ما أكثر الرسائل الإلكترونية التي يعنونها أصحابها بهذه العبارة (منقول للفائدة) أو ينهونها بها. وهذه الرسائل في العادة منقولة من المنتديات التي تغص بمنقولات من بعضها أو من مواقع أخرى. وأكثر المنقولات التي يقولون عنها (للفائدة) هي فتاوى أو إجابات عن أسئلة يسألها رواد المواقع المختلفة. وإنه لجميل أن يسأل الناس عما أشكل عليهم في دينهم ليكونوا على بينة من الأمر، وليعبدوا الله على علم. لكن أن يكثر الناس السؤال عن كل صغيرة وكبيرة، ليستصدروا فتاوى ويعدونها أحكاماً نهائية في المصالح المرسلة التي يصادفها الناس في حياتهم اليومية فهذا أمر يحتاج إلى نظر، لاسيما وأن بعض الإجابات في مواقع السؤال والجواب تأتي من أناس ليسوا من مشاهير العلماء المشهود لهم بأنهم يدرسون المسألة من كل جوانبها قبل إعطاء الإجابة، ليكون الجواب محكماً. من المنقولات التي وصلتني حديثاً سؤال عن دعاء مستخدَم في رسائل الجوال، ليس فيه ما يخالف أوامر الدين، لكنه ليس من الدعاء المأثور. وليت الناس يلتزمون بالمأثور من الدعاء فهو أوجز وأبلغ. وبعد المقدمة الطويلة وإيراد النصوص من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، والتي لم يكن لها علاقة مباشرة بالسؤال كان الجواب كالتالي: (إذا قال المسلم لأخيه أحيانا من غير اعتقاد لثبوتها ولا التزام بها ولا مداومة عليها، ولكن على سبيل الدعاء فنرجو أن لا يكون بها بأس، وتركها أولى حتى لا تصير كالسنة الثابتة). وقد أرسلت لمرسل (المنقول للفائدة) الرسالة التالية: أود أن أشكر الأخ الفاضل على نقله للفائدة، وأعلم أنه ما أراد إلا خيراً، وأحب أن أقول بأن هؤلاء الذين يسألون المشايخ عن كل شيء لم يفهموا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسألون المشايخ فيستصدرون منهم فتاوى تضيق على الناس حياتهم. وماذا لو قلتُ لأخي عبارة لم يسبق أن جاء بها الأولون مادامت ليست مما ينافي الأدب العام ولا تخالف معلوماً من الدين؟ أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قصدته، فإني أحفظه، ومع ذلك فقد أحببت أن آتي به من موقع (الدرر السنية)، حيث ورد ست مرات، أذكرها جميعها، إذ أربع منها مذكور أنها صحيحة، واثنتان متواترة. فهل يستطيع الأخ الذي نقل لنا للفائدة أن يذهب إلى المنتديات التي نقل منها ويذكر لهم هذه الأحاديث للتعليم وليس للفائدة؟ ثم ذكرت له الأحاديث الستة، لكني هنا أختصر فأنقل ما قال عنه موقع (الدرر السنية) أنه متواتر، وهذا نصه: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم) ويذكر الموقع بأن راويه هو أبو هريرة رضي الله عنه، وقد أورده ابن حزم في كتابه: أصول الأحكام، كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين، مع اختلاف في الرواية وقد كانت آخر عبارة فيه كالتالي (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم). ولعلي أختم بإجابتين للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، سمعتهما منه عبر أحد برامج الإذاعة، وأنقل كلامه بالمعنى وليس بالنص. فقد روت معلمة أن زميلة لها في المدرسة كان عندها مناسبة فقررت المعلمات أن يقدمن لها هدية مشتركة، وبالفعل فقد اشترين لها هاتفاً جوالاً. وهنا جاء سؤال المعلمة: إذا استعملت الزميلة جوالها في إثم فهل عليهن شيء؟ وقد رد الشيخ رحمه الله متسائلاً: لماذا تفترضين أنها ستستخدمه في الإثم؟ ولماذا لم تفكرن في الأمر إلا بعد إهدائها الجوال؟ وأما الموضوع الثاني فقد سأل أحدهم عن حكم استخدام عبارة (بساط أحمدي)، زاعماً بأن هذه عبارة صوفية، وذكر من أين جاءت. وقد رد الشيخ رحمه الله بأنه لا أحد يدري عن مصدر هذه العبارة إلا هذا السائل، والناس يستخدمونها دون ربطها بالمعنى الذي قاله السائل، فلماذا ننبههم إلى ما لا يعرفونه؟. ومن هاتين الإجابتين وإجاباته المحكمة الأخرى ندرك مدى مصابنا بفقده وفقد أمثاله من العلماء الأفاضل. كلية الهندسة، جامعة الملك عبد العزيز [email protected]