تعودنا نحن العرب منذ زمن طويل أن نهاجم أنفسنا وننتقد ذواتنا، والثابت أن النقد مطلوب، طالما أنه كان موضوعي بناء، قائما على فكر منهجي ورؤية دقيقة للأحداث والممارسات. في الجانب المقابل لنا، الكثير بحمد الله من التجارب الناضجة والجيدة، والتي تستحق الوقوف أمامها وتأملها والتنويه للفوائد المترتبة على خوضها، حتى تتكامل الصورة ونزداد فهما لتجاربنا النابضة بالقوة والتميز. تجربة قناة الجزيرة، قُتلت بحثا، وحازت على الكثير من الثناء، كما طالها الكثير من النقد والاتهام!! وهذا المقال يوجه اليوم شكرا كبيرا لعمل كبير قدمته قناة الجزيرة للجمهور العربي أثناء تغطيتها لمعركة الفرقان في غزة. لا يخفى على القارئ الكريم كيف امتزج الأمل بالألم والضيق الشديد بشيء من نفحات القوة، والشعور بالمشاركة النفسية ومشاطرة الألم في الحرب الدائرة على غزة!! يأتي شعور الألم الكبير مبررا بل ومطلوبا إلى حد كبير، لكن الثابت أن قناة الجزيرة بتغطيتها المستمرة لأحداث الحرب، جعلت المشاهد العربي يشعر أنه لم يعد مرهونا لوكالات الأنباء العالمية، التي كانت تتاجر بصور الحروب، بدلا من أن تقدمها للعالم على هيئتها الطبيعية، وكما حدثت في الزمان والمكان الذي التقطت فيه. المشاهد العربي رفع رأسه عاليا، رغم آلامه الكبرى، ووسط ذهوله من هول المعركة وعمق الجراح، وهو يتابع طبيعة معالجة القناة ونوعية البث وطريقة عرض الأحداث الدامية في تلك البقعة المباركة من أرض الإسلام والمسلمين. لقد كانت جولة قناة الجزيرة ظافرة رغم المحنة القائمة، وكان هناك شعور رفيع بحجم ثقل الأمانة الملقاة على كاهل مراسلي الجزيرة، الذين ينقل أحدهم الخبر وصوت القنابل والرصاص يكاد يصك أذنيه، فكان للعرب عبر قناة الجزيرة موقف إعلامي مسؤول، يحق لهم أن يفتخروا به وهم يرون إعلاما عربيا كان على مستوى التحدي، وخاض التجربة الإعلامية كعادته سابقا غير مسبوق، وعلى مستوى رفيع من الشعور بالمسؤولية. وفي عصر يعيش العرب والمسلمون فيه حالة مزمنة من التراجع الحضاري على أكثر من مستوى، يظهر دور قناة الجزيرة في مثل هذه المحن، ليعيد شيئا من الثقة بالذات إلى المشاهد العربي الحائر وسط آلاف الأفكار والفتن!! التجربة الحضارية لقناة الجزيرة، لا أقول إنها تجربة متكاملة من جميع جوانبها، ولكنها تجربة حية ونافذة، توفرت لها وما تزال عناصر الاستقلال والتميز والحس العالي بعمق الرسالة الإعلامية وأصالة دورها في بناء الوعي وتأصيله لدى المشاهد العربي. وبالرغم من أن قناة الجزيرة منذ ظهورها حتى اليوم، لم تستطع أن تغطي كافة المسؤوليات المنوطة بالرسالة الإعلامية الشاملة، إلا أن دورها في متابعة الخبر ورصده وتحليله، صار مع الأيام، أداء هاما لا يمكن الاستغناء عنه. ولست أعتقد أن متابع قناة الجزيرة يستطيع أن يتخلى عن وجودها أو يقبل بحالة الركود في المشهد الإعلامي قبل انطلاق هذه القناة قبل عدة سنوات. لقد شكل ظهور هذه القناة حالة إعلامية جديدة، لم يعهدها المشاهد العربي من قبل، واستطاعت بأدائها المؤثر أن تفك ألغازا عدة، وأن تحول المشاهد من موقف التفرج والسكون إلى حالة التفاعل، واتخاذ موقف للتعبير عن الرأي، والمشاركة في صناعة الحدث. ويكفي المساحة الإعلامية الجيدة لتغطية المظاهرات العربية والعالمية، دليلا على الدور المحفز للمشاهد العربي، الذي سرعان ما تسري في أوصاله رغبة التفاعل والتظاهر، مشاطرة وتواصلا مع تلك الحملات الإعلامية والجماهيرية المتواصلة في الليل والنهار. نعم، لم تكن لهذه المظاهرات العربية المتواصلة أن تصل لمستوى التلاحم الشعبي المستمر والجيد في الإعداد والظهور، لو لم تكن هناك قنوات جادة كقناة الجزيرة، تتابع دون كلل ما يحدث في شتى بقاع الأرض من صور تعبر عن عمق المشاركة، وصدق العاطفة تجاه أبناء غزة الذين تدك بيوتهم على مرأى من العالم ومسمع! إن نقل التجارب الحية لملايين المشاهدين، هو خيار فعال يساهم ولا شك في دمج الأمة والتقريب بينها، وشد حبالها وتوكيد أواصر الأخوة والانتماء في الأوقات الصعبة التي تمر بها، وهذا دور حساس، وعمل مبارك يستحق القائمون عليه أن نقول لهم من قلوبنا شكرا. فمع كل كلمة صادقة تنقلها الكاميرا، ومع كل شعار عادل تلتقطه أذن المشاهد، ومع كل لقطة تضامنية تبث عبر الفضاء الإعلامي، تلتهب العواطف، وتختفي مشاعر الوهن ليدب في أوصال الأمة شيء من القوة ولو بالتعبير من خلال مظاهرة وخطاب وبيان وحملات للتبرع بالمال والدم للذين طالهم العدوان في أرض غزة الطاهرة. وإذا كان من الدين والأخلاق، أن نقول للمحسن جزاك الله خيرا، كما نقول للمسيء عليك بالتوبة والإقلاع عن ذنبك، فهذا بالتحديد ما يتوجب علينا أن نفعله، أفرادا وجماعات، إزاء فضائياتنا، من وفّى منها ومن قصّر، ومن باع منها، ومن اشترى، ومن استرخص منها الدماء وآثر أن يكون بين الجرحى والمصابين في غزة، ليتابع أحداث غزة في قلب الميدان ومن عمق أرض المعركة!! نعم، شتان بين من اختار الانحياز لضمير الأمة ووعيها وبين من تاجر في مشاعرها واستخف بأحزانها وصم الآذان عن صوت الطائرات وأزيزها فوق تلك الأجواء المفعمة برائحة الدم الطاهر!! نعم، شكرا قناة الجزيرة لأنك ساهمت في توحيد المشاعر وربطتنا بالحدث الكبير، وتعاملت مع المشاهد العربي باحترام يليق بالرسالة الإعلامية النزيهة. وعزاؤنا كل العزاء للراقصين فوق جراحنا، فقد خابت صفقتهم واختاروا أن يكونوا بين المخلفين والمثبطين والعابثين بالقيم. شكرا لكل مراسل حر، ولكل محلل سياسي انحاز لضمير الأمة ووعيها. شكرا لكل مصور حمل بيمينه الكاميرا وبشماله اقتناعه بقيمة دوره في كشف الحقائق. شكرا لطواقم الأخبار ولمعدي نشراتها ولمنفذيها. شكرا لكل من قال كلمة حق في معركة الفرقان. شكرا كل من وفى وصان عرضه وضميره أن يلغ في الدماء الطاهرة أو يتاجر في قيمة الحياة وكرامة الإنسان. شكرا لكل فضائية جادة وقفت بجانب الحق والعدالة في معركة الفرقان، والحمد الله الذي لم يحرمنا رغم عمق الجراح أن نرى نبل المواقف الإعلامية، كما رأينا نبل أحرار غزة من الرجال والنساء.