي تسمح أنظمتها وقوانينها بحرية الأسواق. وهذه مزاعم تتنافى مع الأسس المبني عليها جوهر علم الاقتصاد. لماذا؟ بالدرجة الأولى لأن «الندرة» بالمعنى العلمي الاقتصادي هي التي تملي وجود المنافسة، و «الندرة» بالمعنى الذي سيأتي بيانه، موجودة منذ الأزل والأرجح ستبقى ما بقيت حياة إنسانية على الكرة الأرضية. ومعنى «الندرة» أنه لم يوجد من قبل ولا يوجد الآن، والأرجح لن يوجد في المستقبل المنظور، مجتمع إنساني واحد يوفر لكل فرد من أفراده كل ما يريد الحصول عليه، مهما كانت درجة ثراء المجتمع ومهما وصل تقدمه التقني والعلمي في رفع كفاءة الإنتاج بل كفاءة التوزيع. إن «المنافسة» موجودة في كل مجتمع. ولكن الصور والمظاهر التي تتخذها المنافسة تختلف بحسب الظروف السياسية والدينية والأعراف الاجتماعية السائدة. مرة أخرى بسبب «الندرة» النسبية لكل ما يحرص الناس على حيازته. فبالطبع لن تجد منافسة بين تجار في كوريا الشمالية. وما كانت هناك منافسة بين التجار في موسكو أيام ستالين ولا في بكين أيام «الثورة الثقافية» المشؤومة. وقد كانت المنافسة موجودة في موسكووبكين، حينئذٍ، وهي موجودة الآن بصور مختلفة، ولا تزال موجودة في شمال كوريا بين أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم، نظراً لرغبة كل عضو حينذاك وحالياً بالفوز بأعلى درجة من درجات السلطة في الحزب، سواء للحصول على منصب سياسي أعلى أو حتى لتحقيق مستوى معيشة أفضل. وقد تختلف الأهداف التي يسعى لتحقيقها أو لتحقيق شيء منها المتنافسون من أعضاء الحزب الشيوعي أو أي حزب أيديولوجي آخر حتى لو رفع قادته شعاراً دينياً نبيلاً، كما رأينا وما زلنا نرى في مناطق إسلامية كثيرة. ومع ذلك، فأياً كان النظام السياسي والاجتماعي والديني السائد، فلا توجد ثروة تكفي كي يحصل كل من يريد على كل ما يرغب في الحصول عليه من مال، ولا توجد «مناصب» مرغوبة تكفي، يمكن الفوز بها لكل من أرادها في أي مكان وفي أي زمان. إن كرادلة الكنيسة المسيحية يتنافسون كما يتنافس أمثالهم في جميع المؤسسات الدينية الأخرى إن وجدت مؤسسات دينية. و «الندرة» النسبية للأشياء من مادية وغير مادية في كل مجتمع هي التي أملت وجود المنافسة. تعددت الوسائل واختلفت المظاهر والصور، وكان ويبقى - والأرجح سيبقى - الهدف واحداً. كل فرد يود أن يظفر بكل ما يستطيع الظفر به من ثروة مادية، أو مكانة علمية، أو أدبية، أو دينية، أو فنية، أو جاه، أو إجمالاً أي مكانة اجتماعية مرغوبة، بأي صورة من الصور أتت، أو على كل هذه الأشياء مجتمعة. ولو كان الحصول على الموقع الاجتماعي المرموق أو المنصب القيادي المؤثر في أي مجال من المجالات، أو الثروة المالية الكبيرة، يتم بسهولة ويسر، لما كان بين أبناء كل مجتمع تناقض في المصالح. فالمنافسة ظاهرة إنسانية موجودة دائماً في المجتمعات الرأسمالية وغير الرأسمالية، وكانت موجودة في مجتمعات الفراعنة واليونانيين وفي الدولتين العربيتين الأموية والعباسية، كما وجدت في ما بعد في المجتمعات الرأسمالية والماركسية وما بينهما. والله من وراء القصد. * أكاديمي سعودي.