بندر بن عبد العزيز الضبعان - الاقتصادية السعودية شهركم مبارك.. رمضان فرصة لإحداث التغيير.. فهذا الشهر شهد وقوع أهم غزوات خير البشر محمد - صلى الله وعليه وسلم - وشهد معارك وفتوحات أخرى في تاريخنا العربي/ الإسلامي.. كلنا نتغير في هذا الشهر الفضيل، إما لقناعة دائمة أو لزهد عابر. فبعض يقرر أن يتغير ويمد يده لمن قاطعهم سنوات. وبعض يتوب عن أكل الحرام. وآخرون يعتزمون ختم القرآن الكريم أو مساعدة المحرومين. غاية القصد أن الكثير من مشروعات التغيير ""حدثت وتحدث وستحدث"" في هذا الشهر المبارك إلى قيام الساعة. ولهذا فإن التغيير الشامل - على مستوى المجتمع - لا يكتمل إلا من خلال السعي إلى تغيير العقلية.. عقلية الفرد أولا ثم المجتمع بأسره. وتعد طريقة التفكير أو العقلية (mindset) مجموعة من الأفكار والتصورات (القناعات) التي تعشش في أذهان فئة من الناس وتدفعهم إلى اتباع سلوكيات معينة. وهنا الخطورة. الخطورة ليست في السلوك فحسب، بل في محرك هذا السلوك. عندما نغير طريقتنا في التفكير، نغير سلوكياتنا (أفعالنا)، وعندما نغير سلوكياتنا، نغير تعاملنا وثقافتنا. ولعل أبسط تشبيه للعقلية، أن نشبهها بالبرنامج الذي يدير جهاز الحاسب. وحدد جيف غارتون أحد أهم خبراء الموارد البشرية في العالم أربعة أبعاد للعقلية: • العقلية تمثل نظرة الفرد إلى الحياة: فمثلا إذا كنت تعتقد أنك ستجد وظيفة، فأنت تملك عقلية ""إيجابية""، أما إذا كنت تعتقد أنك لن تجد أي وظيفة، فأنت تملك عقلية ""سلبية"". • العقلية قابلة للتغيير: إذا كانت عقليتك السلبية تسبب لك المتاعب مع الآخرين، فمن الممكن أن تغير قناعاتك، لتصبح أكثر إيجابية. • العقلية نابعة من الذات ويستطيع الفرد التحكم بها: عندما تدخل قاعة السينما، مثلا، فإنك تبعد عن عقلك كل الأفكار المنغصة لكي تستمتع وتعيش في جو الفيلم، وأنت بذلك تخلق لنفسك ""عقلية الفيلم"". الأمر نفسه، يحدث عندما تسعى لتخفيف الوزن، حيث تتوقف عن التفكير في الأطعمة الضارة والمسمنة وتتوقف عن اختلاق الأعذار لنفسك للتهرب من ممارسة الرياضة، وبذلك أنت تتبنى ""عقلية حرق الدهون"". • العقلية ملحوظة من الآخرين: إذا كنت تردد عبارة مثل ""كلها أيام وأحصل على وظيفة""، فسيلاحظ الآخرون ذلك ويستنتجون أنك ""متفائل""، أما إذا كنت تقول ""أقفلت الأبواب في وجهي ولن أحصل على عمل""، فسيدركون أنك صاحب عقلية ""متشائمة"". من وجهة نظري، أعتقد أن مشكلة العرب ليست ""الدين"" كما يظن البعض إنما في طريقتهم في التفكير (العقلية السلبية). فالإنسان العربي يعيش صراعا بين تعاليم الإسلام (قيم إيجابية) وعقليته العربية (أفكار سلبية). نزل الإسلام على خاتم الأنبياء محمد - صلى الله وعليه وسلم - ليمحو آثار الجاهلية ومعتقداتها إلا أننا ما زلنا نتوارث أفكارا لم تكن سائدة إلا قبل الإسلام: العنصرية والعصبية القبلية، والنظرة الدونية للأقليات والشعوب الأخرى، وتقديس الذكر واحتقار الأنثى، والمبالغة بالعيب والعار، والتباهي المزيف، والنقد غير البناء، والتعنت والتمسك بالرأي، وعدم الاعتراف بالخطأ أو الاعتذار من الآخرين.. هذه صفات العربي (الغليظ) منذ زمن الجاهلية ولا تزال سارية بيننا بلا زمن لانتهاء الصلاحية! أبرز دليل يؤكد هذا الرأي أن نقارن بين أحوال ""العرب المسلمين"" و""المسلمين غير العرب"" تحديدا تركيا وماليزيا وإندونيسيا. انظر إلى المجموعتين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وستجد البراهين التي تؤكد ذلك. مشكلة العرب عقليتهم وليس دينهم. سنلاحظ مثلا ""عقلية الاستبداد"" في كثير من الدول العربية، حيث ُيعامل البشر كالسخرة أو البهائم في مزرعة كبيرة يديرها إقطاعيون لا يعترفون بالحقوق أو الكرامة والحرية. لماذا لم ينهض العرب المسلمون؟ سؤال تجادل حوله المفكرون وتفاوتت إجاباتهم. لكنني أعتقد أن خلاصة تلك الإجابات تتجه إلى تحميل ""العقلية العربية"" كل مصائب تخلفنا العربي. ودعونا نأخذ أمثلة على عقليتنا ""العربية"" من داخل السعودية، وهي أمثلة نتعايش معها كل يوم: • مسؤول يتعمد التأخر في حضور المناسبات العامة ويفكر بعقلية ""أنا أهم منكم"" بدلا من أن يكون قدوة للجميع في التزامه بالوقت. • مسؤول آخر يكابر وينفي لوسائل الإعلام التقصير والأهمال الحاصل من جهازه الإداري بدلا من أن يقف بشجاعة ويعترف بالخطأ أمام الجميع ويعتذر لهم ويعد بالإجراءات التصحيحية. • عميل ينظر إلى أمينة الصندوق (الكاشيرة) بنظرة الاحتقار للمرأة ويقرر مقاطعة السوق بدلا من أن يفكر بعقلية ترى أن ذلك العمل شريف ويحمي المرأة من ذل الحاجة والسؤال. • شاب عاطل يكتفي بإعانة ""حافز"" ويفكر بعقلية ""لا توجد وظائف"" أو ""سوق العمل يسيطر عليه الوافدون"" بدلا من أن يفكر بعقلية ""الفرص موجودة لكنها تحتاج إلى بحث جاد"". • شاب يشغل نفسه في التحايل على ""ساهر"" أو ينظر إليه على أنه برنامج لجباية الأموال بدلا من أن يلتزم بالنظام ويتبع تعليمات السلامة المرورية. هذه أمثلة بسيطة وأنا واثق أن لديكم المزيد. كلها نتاج عقليتنا العربية لا نتاج قيمنا الإسلامية. فعقلية العربي تتشكل في البيت والمدرسة والمسجد والمكتب. إلا أن من أكثر الوسائل التي تغير ""العقليات"" على المستوى الجماعي: الإعلام، والتعليم، والتدريب، والرياضة، أما على المستوى الفردي فهناك: التربية، والقراءة، والسفر. لكن السؤال المهم: من أين نبدأ تغيير العقلية العربية؟ ومن سيتولى تغييرها.. المثقفون؟ السياسيون؟ علماء الدين؟ أم رجال الأعمال؟ والسؤال الأهم: متى يحدث هذا التغيير المنشود.. الآن أم بعد عقود من الزمن؟!