ثمة مفارقة صارخة بين عالمين: المشرق العربي يعيش حالة من النقص في الديمقراطية، بينما الغرب الأوروبي يعيش حالة من الفائض في الديمقراطية. وكل منهما يُنتج أزماته وفق المسار التاريخي الذي تتخذه هذه الديمقراطية أو تلك. وعلينا أن ننوِّه هنا بأن مفهوم النقص لا يعني بالضرورة أن هناك ديمقراطية مكتملة الأركان في المشرق العربي ثم حدث نقص فيها لاحقاً، بل ما نعنيه هو وجود حياة برلمانية ودستورية في فترة من الفترات. لكن شروطها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية لم تكتمل لأسباب سنوضحها لاحقاً. فالنقص بالتالي هنا لا يشير فقط إلى انعدام مشروعية السلطة القائمة على حكم الشعب، بل انعدام كل سلطة خارج هذا النطاق، ومن أهمها سلطة الديني على المجال السياسي. بينما مفهوم الفائض في الديمقراطيات الغربية هو انفلات الرغبات الإنسانية عن كل عقال يمكن أن يشدها إليه، حرية التعبير، حرية المعتقد، حرية التملك، حرية الصحافة والإعلام، مجموع هذه الحريات التي تكفلها الديمقراطية تغوَّلت على النظام، وأصبحت تنشر نوعاً من الفوضى التي تُفضي إلى العنف في أغلب الأحيان، بل العنف المُصدَّر إلى الخارج باسم هذه الحريات. في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى تصريح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد، على حالة السلب والنهب التي وقعت لحظة سقوط نظام صدام حسين في العراق، حين قال ما معناه أننا منحنا الحرية للعراقيين، والحرية أيضاً هي وجه من وجوه الشر كما يفعله العراقيون الآن. هذا تحديداً ما نعنيه هنا بالفائض من الديمقراطية، حيث المثال السابق يوضح لنا إلى أي مدى يمكن استثمار هذا الفائض المتمثل في الحرية المنفلتة سياسياً من طرف قوة عظمى ترعى هذا الانفلات وتوظفه. لكن هناك فائض من نوع آخر يستحيل توظيفه، يكمن هذا النوع في النزعة الاستهلاكية للرغبات البشرية، لأجل الاستهلاك، حيث تمثل سمة عامة تطبع جميع شؤون الحياة العامة، فظواهر من قبيل الزواج المثلي، رواج تليفزيون الواقع، انتشار العقائد المتناقضة، وهكذا إلى عديد من هذه الظواهر التي أحالت ممارسة الديمقراطية فيها إلى عبادة الفرد نفسَه، وجعلت منه أيقونة لا يمكن المساس بها على الإطلاق. في النهاية ما الهدف الذي نتوخاه في هذه المقالة من التقابل بين المفهومين الفائض من جهة والنقصان من جهة أخرى، فيما يخص الديمقراطية؟ في الأسبوع الماضي تابعنا مجرى التطور في قضيتين مهمتين، قد تكونان ظاهرياً متباعدتين. لكن لهما في العمق اتصال بموضوعنا. الأولى الانقسام الحاد الذي ظهر على أعقاب سقوط مرسي بين مؤيديه ومعارضيه، سواء في الإعلام المصري والعربي والعالمي، أو عند المحللين السياسيين والمفكرين، حول هل هو انقلاب أم ثورة شعبية؟ (على المستوى الشخصي قلت رأيي في المقالة السابقة. لكني هنا أصف ظاهرة قابلة للتحليل، لا أقل ولا أكثر). القضية الأخرى هي قضية إدوارد سنودن المتعهد السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكية، الذي كشف عن برامج التجسس الأمريكية لمراقبة الاتصالات الهاتفية والإنترنت، والعالق الآن في مطار «شيريميتوفو» بموسكو، منتظراً اللجوء السياسي من إحدى الدول. ويمكن وضع قضية مؤسس ويكيليكس الأسترالي جوليان أسانج، اللاجئ لدى سفارة الإكوادور في لندن بعد فضحه كمية كبيرة من الأسرار الديبلوماسية العالمية، في ذات التوجه أو الإطار نفسه. إن تباين ردود الأفعال حول ما جرى في مصر يعكس مرجعية كل طرف في نظرته إلى المسار الديمقراطي. والفكرة الأهم التي أريد توضيحها هنا أن الصرامة المعيارية لدى الغرب التي تعتمد على الانضباط في تطبيق النصوص المؤسسة للديمقراطية، هي التي جعلت الإدارة الأمريكية وبعض أعضاء الكونجرس، وبعض الأوروبيين يترددون أو يرتبكون قليلاً في وصف ما جرى بأنه ثورة شعبية. بالمنظور الدستوري النظري عند الغرب هو انقلاب عسكري. وبعيداً عن الاعتبارات السياسية والمصالح التي تتغير فيها القناعات باتجاه هذا الرأي أو ذاك، وبعيداً أيضاً عن كون الجماهير المصرية خرجت بمؤامرة مدبرة مسبقاً أم لا، فإن الوضع الواقعي الجديد الذي أحدثه الشعب المصري في خروجه على الرئيس أوجد منظوراً لا ينبغي قياس النصوص الديمقراطية الغربية حرفياً عليه. لكن يمكن قياسه على التجارب الديمقراطية التي سبقت في العالم الثالث، وبالتأكيد هناك فرق بين القياسين، بين النصوص وبين التجارب، الأولى صارمة لا تقبل التغيير وهي سلطة بيد القوى الكبرى، بينما الأخرى سلطة الإرادة الشعبية في التغيير. إذن الارتباك في مواقف الغربيين هو نتاج هذه الصرامة التي ولدتها نصوص الديمقراطية لديهم. أما بالنسبة لمواقف بعض العرب الذين يرون في الحدث انقلاباً فدوافعهم تختلف عن دوافع الغربيين، هذه الدوافع ترتكز على مخاوف من عودة سيطرة الجيش وتأبيد بالتالي الاستبداد السياسي وتقييد الحريات. طبيعة هذه المخاوف هي نتاج المسار الديمقراطي العربي الذي أجهض منذ الخمسينيات، وأيضاً من طبيعة أزماته، وهي أزمة كما تنمُّ عن نقص في الديمقراطية. أما الخلاف بين الدول الغربية في أزمة سنودن فهو خلاف يعكس أزمة الحريات في علاقتها بالديمقراطية، حيث تنمُّ هذه العلاقة عن فائض في الديمقراطية، فتقديس الحريات سبَّب أزمة كبيرة مع الدول ذات السيادة والقوة، وجعل هذه السيادة في مهب الريح. هذا الاختلاف بين الفائض والنقص يمكن قراءته في الشعارات التي رُفعت في المظاهرات المصرية التي تندِّد بالرئيس الأمريكي باراك أوباما في موقفه المتردد، ويمكن قراءة هذا الاختلاف أيضاً في الصراع الدائر الآن بين أمريكا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية والدول الغربية في قضية سنودن بين مَن يؤيده في الكشف عن التجسس باسم الحرية، وبين من يعارضه باسم السيادة والأمن ضد الإرهاب. حيث ما بين الفائض والنقص تكمن مرجعيات وأزمات كل مسار ديمقراطي عرفه المشرق العربي وكذلك الغرب الأوروبي.