يشيع بين غالبية الناس النظر إلى الكلام باستهانة لا يرون له قيمة في تحقيق شيء يطمحون إليه، ويعطون القيمة العليا كاملة للفعل، وقد أعجب بعض الناس أيما إعجاب بعبارة أحد الكتاب العرب الساخرين من قومهم حين وصفهم مستخفا بهم أنهم ظاهرة صوتية، أي لا يحسنون شيئا سوى الكلام، الذي في رأيه لا يجدي شيئا فتناقلوا تلك العبارة بتقدير بالغ وصاروا يكثرون من ترديدها تعبيرا منهم عن موافقته على عدم جدوى الكلام، فما يعتد به هو الفعل، ولا شيء غير الفعل. في ظني أن المقابلة بين الفعل والكلام غير صحيحة، فالفعل لا يمثل بديلا للكلام. في كثير من الحالات يكون الفعل منبثقا عن الكلام، امتدادا له، فالكلام يمهد الطريق للفعل، ويسنده، وكم من الأفعال ما كان لها أن تنجز لو لم يسبقها القول، ولهذا ترى كثيرا ممن يخشون تغير أوضاعهم، يرهبون الكلام رهبتهم من الفعل، فما أكثر الذين يبادرون إلى لجم الألسن كلما دارت في الأفواه، وما أكثر الذين ترتعد فرائصهم كلما رأوا الألسن طالت، فلا يطمئن لهم بال حتى يقطعوها، ولو أن الكلام كان بلا تأثير لما عناهم من أمر الألسن ما عناهم، ولما زخرت ثقافتنا العربية المجيدة بالحث على الصمت، والتغني بجماله، في مقابل التحذير من الكلام، والترهيب من عواقبه. ولو أن الكلام كان لا جدوى منه، لما وجدنا وسائل الإعلام تتسابق فيما بينها على كسب الآذان ولفت الأسماع والتغلغل في حياة الناس معتمدة على الكلام في المقام الأول، فمن المعلوم أن الأداة الرئيسية في الإعلام هي الكلام، فالكلام يعد من أشد الأسلحة قوة في شق الطريق وتعبيد الممرات وتحقيق كثير من الغايات المنشودة. إن كان ثمة عيب في أن العرب رغم كثرة كلامهم لم يحققوا شيئا ذا قيمة لأنفسهم، فذاك ليس لأن الكلام لا جدوى منه، وإنما لأنهم لا يجيدون القول، فكلامهم لا يفيد معنى، هو كلام غير موجه لهدف محدد، ولم يوظف لأداء دور بعينه، ولم يحمل مسؤولية تمرير غايات بعينها، هو كلام يطلق مسطحا متبعثرا بعشوائية بالغة، غايته التنفيس عن مشاعر مكروبة وانفعالات جائشة، لذلك هو يطيش من الأفواه متفرقا في كل الأنحاء، ضائعا بلا أثر. الكلام في حد ذاته قوة وليس ضعفا، لكن العيب في نوعه، وهو في هذا الأمر مثله مثل الفعل، فليس كل فعل نافع، وليس كل فعل يحقق الغايات. فاكس 4555382-01 للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة