قالت لي: «أفكر في تغيير القسم الذي أنا به، لقد تعبت من سيل العقاب الذي يقع على رؤوسنا كلما قصر أحدنا لأي سبب، بقصد وبلا قصد منه وقد يكون لظروف العمل أو ظروفه الشخصية، مما ينذر بعقاب جماعي مهين يقع علينا بشكل متعمد، خمسة عشر عاما أعمل في هذا القسم بلا أدنى تقدير ولا كلمة شكر واحدة كل ما أجنيه هو التذمر والتقريع المتواصل في حالة سهو أحدنا عن تأدية واجبه، إنه أمر محبط للغاية»، تقول: إنها تتعرض للتقريع والإهانة والإنذارات والتلويح بالعقاب في كل هفوة أو تقصير حتى وإن قام به أحد زملائها في العمل، إنها تعترض على طريقة التحدث المهينة، والأسلوب الذي قد يصل لحد التجريح في التعامل مع فريق العمل في حالة حدوث أي قصور، وتنتقد طريقة الإنذار ومعالجة الأمر بالإهانة والتلويح بالعقاب المادي والمعنوي في كل مرة. تقول: «إنه أمر في غاية المهانة، أنهم لا يقدرون عملنا المضني فقط يعرفون كيف يعاقبوننا ويجهلون تقديرنا حتى بكلمة امتنان واحدة حين ننجز بقوة».. إنهم يجهلون حقاً طريقة العقاب المثالية التي تبني وتشجع على الإقدام في العمل، بهذه الطريقة إنهم ينمون الآفات السلوكية: الخوف، العناد، الأنفة. وما يترتب عليها من نتائج: العمل بلا تركيز، تعمد الخطأ، التكاسل، انعدام وازع المسؤولية لدى الفرد، عدم الاكتراث وأحياناً الانتقام بتعمد الخطأ والقصور. فهل ندرك أن بعض العقاب يؤدي لنتائج عكسية؟! خمس عشرة سنة خبرة، إنها تتحدث عن سنوات تُشترى في أسواق العمل العالمية، خمس عشرة سنة تخولها أن تكون قائد فريق متمرسا، ماذا لو أعطيت هذه «المتعبة» بعض كلمات شكر تجعلها تقدر نفسها وتجمل عملها بعطاء كبير!! نحن نفرط بشكل لا نعيه في ثرواتنا. من المثير حقاً أن نلجأ للعقاب كحل أمثل، لست ضد العقاب والعقاب الصارم، ولكن ضد كسر الأنفس التي لن تجزل العطاء وتفتقد موردا قل نظيره. العقاب لا يقع لهفوة وسهو وتقصير آن لاغياً تاريخاً كاملاً من العمل الجيد، بعض العاملين يحتاج لفهمه وإعطائه كل الوسائل ليكون أفضل، هناك وسائل للعقاب منها حل المشكلة المتسببة في الأمر مثلاً. المشكلة لا تقف على العقاب وحسب بل حتى على الثواب، فهناك من يتعمد إهمال المطالبة بحق العامل الذي يعمل ضمن فريقه، ويتكاسل عن اداء واجبه ومنحه حقه، في المقابل فهو يعاقبه على تقصير قد لا يكون متعمدا، وبعض الإداريين يجد في عدم مطالبته بحقوق العاملين في فريقة نوعا آخر من العقاب «غير المشروع». يقول أحدهم: «عملت في شركة صاحبها أعطاني كل الثقة، كان يقول لي: «لا يهمني حضورك وانصرافك، لا يهمني أن أكون شرطياً عليك، كل ما يهمني هو معدل إنتاجية لا تقل نسبتها عما أحددها لك، أجل يهمني عملك فقط وأنا أعطيك كامل ثقتي وحريتك»، يتابع: «كنت أجتهد في العمل جراء هذه الثقة وكأني أدير مكتب والدي، وكنت أحصل على راتب يفوق ما يحصل عليه حاملو شهادة البكالوريس وأنا حاصل على الثانوية، مع نسبة لا تقل عن عشرة بالمائة عن كل عملية أنجزها، كان العمل معه ممتعاً للغاية كنت أعشق الذهاب للعمل وأقضي جل يومي فيه لم أشعر بالتعب حتى حين أكون مريضاً». هل نلاحظ الاختلاف بين القائد والإداري؟! إنه الفرق بين المتمكن والذي يعاني قصورا ما، إنه الفرق في الصفات القيادية ومنح الثقة وأخلاقيات العمل والتقدير. الإداري يطبق فقط مبدأ العقاب بين التلويح به وتطبيقه، والقائد يمنح الثواب بين تقدير العمل والمجازاة على الإنجاز، وتدارك أي مشكلة ومحاولة حلها، لا زيادة اتساعها. حقيقة أعجب جداً من كمية العقاب الممنوحة لموظفي القطاع العام في سوق العمل، مقابل القطاع الخاص الذي يتميز بكفاءة موظفيه وترقيتهم السريعة ورواتبهم العالية، فالخلل وارد وهنا يجب تمكين الإداري ليكون قائداً، بالطبع هناك شركات أسوأ في القطاع الخاص وهذه الشركات ستتميز بأنها لا تتطور أبداً ذلك لأن العاملين لا يطيلون البقاء فيها. سوق العمل وخلال السنوات الأخيرة في اسواقنا الخليجية بدت مهتمة بتنمية المورد البشري وتأهيله، التنمية والتأهيل لا يقتصر على المهارات وحسب، ولذا يجب أن يركز على نماذج العمل وعلى تحسين العمل الإداري وبيئة العمل، وعلى التوعية بمبدأ الثواب والعقاب. المشكلة هنا لا تكمن في تأهيل فرد ولا تنتهي بهذا، فدائرة العمل كدائرة المفتاح الكهربائي مترابطة الأسلاك إذا اختل المفتاح أو أحد أسلاكه لن تفلح أي محاولة في إشعال نور المصباح، إلا بعد إصلاح العطل. لذا فإن التأهيل لا يقتصر على الباحثين عن عمل، أو على تأهيل الأفراد وحدهم، إن الحاجة أكبر لتأهيل الإدارة لصنع فرق قيادية متطورة تساهم في تطوير عملية الإنتاج ومردوداتها وضمان جودتها، بالذات ونحن في زمن «التقشف»، فمثل هؤلاء يهدرون الطاقة البشرية المحلية ما يؤدي لسوء الإنتاج.