هل باتت التقنية الرقميّة مفتونة بما يتلاعب بالخيال، حتى لو بدا مجنوناً، بالاحرى لأنه سيبدو مجنوناً ومنفلتاً من التقليد والقيود والرتابة والتكرار؟ يصعب التفلّت من ذلك الانطباع عند متابعة الابتكارات المتفجّرة لتقنيّات المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة. وأعطى «معرض لاس فيغاس لإلكترونيّات المستهلك» الذي استضافته المدينة التي يحمل اسمها، نموذجاً عن ذلك الجنون اللذيذ. يكفي القول إن أبرز ما في ذلك المعرض الذي يعتبر المستوى الأعلى في التقنيات الإلكترونيّة والرقمية عالميّاً، كان حذاءً نسائياً برّاقاً (اسمه «ديجي سول») بكعب عال مستدق لكنه فائق الذكاء، و»بكلة» حزام رجالي تقيس محيط «الكرش» وترصد حركة الجسم ومستوى حرق السعرات الحراريّة، وتنبّه مرتديها إلى ضرورة تخفيف الوزن وممارسة الرياضة، ومرآة للماكياج تعطي صورة تفاعليّة عما سيكون عليه الوجه في حال استخدام ذلك المسحوق أو تلك البودرة وغيرها. في معانٍ كثيرة، ذكّر ذلك المعرض بما عصف في دماغ المفكر الفرنسي الراحل رولان بارت (تحتفل باريس بمئوية ميلاده هذه السنة)، فأوحى إليه بكتاب «إمبراطوريّة الموضة» الذي جاء في سياق زلزال فكري حمل اسم «ما بعد الحداثة»؟ ألا يبدو جنوناً أن يكون الروبوت مجموعة مما يشبه كرات التنس؟ ما الذي جرى لتحتل أحذية الرياضة وفراشي الأسنان وآلعاب الأطفال جنبات المعرض الذي صعد منه بيل غيتس (مايكروسوفت) وستيف جوبز (آبل) وآندي غروف (آنتل) ومارك زوكربرغ (فايسبوك) وغيرهم؟ أيام مقبلة مملؤة بالذكاء إذن، سيطرت على المعرض الأميركي للتقنيّات الأكثر تقدّماً، فكرة إعطاء الذكاء الاصطناعي إلى الأدوات اليوميّة، بداية من الملابس والإكسسوارات، مروراً بسمّاعات الأذن وأشياء المنزل ووصولاً إلى السيارة ولوح ال «هوفر بورد» Hoover Board، إضافة إلى الكاميرات والهواتف الذكيّة والكومبيوترات وال«تابلت» وغيرها. ربما ليست المرّة الأولى، إذ كرس العام 2014، انفجار موجة التقنيّات القابلة للارتداء («ويرابل تكنولوجيز» Wearable Technologies)، خصوصاً الساعات وأسوار المعصم والنظّارات (من ينس «نظارة غوغل» Google Glass الشهيرة). ومن الواضح أن أدوات ذلك المعرض تعني تكريس انتقال الذكاء الاصطناعي إلى الأشياء اليوميّة، عبر أدوات صغيرة صارت أشد ذكاءً إلى حدّ... مقلق! كيف تتصرّف إذا وُضِعَ بتصرّفك «ضيف» صغير، يبدو كتمثال صغير لرجل بدين، يستطيع أن يحصي أنفاسك... حرفيّاً! وإضافة إلى إحصاء الأنفاس يستطيع ذلك الروبوت الفائق الصغرّ أن يراقب الغرفة على مدار الساعة بكاميرا مراقبة، ويرصد الحرارة والرطوبة فيها، بل يقيس حرارة الأجساد التي تدخل وتخرج منها! هل يثير ذلك الطمأنينة أم الخوف؟ في سياق «إمبراطوريّة الموضة» للأجهزة الذكيّة، ظهرت ساعات متّصلة بالانترنت، خصوصاً شبكات ال «سوشال ميديا» التي تعتبر ساعة «آبل ووتش» نموذجها. ولم تعد مجرد نماذج تصنع للبرهان على فكرة تقنيّة ( أن يرتدي الإنسان شيئاً يربطه بالانترنت على مدار الساعة)، بل صارت تهتم بالشكل والمظهر أيضاً. وبعد أن صار الأطفال والمراهقون مغرمين بال «سكوتر» وال «هوفر بورد» الإلكتروني الذي يتوازن ذاتيّاً، وضعت الشركات «وجهاً» للوح المشي الانزلاقي. وصار لل «هوفر بورد» شاشة بكاميرات فيديو تستطيع تصوير الأمكنة أثناء المرور بها. دور ل «الكبار» أيضاً صحيح أن الأدوات الصغيرة الفائقة الذكاء (وهي تحقيق وعد دائم في ثورة المعلوماتيّة انطلق منذ ستينات القرن العشرين، بصنع أشياء أكثر صغراً وأعلى ذكاءً) هيمنت على معرض «لاس فيغاس»، لكن «الأشياء الكبيرة» شاركتها التألّق عينه. لعل أبرز أولئك «الكبار» كانت طائرة «درون» من دون طيّار، يطير بها الروبوت ويجري التحكّم بها بموجات اللاسلكي، والجديد أنها تستطيع أن تحمل ركاباً. لنقل أنها تحمل راكباً واحداً، لكن الطائرات الحديثة كلها ابتدأت من طائرة أميركيّة حلّقت في سماء مدينة «كيتي هوك» في 1903، ولم يكن فيها سوى راكب واحد، هو أحد الأخوين رايت اللذين صنعاها! في السنة الحاليّة، صارت الطائرات التي تناسلت من طائرة «الإخوين رايت»، صارت طائرة ال «إيه 380 سوبر جمبو» A- 380 Super- Jumbo، تحمل 544 راكباً، بل تصل قدرتها القصوى إلى ما يزيد على 800 مسافر. كم سنة ستمضي قبل أن تصبح الطائرة الصينيّة من دون طيّار «إي هانغ 18»، وسيلة لنقل الركّاب في رحلات تجاريّة؟ أثارت ال «إي هانغ 184» اهتماماً هائلاً في «معرض إلكترونيّات المستهلك» في «لاس فيغاس». وتناقلت وسائل الإعلام صورتها التي تذكّر بخيال سيارات «جيمس بوند» و»باتمان»، لكنها لا تحتاج لأبطال السينما. وفي الجو، تبقى ال «إي هانغ» تحت سيطرة الرادار وموجات اللاسلكي، فيما يستخدم راكبها أزرار الإقلاع وطلب الهبوط وضبط الحرارة والبرودة. وتجيء ال «درون» الصينيّة بعد دخول «نظيرتها» الأميركية «إكس- 47 ب» المقاتلة - القاذفة إلى الخدمة فعليّاً عبر حروب الشرق الأوسط. ويضاف إلى ذلك سجل ال «درون» الأميركي في غارات شملت ليبيا واليمن والصومال وباكستان والجزائر ومالي وغيرها، ضمن «الحرب على الإرهاب». ولعل السجل الأثقل للرئيس باراك أوباما هو «حرب الدرون» التي لاحظ هنري كيسنجر أنها قتلت أكثر مما فعلت الحروب التي نسبت إليه في الشرق الأوسط وأندونيسيا وأميركا الجنوبيّة! كيف يكون سجّل ال «إي هانغ» إذا حوّلتها الصين سلاحاً حربيّاً؟ وفي أبهة المقارنة بطائرة الإخوين رايت، تحلّق ال «إي هانغ 184» على ارتفاع 3505 امتار، فيما ارتفقت طائرة العام 1903 إلى مسافة تقل عن 3 أمتار، بسرعة تلامس 11 كيلومتراً في الساعة. وتصل ال «إي هانغ» إلى 101 كيلومتر في الساعة. ومع الكثافة في التسارع التقني، ربما لا تحتاج ال «إي هانغ درون» سوى بضع سنوات لتصبح طائرة معتمدة في نقل البشر جوّاً. كيف يتصرف البشر حيال طائرة تجعل أرواحهم رهناً باستمرار اتصال موجات اللاسلكي في التحكّم بها من الأرض، ما يعني أن أدنى انقطاع (ولو بفعل برق عابر)، يهوي بهم إلى الموت؟ هل يفضلّون ذلك على طائرات يتحكّم بها البشر وأمزجتهم، على غرار مأساة طائرة «جيرمان وينغز» الألمانيّة في الألب؟ كيف تتعدّل قوانين الطيران المدني، بما فيها سلامة الركاب، إذا صارت ال «درون» وسيلة معتمدة في سفر البشر جواً؟