حصلت القنوات التلفزيونية المصرية على شهادة دامغة على انها باتت طرفاً رئيساً ولاعباً مركزياً وقوة ضاربة في توجيه دفة الأمور سلباً أو إيجاباً، وتحديد مسار الدولة صعوداً أو هبوطاً، وتلميع شخصيات، وتركيز الأضواء على الإرهاب والإرهابيين من باب «مطلوب كوادر شابة» أو من بوابة المواجهة والتوعية وضبط الكلمات والفيديوات والتعليقات والحوارات عن الإرهاب بميزان من ذهب. ذهب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام إلى أن على الإعلام - وتحديداً القنوات التلفزيونية وهي الأكثر شعبية ووصولاً إلى الملايين في عقر ديارهم - أن «يخلي باله من مصر وشعبها». البال المقصود يدور في إطار «الموضوعية والوعي والصدقية»، وهي العوامل الثلاثة التي يبدو أن الرئيس المصري رآها غائبة أو ناقصة في التغطيات الإعلامية في شكل عام، وفي شكل خاص في تغطية الحوادث الإرهابية الأخيرة «حتى لا يؤلم الناس». آلام الناس المتفجرة سواء بفعل تفجيرات متتالية تحولهم أشلاء، ولا تتوانى قنوات عدة عن المسارعة إلى بث ما لديها مما تيسر من صور التفخيخ والتفجير وما ينتج منها من أشلاء ودماء و «زووم إين»على صراخ الأمهات و «زووم آوت» بعيداً من كل ما يتعلق بأخلاقيات العمل الإعلامي وقواعد البث التلفزيوني. قواعد البث وما يتصل بها من قيم أخلاقية وما يُدرس في كليات الإعلام من مدونات سلوك وما ينبغي بثه وما لا ينبغي واقعة في حيص بيص هذه الآونة. في قاعة الدرس في كلية الإعلام في إحدى الجامعات الخاصة، غرق الطلاب في موجة ضحك هستيري حين تلا عليهم الأستاذ ممنوعات التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني. «حالات الحزن، والموت، والدماء المسالة في حوادث عنف، المواقف المحرجة لأصحابها، تنميط فئات بعينها»، وقبل أن يكمل، واجهه الطلاب بأن ما يتحدث عنه، مقارنة بما يشاهدونه كل ليلة على الشاشات هو أقرب ما يكون إلى المدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلا في الكتاب، ورأس الأستاذ، وربما متاحف الإعلام. ومتى حظي مراسلو الفضائيات بمواقع شهدت عمليات إرهابية تتبخر مدونات السلوك وتتضاءل قيم الإنسانية أمام نداء السبق وتلبية لطموح الركض لتكون هذه القناة في مقدمة من حصل على فيديو حصري للدماء، وتقرير شامل عن الأشلاء. وليت الأمر يقف عند حد شهوات النفس البشرية المجردة من معايير التغطيات التلفزيونية، ولكن أن تهرع كاميرا هنا لتصوير بيت وأسرة «الانتحاري» أو بيئة ونشأة «المتهم» بعد سويعات من العمليات، ثم يتضح إنه «مشتبه به»، فهذا هو عين عدم المسؤولية. عدم المسؤولية من أجل رفع نسب المتابعة، والتربع على قمة هرم المشاهدة، والحصول على لقب «البرنامج الأكثر شعبية» أو «المذيع الأعلى متابعة» وغيرها من ألقاب تُترجم أرباحاً مادية وفرصة تنقل تلفزيونية من هذه الشاشة إلى تلك، ما ابعد المشاهد احياناً بعيداً من شاشات الفضائيات في مصر في الفترة الأخيرة. هذا نجم عن عوامل عدة تتراوح بين إنهاك عقلي ناجم عن هبد ورزع شديدين، أو إحباط نفسي بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية وعدم إمكان الاكتفاء بالدق على أوتار الوطنية بينما الجيوب خاوية، أو استشعار مبالغات هنا ومجاملات هناك ومصالح شخصية هنا وهناك مع تسلل مشاعر الملل والسأم بديلاً من إثارة الحراك الثوري وشهوة التغيير الفوري. وقد أضيف إليه أخيراً تغطيات تلفزيونية خاصمت الصدقية حيناً وجافت الإنسانية أحياناً وبدا إن بعضها أصبح ينهج نهج الدب الذي قتل صاحبه حباً أو طيشاً أو غفلة. وفي غفلة من التخطيط أو التدبير، يتوسط استوديو التحليل أو يتمركز حول طاولة التفسير «إرهابي تائب» أو «متطرف عائد» أو «جهادي تائب» أو «إخواني منشق» مدلياً بدلوه حول زملائه السابقين وأصدقائه أيام زمان وكأنه يهمس في أذن ضابط الأمن أسراراً رهيبة ومعلومات دقيقة ولكن على الأثير أمام ملايين المشاهدين. وكما عبر حارس العقار الذي ظل يتابع همسات خبير الإسلام السياسي القيادي المنشق والجهادي السابق وهو يتحدث عن أسرار الإرهاب وعقليات الإرهابيين وسبل تنفيذ العلميات الإرهابية ومدارس تفنيد الحجج الشرعية لتبرير الطلعات التفخيخية والفعاليات التفجيرية «إما أن ما يقوله حقيقة مرعبة تطرح تساؤلاً أكثر رعباً حول عدم إلمام الأمن بما يعرف، أو إن ما يقوله خيال خصب علينا ويجب محاكمته بتهمة الكذب. وفي الحالتين أين القناة التلفزيونية من التدقيق في ما تبثه؟». الجملة التي قالها الرئيس المصري قبل أيام حين وجه رسالة للشعب تتعلق على الأرجح بجيوش المحللين وجحافل المتكتكين وكتائب الخبراء الذين يهبون على الاستوديوات في مثل هذه المناسبات من كل فج عميق. قال الرئيس: «الواقعة (فيديوات التفجير) تتكرر (تذاع) على مدار اليوم طيلة الوقت. والتعليقات (المحللون) تتكلم وكأن ...» ولم يكمل الرئيس جملته وكأن «كلاً بات خبيراً سياسياً وأمنياً وإستراتيجياً وتكتيكياً». الحرف الناسخ الذي يفيد الشك والظن أوقع العديد من الشاشات في فخ مد الإرهاب بأوكسجين الأضواء. خط رفيع يفصل بين نقل المعلومة وتغطية الخبر المتعلق بالإرهاب والإرهابيين، وبين خلق هالة من الإثارة والتشويق والأهمية حول الإرهاب والإرهابيين. حال الطوارئ التي أعلنت لثلاثة أشهر يُتوقع أن تلقي بظلال ما على الشاشات. نوعية الظلال وكثافتها ومساحتها وأمدها سيُكشف عنها الستار في الأيام المقبلة!