وكما تقول العرب «معظم النار من مستصغر الشرر»، كذلك كان حال ولادة أشهر أغنياتنا المناسباتية العربية «ست الحبايب» لمحمد عبدالوهاب وحسين السيد وفايزة أحمد رحمهم الله جميعا، وهي التي تتسيد دوما الاحتفال بهذه المناسبة الأكثر روعة، والتي يحتفل بها العالم في الحادي والعشرين من مارس في كل عام «يوم الأم». أضحك ونضحك كثيرا عندما نعلم أن عمر إنجاز هذه الأغنية العظيمة فقط يوم واحد لا غير، كتابة ولحنا وتنفيذا، في وقت كم شاركنا فيه كبار الفنانين جيئة ورواحا لأشهر وسنوات في أغنيات لا تعيش أحيانا يومها الذي تظهر فيه، وهنا تأكيد لمعادلة عكسية، فهذه الأغنية التي ولدت في مارس في أواخر الخمسينيات الميلادية إلى جانب مواليد عبقرية عبدالوهاب في الخمسينيات مثل جبل التوباد، تراعيني قيراط، حبيبي لعبته، على ايه بتلوموني، فين طريقك فين، بفكر في اللي ناسيني، قلبي بيقوللي كلام، قولي عملك ايه قلبي.. وغيرها الكثير من إبداعات مرحلة الخمسينيات»، كما أوردت الخبيرة والموسيقية الراحلة رتيبة الحفني في كتابها «محمد عبدالوهاب.. حياته وفنه» في سلسلتها عام النغم. كان لولادتها قصة تقول إن كاتبها الشاعر الغنائي الراحل حسين السيد الذي كان توأما لإبداعات محمد عبدالوهاب ذهب إلى والدته ليلة عيد الأم ليكون أول من يهنئ، وبعد صعوده سلالم ستة أدوار في العمارة التي تسكنها، وقبل طرقه الباب تذكر أنه لم يأتها بهدية في يوم عيدها، ففكر أن ينزل ستة أدوار أخرى لشراء الهدية واستصعب المهمة والعودة مرة أخرى، فأخذ قلمه وعلى ظهر ورقة من جيبه كتب النص الشهير «ست الحبايب». وهكذا، وفي دقائق معدودة، كتب هذه الأغنية على جدار بيت والدته، ولم يكن يدري أنه يكتب لحظتها لكل الأمهات ولتلكم اللائي سيأتين بعد أمهات ذاك الجيل بقرون إذا ما بقي في الحياة عمر. دخل حسين السيد لوالدته وهنأها وأهداها النص كهدية وجدانية بدلا من الهدية العينية المعتاد على إهدائها في هذه المناسبة، ووعدها بأنها ستستمع إليها أغنية للأم في الإذاعة غدا أو بعد غد، حدس وصدق في العمل يجعله يثق بما يقول، ذهب إلى صديقه محمد عبدالوهاب مهديه النص وقائلا له إن المناسبة غدا، فورا تعامل معها موسيقار الأجيال بنفس الصدق ليخرج هذا اللحن الإبداعي العظيم، والذي رأى أن أقرب الأصوات لأدائه ذلك الصوت الجديد القادم من سورية ولبنان يومها إلى القاهرة فايزة أحمد، فاتصل بها لأداء العمل لتأتي وتحفظ اللحن الذي سجل في اليوم التالي، وهذا ما حدث بالفعل بعد أن قام بتنويت اللحن أحد شريكيه في كتابة إبداعاته الموسيقية أندريه رايدر أو علي إسماعيل، وكانت أغنية للتاريخ الفني، وبعد أن سجلتها فايزة أحمد، حدث أن جمعته جلسة خاصة وأمسية مع بعض الإعلاميين كان منهم ناصر الدين النشاشيبي الذي كان يعمل في الإعلام في مصر أيامها، وكان أيضا من بينهم الإعلامي والكاتب الكبير أنيس منصور، ولم يزل في مستهل أو منتصف مشواره مع الكلمة وغيرهم ربما كان مصطفى وعلي أمين، حيث شدا لهم بالأغنية في الجلسة وهو محتضن عوده فقط. والمعروف أن كثيرا من نجوم الغناء في مراحل متعاقبة شدت بهذه الأغنية منهم كاظم الساهر وماجد المهندس وفضل شاكر وشيرين، حيث من الشائع اليوم على اليوتيوب أداء شيرين للأغنية، وهي طفلة مع فرقة المايسترو سليم سحاب الموسيقية.