أكد العلامة الدكتور عبدالله بن بيه رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حاجة البشرية إلى العدل بنوعيه؛ عدل يتساوى فيه الجميع، وهو أن لا يظلم أحد الآخر ولا دولة لأخرى، وعدل خاص بالأقوياء، وهو المساعدة في رفع الظلم عن المستضعفين مثل شعوب فلسطين وسوريا ومسلمي ميانمار. وجاء حديث الشيخ ابن بيه من داخل البيت الأبيض في واشنطن أثناء زيارته له، أمس الأول، استقبله فيها كبيرة مساعدي الرئيس الأمريكي كايل سميث، وسفير أمريكا لدى منظمة التعاون الإسلامي رشاد حسين، ومدير العلاقات العامة في البيت الأبيض، ومستشار الأمن القومي، وممثلين عن سبع وكالات حكومية، حيث شكر ابن بيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمطالبته بحقوق الأقلية المسلمة في ميانمار، داعيا الحكومة الأمريكية بالتحرك العاجل للمساعدة في رفع الظلم عن الشعب السوري. وتطرق اللقاء إلى مسائل التنمية في العالم الاسلامي، ونبه ابن بيه إلى أهمية اعتماد النموذج «القاعدي» الذي تنبع فيه التنمية من أسفل هرم المجتمع إلى أعلاه. وكان ابن بيه قد التقى الأقلية المسلمة في أمريكا وحاضر أمامهم بتنظيم من مركز آدامز سنتر في واشنطن، وأكد ابن بيه على أهمية «توطين الإسلام» في الولاياتالمتحدةالأمريكية، مبينا أنه ليس هناك تناقض بين الإسلام ومعطيات التمدن والتحضر، ومشيرا إلى أن التعايش مع الآخر مهما كانت ديانتهم هو أمر أساسي في الإسلام. وأوضح ابن بيه أن «صحيفة المدينة» التي وضعها رسول الله كانت سباقة إلى وضع ما يسمى اليوم مفهوم الدولة الحديث، مبينا أن الصحيفة نصت على أن المواطنين من مختلف الأديان أمة واحدة، لذا ينبغي أن تكون معاهدة المدينة نموذجا لنا اليوم. وحث العلامة ابن بيه المسلمين الأمريكيين على تقديم صورة إيجابية عن الإسلام من خلال ممارسته «كما هو»، فهو دين الرحمة والجمال والتسامح، وليس دين الكراهية، مستشهدا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن)، حيث استخدم عليه الصلاة والسلام عبارة «الناس»، وليس المسلمين فقط. وحث ابن بيه المسلمين على «الانضواء» في كل ما من شأنه نفع المجتمع الإنساني وما يمثل قيما مشتركة للمجتمع، كالصحة والاقتصاد وحقوق الإنسان. من جانب آخر، أكد الدكتور ابن بيه أن العلاقة بين الشرق والغرب علاقة جوار، ولذا عليهم التعايش. الاختلاف طبيعة ومن جانب آخر، أوضح ابن بيه أن ظاهرة الاختلاف لا يمكن تحاشيها، باعتبارها مظهرا من مظاهر الإرادة التي ركبت في الإنسان، مبينا أن الإرادة بالضرورة تؤدي إلى وقوع الاختلاف والتفاوت في الرأي، مبينا أن ابن القيم انتبه لذلك عندما قال: «وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه»، مؤكدا أن الاختلاف هو طبيعة الحياة وسنن الله في الكون، مبينا أنه كما تختلف أذواق الناس ومشاربهم وألوانهم، فكذلك تختلف أفهامهم وآراؤهم. الحب قيمة وفي جانب آخر، أوضح ابن بيه أن «الحب» من أعظم القيم وشيمه من أمثل الشيم، فهو وحده الذي يقوي روح التواصل وينسج لحمة التضامن والتكافل، ويعطي بعدا وجدانيا لعملية التبادل، مبينا أن الديانات السماوية والوضعية لا تخلو من إشارة إلى المحبة في أبعادها الثلاثة من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس في بعدها الأفقي، موضحا «نعني بذلك محبة الخالق لخلقه، ومحبة الخلق للخالق، ومحبة الإنسانية وهي محبة البشر بعضهم البعض». وقال ابن بيه: «إذا كان نصوص الديانة المسيحية وأدبياتها وممارسة بعض أتباعها تدل أحيانا كثيرة على اعتبارهم لهذه القيمة، فنحن لا نبخس الناس أشياءهم، فقد شهد لهم بذلك الوحي المعصوم، فقال تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة)، والرأفة والرحمة تعبران عن قيمة الحب في القرآن الكريم». وأضاف ابن بيه: «نحن نرى أن الدين الإسلامي أصل قيمة الحب عموديا في الاتجاهين، وأفقيا، وأصل كذلك لمقتضياته دون أن يكون متأثرا بديانة أخرى سوى أنهما يصدران من مشكاة واحدة، وينبعان من نبع واحد كما حققه المؤرخون»، فإن قيمة الحب أصيلة في الدين الإسلامي بمختلف مظاهرها. وأكد أن الحب الحقيقي والعاطفي له مكانة سامية ودرجة صاحبة رفيعة، إذ أنه يطوي مقامات سير السالكين طيا، ويروي ظمأ قلوب المحبين ريا، كما يشهد له حديث: «ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله»، وإجابته عليه الصلاة والسلام بقوله: (المرء مع من أحب). وأشار ابن بيه إلى أن حب الإنسانية فيما بينها أمر مؤصل في دين الإسلام قائم على مبدأ الأخوة البشرية، فقد جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فهو يضيف قيمتين؛ قيمة الحب إلى قيمة الأخوة، والأخ هنا هو أخ في الإنسانية كما فسره غير واحد من الشروح كابن رجب الحنبلي والنووي والشافعي والشبراخيتي من المالكية. وأضاف الشيخ ابن بيه: «الحب قيمة، لأن كل إنسان يجب أن يكون محبوبا، بل قل أن تجد إنسانا يود أن يبغضه الآخرون، ومن المفارقات أن بعضهم يحارب الآخرين بدعوى أنهم لا يحبونه، إنه يخطئ الوسيلة، لأنه إذا تحقق الحب من الجانبين انتفى العدوان، إن الحب عواطف وسلوك وعنوان وإعلان، ولهذا جاء في الحديث: (إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه بذلك)، فلماذا الحب قيمة، لأن كل الناس يعجبون به حتى من لم يسلك طريقه، وذلك هو معيار القيمة». وحول كيفية معالجة مشكلة تشوية صورة الإسلام والمسلمين وإعادة المحبة والنقاء إليه؟، يقول ابن بيه: إذا كان ديننا الحنيف يوزع المحبة على البشر، وينشر لواءها على الإنسانية، فكيف نسمح بتشويه صورة هذا الدين بسبب جهل بعض أتباعه وافتراء بعض أعدائه، فيقدم على أنه دين البغض والكراهية، وفي الحديث الصحيح: (لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا)، كيف نقدم هذه المحبة الثلاثية الأبعاد في سلوكنا وفي خطابنا وفي علاقاتنا؟، وكيف نقدمها إلى البشرية بردا وسلاما ومحبة ووئاما، يجب أن نعالج جملة من المفاهيم لتصحيحها؛ لأنها تقف نظريا عائقا دون تحسين صورة الإسلام والمسلمين في العالم، وهي: مفهوم الجهاد والعلاقة مع الآخر، باعتبار أصل العلاقة مع الآخرين هي المسالمة تقدم على بساط البر والقسط والإقساط.