يصف بعضهم العهد المملوكي بأنه أسوأ العصور التي مرّت بالأمة العربية ، ذلك أن حكم المماليك استبدادي وغير مؤسسسي ، ويقوم على وصاية ترفض فكرة الدستور أو القوانين التي تنظم علاقة الدولة بالشعب ، وتحد من التسلط والتخبط في اتخاذ القرارات ، ما أدى إلى تفاقم المشكلات والاضطرابات ، وتعدد الولاءات والانتماءات ، وتتابع الانهيارات التدريجية للاقتصاد ، وترهل الواقع الاجتماعي ، وبما أن حركتنا التاريخية دائرية نلمس أحياناً قابلية كبيرة للعودة للوراء ، واستمراء التجارب الفاشلة في الحكم ، التي لم يخفف من آثارها سوى دخول المستعمر الأجنبي ، الذي أسس بنية تحتية وألزم الناس بالدستور وفرض عليهم الاحتكام للقانون ، وأدخل عليهم مفاهيم المدنية الحديثة ، ومنها حقوق الإنسان والعمل المدني المؤسسي ، ولعل من مظاهر التخلف الاجتماعي العربي أن لم ينجح في توظيف خطاباتنا حتى اليوم في تشكيل نواة لتحقيق الصيغ التوافقية وتذويب كل الانتماءات الأسرية والعائلية والمناطقية والقبلية والطائفية لتصب جميعها في حوض الوحدة الوطنية ، وأبرز ما عمّق هذه الانتماءات المُفضية إلى الترهل الاجتماعي يتمثل في عنصريتنا تجاه بعضنا على أسس دينية كما نظن ، أو على أسس اجتماعية ، أو على أسس مناطقية بحيث يكون القريب من العين دائماً قريباً من القلب ، ولا ريب أن جهلنا بمفهوم الدولة وكينونتها ودورها جعلنا أكثر تعلقاً بجذور العصبية ، وأتساءل إذا كانت قيم الدين الجمالية لم تجمعنا ، واللغة الواحدة لم تؤلف بيننا ، والمظلة الوطنية لم تسهم في نبذ التعصب والنأي عن تأجيج مواطن الصراع ، وتشطير الهويّات بحسب المراتب والرتبة ، فمن الطبيعي أن يطغى الترهل على ملمحنا ، فدنس التكريه في الخلق ، والقابلية للعداء ، ومبادرات الخصومات الفاجرة ، يؤكد أننا نلعب بمصالح أوطاننا ، أو يُلعبُ بنا من أطراف داخلية أو خارجية لتحقيق مآرب وأهداف تحت ظلال دعوة إلى الله ، أو مؤتمرات وشعارات ظاهرها رحمة وباطنها العذاب ، وحين يسأل بعضهم : وما هو الحل؟ أزعم أن تَحميل الدول كقيادة كل مسؤوليات الأوطان مدعاة لإثقالها بأعباء يمكنها أن تخفف عن نفسها بتحميلها المجتمع ، من خلال إعلان الدول المؤسسات ، فالنقابات والجمعيات كفيلة بتغيير نمط التفكير الضيق ، كونها تشرك المواطن والمواطنة في صناعة القرار ، ما يُحقق معنى اجتماعنا على وطن يؤمن بما وصل إليه وعي مواطنيه ، وأستعيد إجابة مسؤول عربي سابق ، سأله مُحاورُه : ما سبب ما وصلتم إليه من أزمات تسببت في إسقاطكم؟ فأجاب : لم نأخذ مقولة (العيال كِبْرت) مأخذ الجد.