مرة أخرى أعود إلى كلمة معالي وزير العدل التي افتتح بها العدد (47) من مجلة العدل لشهر رجب المنصرم. ويذكر الوزير أن تحديد الأسباب هي أهم الأركان الثلاثة في بناء الحكم القضائي، ويشير في معرض شرح أهميتها إلى مبدأ تدوين الأحكام أو تقنينها حسب المصطلح الحديث، فيقول: (وكتابة الأسباب هي الركن الأهم في بناء الحكم، وتزيد عندنا أهمية لكون أحكامنا منسوبة للشريعة المطهرة، والقاضي يوقع عن حكمها. ومن هنا ثقل تعارض الأحكام الشرعية وتباينها في الواقعة الواحدة، وصارت المطالبة بمدونة للأحكام لها حظ من النظر، ونحن إليها أكثر حاجة من غيرنا من هذا الوجه، فإذا كان من لا يحكم بشرع الله لا يرتضي تعارض وتضارب أحكامه عند اتخاذ وقائعها، وهي من عند غير الله سعيًا منه لتسديد عيبها ما وسعه التسديد، فكيف والشأن يتعلق بحكم الله المحكم). ويؤكد معاليه أنه: (إذا كانت الحاجة بضبط الفتوى ملحة، فهي في الأحكام القضائية أكثر إلحاحًا وحاجة...) . وهذه وجهة نظر الوزير المفوض بحقيبة العدل، ولا أحسبها تختلف كثيرًا عن وجهة نظر المسؤول الآخر معالي رئيس المجلس الأعلى للقضاء الدكتور صالح بن حميد، وهما معًا مشهود لهما بالنزاهة والشفافية، والرغبة في سنّ مسطرة واحدة للعدل بين الناس، لا مساطر عدة تتحكم فيها منازع شتى، ووجهات نظر متعددة لا تخدم مكانة الشريعة المطهرة ولا تحفظ هيبة القضاء المهيب، إذ تتكاثر صيحات الاحتجاج ضد أحكام تبدو متساهلة أحيانًا، وأخرى مفرطة في العقوبة جدًا، وخيرهما الوسط. والوسط هو ما تنتهي إليه المدونات القضائية ويسير على هديها القضاة في كل ربوع الوطن دون إفراط أو تفريط. والتدوين خاصة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية يرفع عن كاهل القضاة عبئًا هائلاً، ويساعد على تسريع البت في الأحكام دون تطويل ولا تعطيل. وحتى الساعة لم يفلح معارضو التدوين في (تسبيب) معارضتهم، وتوضيح حججهم سوى الإشارة إلى عموميات غير مقنعة كخصوصية كل قضية بعينها، وظروف الزمان والمكان، وتاريخ المتخاصمين. الزمن يمر، والدنيا تتغير، والقضايا تتشابك، فإلى متى الانتظار؟!